تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (155)

{ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم إن الله غفور حليم يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحي ويميت والله بما تعملون بصير ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون }

المفردات :

استزلهم : أوقعهم في الزلل بما زينه لهم .

التفسير :

155 -{ إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا ولقد عفا الله عنهم عن اله غفور حليم } .

المعنى الإجمالي :

إن الذين انصرفوا منكم من الثبات في أماكنهم يا معشر المسلمين يوم التقى جمعكم وجمع الكفار للقتال في غزوة أ حد إنما جرهم الشيطان إلى الزلل والخطأ بسبب ما ارتكبوا من مخالفة الرسول ولقد تجاوز الله عنهم لأنه كثير المغفرة واسع الحلم .

الفرار من المعركة :

حذرت آيات القرآن وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم من التولي يوم الزحف أي الفرار يوم القتال .

قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلى متحرفا لقتال او متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله ومأواهم جهنم وبئس المصير ( الأنفال 15-16 ) .

***

كما أمر القرآن بالثبات والاحتمال والاستعانة بذكر الله ليكون كل ذلك مددا وقوة لنفسية المحارب قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين ( الأنفال 65-46 ) .

***

وفي غزوة أحد خالف الرماة أمر النبي صلى الله عليه وسلم وتركوا أماكنهم فاضطرب نظام المعركة وهجم المشركون على بقية الرماة فقتلوهم وأصابوا المسلمين إصابات بالغة وقد فر بعض المسلمين من المعركة متوجها نحو المدينة كما أن بعض المسلمين لم يثبت بجوار النبي صلى الله عليه وسلم بل فر إلى الجبل أو إلى غيره عندما اضطربت الصفوف .

" ولقد حكى لنا التاريخ أن هناك جماعة من المسلمين ثبتت إلى جانب النبي صلى الله عليه وسلم بدون وهن أو ضعف وقد أصيب ممن كان حوله أكثر من ثلاثين وكلهم كان يفتدي النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه

قال صاحب المنار :

وهناك وجه آخر في تفسير هذه الآية وهو أن الذين تولوا هم جميع الذين تخلوا عن القتال من الرماة وغيرهم كالذين انهزموا عندما جاءهم العدو من خلفهم واستدل القائلون بهذا الوجه روى من أن عثمان بن عفان عوتب في هزيمته يوم أحد فقال إن ذلك خطأ عفا الله عنه .

***

ولقد قال المفسرون في صدد جملة ببعض ما كسبوا إنها تعني عصيان رسول الله صلى الله عليه وسلم وحب الغنيمة . وكراهية الموت .

***

وهذه الآية فيها تحذير للمسلمين من التولي يوم الزحف وتحذير لهم من طاعة الشيطان والاستماع إلى وسوسته لان طاعة الشيطان طريق إلى المعصية والوهن والضعف ومن سنة الله أن يعاقب الإنسان حينا في الدنيا للتعليم والتأديب وأن يصفح عنه أحيانا لمعرفته سبحانه بضعف البشر قال تعالى : { وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير } ( الشورى 30 ) .

قال الأستاذ محمد عزة دروزة :

ولفقد علم الله إخلاصهم وما أصابهم من خسائر في الأرواح وجروح في الأجساد وحزن وجزع فاقتضت حكمته أن يغفر لهم زلتهم وأن يبشرهم بهذه البشرى تهدئة لروعهم وتضميدا لجراحهم وأن يكتفي بما وجهه إليهم الآيات من عتاب وتحذير وتنبيه وفي ذلك ما فيه من معالجة ربانية جليلة للموقف العصيب وتأميل في عوف الله وحلمه وغفرانه في كل موقف مماثل إذا لم تشبه شائبة من سوء نية وخبث طوية 123 .

/خ158

 
تيسير التفسير لإبراهيم القطان - إبراهيم القطان [إخفاء]  
{إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (155)

الجمعان : جمع المؤمنين وجمع المشركين .

استزلهم الشيطان : جرهم إلى الخطأ .

إن الذين انهزموا منكم يا معشر المسلمين ، يوم أحد إنما جرّهم الشيطان إلى الزلل والخطأ ، فعصَوا أمر الرسول وبارحوا المكان الذي أوقفهم فيه على الجبل . لقد رأوا النصر للمسلمين في أول المعركة فهبطوا إلى السهل طمعاً في الغنيمة . عند ذلك هاجمهم خالد بن الوليد بخيل المشركين ، وقتل من بقي من الرماة ، وأحدث الخلل في صفوف المسلمين . ولقد فر أكثر المقاتلين ، ولم يبق مع النبي إلا ثلاثة عشر رجلاً : منهم خمسة من المهاجرين هم : أبو بكر وعلي وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص ، وثمانية من الأنصار . وقد انهزم بعضهم ولم يعد إلا بعد ثلاثة أيام .

من هذا يتبين أن عملاً بسيطا لا يقدّره الإنسان قد يجر إلى نكبة كبرى ، ويكون بعمله هذا قد قدّم أعظم مساعدة لعدوه . وهذا ما نحن فيه اليوم ، فإننا بتفرقنا ومعاداتنا لبعضنا البعض ، إنما نقدم أعظم خدمة لليهود وحلفائهم ، منّا ومن غيرنا .

وفي الآية تصوير لحالة النفس البشرية حين ترتكب الخطيئةَ فتفقد ثقتها في قوتها ، ويختلّ توازنها ، فَتَبِيتُ عرضةً للوساوس والهواجس . وعندئذ يجد الشيطان طريقه إلى هذه النفس فيقودها إلى الزلل والخطأ ، وتحل بها النكبة والهزيمة . . . .

ولكن الله أدرك أصحاب أُحد برحمته ، فلم يدع الشيطان يتسلط عليهم ، بل عفا عنهم ، ثم أخبرهم بأنه غفور حليم . ونحن نسأل الله تعالى أن يردّنا إلى طريقه المستقيم ، ويدركنا برحمته فيوحّد كلمتنا ويعيد إلينا ثقتنا بأنفسنا ، لننظم صفوفنا ونسترد ما اغتُصب من بلادنا .