تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا} (15)

15-{ من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } .

قال أبو السعود :

من اهتدى بهداية القرآن وعمل بما في تضاعيفه من الأحكام وانتهى عما نهاه ؛ فإنما تعود منفعة اهتدائه إلى نفسه لا تتخطاه إلى غيره ممن لا يهتدي ، ومن ظل . أي : عن الطريقة التي يهديه إليها ؛ فإنما يضل عليها . أي : وبال ضلاله عليها ، لا على من عداه ممن لم يباشر الضلال ، فقوله : { ولا تزر وازرة وزر أخرى } . مؤكد لما قبله للاهتمام به .

قال أبو السعود :

أي : لا تحمل نفس حاملة للوزر ، وزر نفس أخرى حتى يمكن تخلص النفس الثانية عن وزرها ويختل ما بين العامل وعمله من التلازم بل إنما تحمل كل منهما وزرها . وهذا تحقيق لمعنى قوله عز وجل { وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه } . 1 ه .

وفي الآية تقرير لمبدأ التبعة الفردية التي تربط كل إنسان بنفسه وتجعله مسئولا عن عمله ، إن اهتدى فلنفسه وإن ضل فعليها ، وما من نفس تحمل وزر أخرى ، وما من أحد يخفف حمل أحد إنما يسأل كل عن عمله ويجزى كل بعمله ولا يسأل حميم حميما .

إن الله سبحانه لا يحاسب الناس جملة بالقائمة إنما يحاسبهم فردا فردا كل على عمله وفي حدود واجبه ، ومن واجب الفرد أن ينصح وأن يحاول الإصلاح غاية جهده ، فإذا قام بقسطه هذا فما عليه من السوء في الجماعة التي يعيش فيها فإنما هو محاسب على إحسانه ، كذلك لن ينفعه صلاح الجماعة إذا كان هو بذاته غير صالح .

على هذا نرى الإسلام ينكر أشد الإنكار فكرة بيع صكوك الغفران القائمة على أن كنوز الصالحات تدخر من أعمال الصالحين ؛ ليباع منها لغيرهم ، تلك الفكرة تناقض أصولا مشهورة ونصوصا صريحة في القرآن ، والآيات المناهضة لفكرة بيع التوبة وكنوز الصالحين كثيرة في القرآن ، منها :

قوله تعالى : { كل نفس بما كسبت رهينة } . ( المدثر : 38 ) .

وقوله سبحانه : { لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } . ( البقرة : 286 ) .

والآية التي نفسرها : { من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها ولا تزر وازرة وزر أخرى . . . } إلى غير ذلك من الشواهد التي تؤيد أن لكل نفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت .

كذلك لا غرابة في أن ينكر الإسلام الاعتراف بالذنب لرجل الدين حتى تصح التوبة ويمحى الذنب ؛ إذ أساس الإسلام أن الله وحده يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات .

{ وما كنا معذّبين حتى نبعث رسولا } .

أي : وما صح وما استقام منا أن نعذب قوما قبل أن نبعث إليهم رسولا يهديهم إلى الحق ويردعهم عن الضلال ؛ إقامة للحجة وقطعا للعذر ، والعذاب أعم من الدنيوي لقوله تعالى : { ولو أنّا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذلّ ونخزى } . ( طه : 134 ) .

وقال تعالى : { كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا نذير فكذّبنا وقلنا ما نزّل الله من شيء إن أنتم إلا في ضلال كبير } . ( الملك : 9 ، 8 ) .

إلى نحو ذلك من الآيات الدالة على أنه تعالى لا يدخل أحدا النار ، إلا بعد إرسال الرسل إليه .

قال قتادة : إن الله لا يعذب أحدا حتى يتقدم إليه بخير أو بينة ولا يعذب أحدا بذنبه .

وخلاصة ذلك : أن سنتنا المبنية على الحكم العالية ألا نعذب أحدا أي نوع من العذاب الدنيوي أو الأخروي على فعل شيء أو تركه ؛ إلا إذا أرسلنا إليه رسولا يهدي إلى الحق ويردع عن الضلال ويقيم الحج ويبلغ الدعوة .

