تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ} (23)

{ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير( 23 ) فسقى لهما ثم تولى إلى الظل فقال رب إني لما أنزلت إليّ من خير فقير ( 24 ) فجاءته إحداهما تمشي على استحياء قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا فلما جاءه وقص عليه القصص قال لا تخف نجوت من القوم الظالمين( 25 ) قالت إحداهما يا أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين( 26 ) قال إني أريد أن أنكحك إحدى ابنتي هاتين على أن تأجرني ثماني حجج فإن أتممت عشرا فمن عندك وما أريد أن أشق عليك ستجدني إن شاء الله من الصالحين( 27 ) قال ذلك بيني وبينك أيما الأجلين قضيت فلا عدوان علي والله على ما نقول وكيل( 28 ) } .

المفردات :

ورد ماء مدين : وصل إليه .

تذودان : تدفعان وتمنعان غنمهما عن الماء ، ومنه قول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( فليذادن رجال عن حوضي ) أي : ليطردن ويمنعن

ما خطبكما : ما شأنكما ، قال رؤبة : " يا عجبا ما خطبه وخطبي " .

يصدر : من أصدر بمعنى أرجع ، أي : حتى يرجعوا مواشيهم .

الرعاء : جمع راع ، مثل : صاحب وصحاب ، وهو الذي يرعى الغنم .

التفسير :

23-{ ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان قال ما خطبكما قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير } .

يسر الله الأسباب لموسى ، ووصل إلى أرض مدين ، مجهدا متعبا من سفر طويل ، جائعا محتاجا إلى المعونة والرعاية ، لكنه وجد على الماء جموعا كثيرة من الناس ، منهم من يروي إبله ، ومنهم من يروي غنمه ، والناس مشغولة بسقي الماشية ، في زحام يحتاج إلى قوة ومنافسة ، ووجد دون ذلك الزحام ، أو أسفل منه ، امرأتين تمنعان الغنم من الاختلاط بأغنام القوم ، وتحبسان الغنم عن ورود الماء ، فرقّ موسى لهما ، رغم إجهاده وتعبه ، وسألهما : ما شأنكما ، ولماذا تمنعان الغنم من السقيا ؟ فأجابتا : إنما يزاحم على السقيا الرجال الأشداء ، أما نحن فنساء متحفظات .

{ لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير }

من عادتنا أن نصبر حتى يسقي الرعاة أغنامهم وينتهي الزحام ، فليس من عادتنا مزاحمة الرجال ، بل نمتنع عن السقي إلى أن يفرغ الماء لنا ، فنسقي ، وأبونا شيخ كبير ، ضعيف عن سقي الغنم ، ولذلك اضطررنا أن نسقي الغنم بأنفسنا .

قال أبو حيان في البحر المحيط : فيه اعتذار لموسى عن مباشرتهما السقي بأنفسهما ، وتنبيه على أن أباهما لا يقدر على السقي لشيخوخته وكبره ، واستعطاف لموسى في إعانتهما .

اسم الشيخ الكبير

المشهور عند كثير من العلماء أنه شعيب عليه السلام ، الذي أرسل إلى أهل مدين .

وقال آخرون : بل كان ابن أخي شعيب ، وقيل : رجل مؤمن من قوم شعيب .

قال الآلوسي : والأخبار مختلفة ، ولم يتميز عندنا ما هو الأرجح فيها .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ} (23)

{ وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ } مواشيهم ، وكانوا أهل ماشية كثيرة { وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ } أي : دون تلك الأمة { امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ } غنمهما عن حياض الناس ، لعجزهما عن مزاحمة الرجال وبخلهم ، وعدم مروءتهم عن السقي لهما .

{ قَالَ } لهما موسى { مَا خَطْبُكُمَا } أي : ما شأنكما بهذه الحالة ، { قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ } أي : قد جرت العادة أنه لا يحصل لنا سقي حتى يصدر الرعاء مواشيهم ، فإذا خلا لنا الجو سقينا ، { وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ } أي : لا قوة له على السقي ، فليس فينا قوة ، نقتدر بها ، ولا لنا رجال يزاحمون الرعاء .

