تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (3)

المفردات :

مد الأرض : بسطها أمام البصر طولا وعرضا ، وأمدها بمقومات الحياة .

وجعل فيها رواسي : جبالا ثابتة ، وهي : جمع راسية ، يقال : أرسيت الوتد في الأرض ؛ إذا أثبته .

ومن كل الثمرات : وجعل فيها زوجين اثنين من كل الثمرات .

زوجين اثنين : نوعين وضربين .

يغشي الليل النهار : يجلل الليل النهار فيلبسه ظلمته ، والنهار الليل فيلبسه ضياءه .

إن في ذلك لآيات : استدلالات وحجج لمن فكر ؛ فيعلم أن العبادة لا تجوز إلا للخالق عز وجل .

التفسير :

{ وهو الذي مد الأرض وجعل فيها رواسي وأنهارا . . . } الآية .

بسط الله الأرض أمام البصر ، وجعلها صالحة للحياة ، فجعل الجبال أوتادا ؛ لحفظ توازنها ، وأمدها بالأنهار والمياه ، والماء هو العنصر اللازم لأي حياة نباتية . قال تعالى : { وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى } . ( طه : 53 ) .

ويقول سبحانه : { ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين } ؛ ليكمل إبداع الخلق وتناسقه .

" والمعروف أن الثمرة هي نتاج عملية تناسل النباتات العليا التي تمتلك نظاما مركبا والمرحلة التي تسبق الثمرة هي مرحلة الزهرة بأعضائها الذكرية( الأبر ) وأعضائها الأنثوية( البويضات ) وبعد نقل اللقاح تعطى هذه الأخيرة الثمار التي تعطى هذه الحبوب بعد النضج . إن كل ثمرة تتضمن بالضرورة وجود أعضاء ذكورة وأعضاء أنوثة ، ونلمح ذلك من المقطع السابق من الآية .

{ يغشي الليل النهار } . أي : جعل كلا منهما يطلب الآخر طلبا حثيثا ، فإذا ذهب هذا غشيه هذا ، وإذا انقضى هذا جاء الآخر ، فيتابع الله بين الليل والنهار في انتظام عجيب ونظام دقيق يبعث على التأمل في ناموس هذا الكون والتفكير في القدرة المبدعة التي تدبره وترعاه .

{ إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون } . فإن التفكر والتأمل عبادة روحية صامتة تقود الإنسان إلى اليقين بقدرة الله رب العالمين .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ} (3)

قوله تعالى : " وهو الذي مد الأرض " لما بين آيات السماوات بين آيات الأرض ، أي بسط الأرض طولا وعرضا . " وجعل فيها رواسي " أي جبالا ثوابت ، واحدها راسية ؛ لأن الأرض ترسو بها ، أي تثبت ، والإرساء الثبوت ، قال عنترة :

فصبرتُ عارفةً لذلك حُرَّةً *** تَرْسُو إذَا نَفْسُ الجَبَانِ تَطَلَّعُ{[9328]}

وقال جميل :

أُحِبُّها والذي أرْسَى قواعدَه *** حُبًّا إذا ظَهَرَت آياتُه بَطَنَا

وقال ابن عباس وعطاء : أول جبل وضع على الأرض أبو قبيس{[9329]} .

مسألة : في هذه الآية رد على من زعم أن الأرض كالكرة ، ورد على من زعم أن الأرض تهوي أبوابها عليها ، وزعم ابن الراوندي أن تحت الأرض جسما صَعَّادًا كالريح الصعادة ، وهي منحدرة فاعتدل الهاوي والصعاد في الجرم والقوة فتوافقا . وزعم آخرون أن الأرض مركب من جسمين : أحدهما منحدر ، والآخر مصعد ، فاعتدلا ، فلذلك وقفت . والذي عليه المسلمون وأهل الكتاب القول بوقوف الأرض وسكونها ومدها ، وأن حركتها إنما تكون في العادة بزلزلة تصيبها . وقوله تعالى : " وأنهارا " أي مياها جارية في الأرض ، فيها منافع الخلق .

" ومن كل الثمرات جعل فيها زوجين اثنين " بمعنى صنفين . قال أبو عبيدة : الزوج واحد ، ويكون اثنين . الفراء : يعني بالزوجين ها هنا الذكر والأنثى ، وهذا خلاف النص . وقيل : معنى " زوجين " نوعان : كالحلو والحامض ، والرطب واليابس ، والأبيض والأسود ، والصغير والكبير .

" إن في ذلك لآيات " أي دلالات وعلامات " لقوم يتفكرون " .


[9328]:قبل البيت: وعرفت أن منيتي إن تأتني *** لا ينجني منها الفرار الأسرع
[9329]:أبو قبيس: جبل مشرف على مسجد مكة.