قال الإمام الغزالي : الناس بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلم أصناف ثلاثة :

( أ ) من لم تبلغهم دعوته ولم يسمعوا به أصلا وأولئك مقطوع لهم بالجنة .

( ب ) من بلغتهم دعوته وظهور المعجزات على يديه ، وما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الأخلاق العظيمة والصفات الكريمة ، ولم يؤمنوا به كالكفرة الذين بين ظهرانينا ؛ وأولئك مقطوع لهم بالنار .

( ج ) من بلغتهم دعوته صلى الله عليه وسلم وسمعوا به ولكن كما يسمع أحدنا الدجالين وحاشا قدره الشريف عن ذلك وهؤلاء أرجو لهم الجنة إذا لم يسمعوا ما يرغبهم في الإيمان به .

يريد الغزالي بهذا أنهم سمعوا عنه أخبارا مكذوبة وعن دينه أخبارا لا تنطبق على حقيقته كما يفعل رجال الكنائس في تشويه أخبار الرسول صلى الله عليه وسلم بأنه مزواج مطلاق وأنه كان متهالكا في حب النساء ، وأن دينه دين وثنية ؛ لأنه كان يسجد للكعبة وأنه خالف جميع الأنبياء واتجه إليها ولم يتجه إلى بيت المقدس ، وأن القرآن كثير المتناقضات كثير التكرار للقصص وفيه كذب ، إلى نحو أولئك مما يقولون وهم لا يقولون إلا ترهات وأباطيل .

فالشرط عند الغزالي أن تبلغ الإنسان الرسالة على نحو يحرك فيه داعية القبول . فلو لم تبلغه الرسالة أو بلغته بصورة مشوهة فليس من حكمة الله أن يعذبه لقوله سبحانه : { وما كنا معذبين حتى نبحث رسولا } .

قال صاحب الكشاف : معناها : ما يصح منا صحة تدعو إليها الحكمة أن نعذب قوما إلا بعد أن نبعث إليهم رسولا فيلزمهم الحجة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{مَّنِ ٱهۡتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهۡتَدِي لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيۡهَاۚ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۗ وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبۡعَثَ رَسُولٗا} (15)

قوله تعالى : " من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها " أي إنما كل أحد يحاسب عن نفسه لا عن غيره ، فمن اهتدى فثواب اهتدائه له ، ومن ضل فعقاب كفره عليه . " ولا تزر وازرة وزر أخرى " تقدم في الأنعام{[10160]} . وقال ابن عباس : نزلت في الوليد بن المغيرة ، قال لأهل مكة : اتبعون واكفروا بمحمد وعلي أوزاركم ، فنزلت هذه الآية ، أي إن الوليد لا يحمل آثامكم وإنما إثم كل واحد عليه . يقال : وزر يزر وزرا ، ووزرة ، أي أثم . والوزر : الثقل المثقل والجمع أوزار ، ومنه " يحملون أوزارهم على ظهورهم{[10161]} " [ الأنعام : 31 ] أي أثقال ذنوبهم . وقد وزر إذا حمل فهو وازر ، ومنه وزير السلطان الذي يحمل ثقل دولته . والهاء في قوله{[10162]} كناية عن النفس ، أي لا تؤخذ نفس آثمة بإثم أخرى ، حتى أن الوالدة تلقي ولدها يوم القيامة فتقول : يا بني ألم يكن حجري لك وطاء ، ألم يكن ثديي لك سقاء ، ألم يكن بطني لك وعاء ، فيقول : بلى يا أمه فتقول : يا بني فإن ذنوبي أثقلتني فاحمل عني منها ذنبا واحدا فيقول : إليك عني يا أمه فإني بذنبي عنك اليوم مشغول .