 
معالم التنزيل في تفسير القرآن الكريم للبغوي - البغوي [إخفاء]  
{وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ} (23)

قوله عز وجل :{ ولما ورد ماء مدين } وهو بئر كانوا يسقون منها مواشيهم ، { وجد عليه أمةً } جماعة { من الناس يسقون } مواشيهم ، { ووجد من دونهم } يعني : سوى الجماعة ، { امرأتين تذودان } يعني : تحبسان وتمنعان أغنامهما عن الماء حتى يفرغ الناس وتخلو لهما البئر ، قال الحسن : تكفان الغنم عن أن تختلط بأغنام الناس ، وقال قتادة : تكفان الناس عن أغنامهما . وقيل : تمنعان أغنامهما عن أن تشذ وتذهب . والقول الأول أصوبها ، لما بعده ، وهو قوله : { قال } يعني : موسى للمرأتين ، { ما خطبكما } ما شأنكما لا تسقيان مواشيكما مع الناس ؟ { قالتا لا نسقي } أغنامنا ، { حتى يصدر الرعاء } قرأ أبو جعفر ، وأبو عمرو ، وابن عامر : يصدر بفتح الياء وضم الدال على اللزوم ، أي : حتى يرجع الرعاء عن الماء ، وقرأ الآخرون : بضم الياء وكسر الدال ، أي : حتى يصرفوا هم مواشيهم عن الماء ، والرعاء جمع راع ، مثل : تاجر وتجار . ومعنى الآية : لا نسقي مواشينا حتى يصدر الرعاء ، لأنا امرأتان لا نطيق أن نستسقي ، ولا نستطيع أن نزاحم الرجال ، فإذا صدروا سقينا مواشينا ما أفضلت مواشيهم في الحوض . { وأبونا شيخ كبير } لا يقدر أن يسقي مواشيه ، فلذلك احتجنا نحن إلى سقي الغنم . واختلفوا في اسم أبيهما ، فقال مجاهد ، والضحاك ، والسدي والحسن : هو شعيب النبي عليه السلام . وقال وهب بن منبه ، وسعيد بن جبير : هو يثرون بن أخي شعيب ، وكان شعيب قد مات قبل ذلك بعدما كف بصره ، فدفن بين المقام وزمزم . وقيل : رجل ممن آمن بشعيب . قالوا : فلما سمع موسى قولهما رحمهما فاقتلع صخرة من رأس بئر أخرى كانت بقربهما لا يطيق رفعها إلا جماعة من الناس . وقال ابن إسحاق : إن موسى زاحم القوم ونحاهم عن رأس البئر ، فسقى غنم المرأتين . ويروى : أن القوم لما رجعوا بأغنامهم غطوا رأس البئر بحجر لا يرفعه إلا عشرة نفر ، فجاء موسى ورفع الحجر وحده ، وسقى غنم المرأتين . ويقال : إنه نزع ذنوباً واحداً ودعا فيه بالبركة ، فروى منه جميع الغنم . فذلك قوله :{ فسقى لهما ثم تولى إلى الظل }

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَمَّا وَرَدَ مَآءَ مَدۡيَنَ وَجَدَ عَلَيۡهِ أُمَّةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ يَسۡقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ ٱمۡرَأَتَيۡنِ تَذُودَانِۖ قَالَ مَا خَطۡبُكُمَاۖ قَالَتَا لَا نَسۡقِي حَتَّىٰ يُصۡدِرَ ٱلرِّعَآءُۖ وَأَبُونَا شَيۡخٞ كَبِيرٞ} (23)

ولما كان التقدير : فوصل إلى المدينة ، بنى عليه قوله : { ولما ورد } أي حضر موسى عليه الصلاة والسلام حضور من يشرب { ماء مدين } أي الذي يستقي منها الرعاء { وجد عليه } أي على الماء { أمة } أي جماعة كثيرة هم أهل لأن يَقْصُدوا ويُقصَدوا ، فلذلك هم عالون غالبون على الماء ؛ ثم بين نوعهم بقوله : { من الناس } وبين عملهم أيضاً بقوله : { يسقون* } أي مواشيهم ، وحذف المفعول لأنه غير مراد ، والمراد الفعل ، وكذا ما بعده فإن رحمته عليه الصلاة والسلام لم تكن لكون المذود والمسقي غنماً بل لمطلق الذياد وترك السقي { ووجد من دونهم } أي وجداناً مبتدئاً من أدنى مكان من مكانهم الآتي إلى الماء { امرأتين } عبر بذلك لما جعل لهما سبحانه من المروءة ومكارم الأخلاق كما يعلمه من أمعن النظر فيما يذكر عنها { تذودان } أي توجدان الذود ، وهو الكف والمنع والطرد وارتكاب أخف الضررين ، فتكفان أغنامهما إذا نزعت من العطش إلى الملأ لئلا تخلط بغنم الناس .

ولما كان هذا حالاً موجباً للسؤال عنه ، كان كأنه قيل : فما قال لهما ؟ قيل : { قال } أي موسى عليه الصلاة والسلام رحمة لهما : { ما خطبكما } أي خبركما ومخطوبكما أي مطلوبكما ، وهوكالتعبير بالشأن عن المشؤون الذي يستحق أن يقع فيه التخاطب لعظمة ، في ذيادكما لأغنامكما عن السقي ؛ قال أبو حيان : والسