تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (102)

{ وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم ( 102 ) }

التفسير :

102 { وآخرون اعترفوا بذنوبهم . . . } الآية .

قال ابن عباس : نزلت هذه الآية في عشرة تخلفوا عن غزوة تبوك ، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته ، وكان قريبا من المدينة ؛ ندموا على تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا : نكون في الظلال والأطعمة والنساء ، ونبي الله في الجهاد واللأواء ، والله لنوثقن أنفسنا بالسواري ، ثم لا نطلقها حتى يكون نبي الله هو الذي يطلقنا ، فأوثق سبعة منهم أنفسهم في سواري المسجد و بقي ثلاثة لم يوثقوا أنفسهم ، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوته ، فمر بالمسجد فأبصرهم فسأل عنهم ، فقيل له : إنه أبو لبابة وأصحابه تخلفوا عنك يا نبي الله ، فصنعوا بأنفسهم ما ترى ، وعاهدوا الله ألا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت الذي تطلقهم ؛ فقال صلى الله عليه وسلم لا أطلقهم حتى يأمر الله بإطلاقهم ، ولا أعذرهم حتى يعذرهم الله ، قد رغبوا بأنفسهم عن غزوة المسلمين ، فأنزل الله تعالى : { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم } . فأطلقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وعذرهم137 .

ومعنى الآية : ومن أهل المدينة قوم آخرون ، اعترفوا بتخلفهم عن الغزو ؛ إيثارا للدعة وطلبا للسلامة ؛ مع إيمانهم وتصديقهم بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم .

{ خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا } . أي : قدموا جهادا سابقا في غزوات سابقة ، وقدموا طاعات لله ، ثم خلطوا ذلك بعمل سيء ؛ هو تخلفهم عن غزوة تبوك ، ثم ندمهم وتوبتهم .

{ عسى الله أن يتوب عليهم } . أي : يرجى أن يقبل الله توبتهم ، المفهومة من اعترافهم بذنوبهم .

{ إن الله غفور رحيم } . أي : إنه تعالى واسع المغفرة والرحمة لكل من ندم واستقام ، والتزم بطاعة الله تعالى .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (102)

{ 102 - 103 ْ } { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ْ }

يقول تعالى : { وَآخَرُونَ } ممن بالمدينة ومن حولها ، بل ومن سائر البلاد الإسلامية ، { اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ } أي : أقروا بها ، وندموا عليها ، وسعوا في التوبة منها ، والتطهر من أدرانها .

{ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا } ولا يكون العمل صالحا إلا إذا كان مع العبد أصل التوحيد والإيمان ، المخرج عن الكفر والشرك ، الذي هو شرط لكل عمل صالح ، فهؤلاء خلطوا الأعمال الصالحة ، بالأعمال السيئة ، من التجرؤ على بعض المحرمات ، والتقصير في بعض الواجبات ، مع الاعتراف بذلك والرجاء بأن يغفر اللّه لهم ، فهؤلاء { عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } وتوبته على عبده نوعان :

الأول : التوفيق للتوبة . والثاني : قبولها بعد وقوعها منهم .

{ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي : وصفه المغفرة والرحمة اللتان لا يخلو مخلوق منهما ، بل لا بقاء للعالم العلوي والسفلي إلا بهما ، فلو يؤاخذ اللّه الناس بظلمهم ما ترك على ظهرها من دابة .

{ إن اللّه يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا } .

ومن مغفرته أن المسرفين على أنفسهم الذين قطعوا أعمارهم بالأعمال السيئة ، إذا تابوا إليه وأنابوا ولو قبيل موتهم بأقل القليل ، فإنه يعفو عنهم ، ويتجاوز عن سيئاتهم ، فهذه الآية ، دلت{[383]}  على أن المخلط المعترف النادم ، الذي لم يتب توبة نصوحا ، أنه تحت الخوف والرجاء ، وهو إلى السلامة أقرب .

وأما المخلط الذي لم يعترف ويندم على ما مضى منه ، بل لا يزال مصرا على الذنوب ، فإنه يخاف عليه أشد الخوف .


[383]:- في ب: دالة.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَءَاخَرُونَ ٱعۡتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمۡ خَلَطُواْ عَمَلٗا صَٰلِحٗا وَءَاخَرَ سَيِّئًا عَسَى ٱللَّهُ أَن يَتُوبَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (102)

قوله تعالى : { وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخرون سيئا عيسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم } { آخرون } معطوف على { منافقون } وقيل : مبتدأ ، وخبره جملة { خلطوا } {[1883]} .

وهذه طائفة من المسلمين ، من ضعاف العزائم والهمم في أمر دينهم . إذ لم يكونوا منافقين تماما كالذين تخلفوا عن الجهاد تكذيبا ؛ لشرع الله وشكا في الدين ورغبة عن رسول الله . ليس هؤلاء كأولئك ؛ بل إن هؤلاء تخلفوا كسلا ورغبة في الدعة والاسترخاء والراحة مع إيمانهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم حق . وأن ما جاءهم به لهو من عند الله وأنه حق . وهؤلاء قد أقروا بذنوبهم التي اكتسبوها وكان لهم في مقابلتها أعمال أخرى حسنة فاختلطت حسناتهم وسيئاتهم . وأمثال هؤلاء مردهم إلى رحمة الله وعفوه .

وقيل : المراد بهم أناس معينون تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الغش والنفاق ؛ بل على سبيل الضعف وتعثر الهمة فقط ؛ فقد تخلف هؤلاء عن الذهاب إلى تبوك ، ثم غشيتهم بعد ذلك غاشية من التوبة الصادقة والندم الأسيف حتى أوثقوا أنفسهم بسواري المسجد وكان ممر النبي صلى الله عليه وسلم إذا رجع في المسجد عليهم . فلما رآهم قال : ( من هؤلاء الموثقون أنفسهم ؟ ) قالوا : هذا أبو لبابة وأصحاب له تخلفوا عنك يا رسول الله وقد أقسموا أن لا يطلقوا أنفسهم حتى تكون أنت تطلقهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وأنا أقسم بالله تعالى لا أطلقهم ولا أعذرهم حتى يكون الله تعالى هو الذي يطلقهم ) . فأنزل الله تعالى الآية . فأرسل عليه الصلاة والسلام إليهم فأطلقهم وعذرهم{[1884]} وفي رواية أخرى أنهم كانوا ثلاثة . وأخرى أنهم ثمانية . وهذه الآية وإن كانت في أناس معينين لكنها تعم بفحواها كل المذنبين المقصرين الذين قعدوا عن أداء الواجب كسلا وتهاونا واسترخاء ، وخلطوا أعمالا حسنة بأخرى سيئة .

قوله : { عسى الله أن يتوب عليهم } عسى من الله واجب كما قال ابن عباس . والصحيح أنها لفظة { للإطماع والإشفاق ؛ فيظل المذنب على وجل من الله وهو يغمره الخوف والرجاء والأمل في عفو الله وغفرانه .

قوله : { إن الله غفور رحيم } وهذه تفيد تحقيق التوبة والمغفرة من الله ، فهو سبحانه قابل التوب ، عظيم المغفرة ، بالغ الرحمة بالعباد ، يتجاوز عن سيئات المذنبين التائبين{[1885]} .


[1883]:الدر المصون جـ 6 ص 115.
[1884]:رواه البيهقي عن ابن عباس.
[1885]:روح المعاني ج، 6 ص 4 والبحر المحيط جـ 5 ص 98، 99.