مسألة : نزعت عائشة رضي الله عنها بهذه الآية في الرد على ابن عمر حيث قال : إن الميت ليعذب ببكاء أهله . قال علماؤنا : وإنما حملها على ذلك أنها لم تسمعه ، وأنه معارض للآية . ولا وجه لإنكارها ، فإن الرواة لهذا المعنى كثير ، كعمر وابنه والمغيرة بن شعبة وقيلة بنت مخرمة ، وهم جازمون بالرواية ، فلا وجه لتخطئتهم . ولا معارضة بين الآية والحديث ، فإن الحديث محمله على ما إذا كان النوح من وصية الميت وسنته ، كما كانت الجاهلية تفعله ، حتى قال طرفة :

إذا متُّ فانعينِي بما أنا أهلُه *** وشُقِّي عليّ الجيب يا بنتَ مَعْبَدِ

وقال :

إلى الحول ثم اسمُ السلام عليكما *** ومن يبكِ حولا كاملا فقد اعْتَذَرْ

وإلى هذا نحا البخاري . وقد ذهب جماعة من أهل العلم منهم داود إلى اعتقاد ظاهر الحديث ، وأنه إنما يعذب بنوحهم ؛ لأنه أهمل نهيهم عنه قبل موته وتأديبهم بذلك ، فيعذب بتفريطه في ذلك ، وبترك ما أمره الله به من قوله : " قوا أنفسكم وأهليكم نارا{[10163]} " [ التحريم : 6 ] لا بذنب غيره ، والله أعلم .

قوله تعالى : " وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا " أي لم نترك الخلق سدى ، بل أرسلنا الرسل . وفي هذا دليل على أن الأحكام لا تثبت إلا بالشرع ، خلافا للمعتزلة القائلين بأن العقل يقبح ويحسن ويبيح ويحظر . وقد تقدم في البقرة القول فيه{[10164]} . والجمهور على أن هذا في حكم الدنيا ، أي أن الله لا يهلك أمة بعذاب إلا بعد الرسالة إليهم والإنذار . وقالت فرقة : هذا عام في الدنيا والآخرة ، لقوله تعالى : " كلما ألقي فيها فوج سألهم خزنتها ألم يأتكم نذير قالوا بلى قد جاءنا " [ الملك : 8 ] . قال ابن عطية : والذي يعطيه النظر أن بعثه آدم عليه السلام بالتوحيد وبث المعتقدات في بنيه مع نصب الأدلة الدالة على الصانع مع سلامة الفطر توجب على كل أحد من العالم الإيمان واتباع شريعة الله ، ثم تجدد ذلك في زمن نوح عليه السلام بعد غرق الكفار . وهذه الآية أيضا يعطي احتمال ألفاظها نحو هذا في الذين لم تصلهم رسالة ، وهم أهل الفترات الذين قد قدر وجودهم بعض أهل العلم . وأما ما روي من أن الله تعالى يبعث إليهم يوم القيامة وإلى المجانين والأطفال فحديث لم يصح ، ولا يقتضي ما تعطيه الشريعة من أن الآخرة ليست دار تكليف . قال المهدوي : وروي عن أبي هريرة أن الله عز وجل يبعث يوم القيامة رسولا إلى أهل الفطرة والأبكم والأخرس والأصم ، فيطيعه منهم من كان يريد أن يطيعه في الدنيا ، وتلا الآية ، رواه معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن أبي هريرة ، ذكره النحاس .

قلت : هذا موقوف ، وسيأتي مرفوعا في آخر سورة [ طه ] إن شاء الله تعالى ، ولا يصح . وقد استدل قوم في أن أهل الجزائر إذا سمعوا بالإسلام وآمنوا فلا تكليف عليهم فيما مضى ، وهذا صحيح ، ومن لم تبلغه الدعوة فهو غير مستحق للعذاب من جهة العقل ، والله أعلم .


[10160]:راجع ج 7 ص 155.
[10161]:راجع ج 6 ص 413.
[10162]:يبدو هنا سقط لفظ: وازرة بدليل ما بعدها.
[10163]:راجع ج 18 ص 194 وص 212.
[10164]:راجع ج 1 ص 251.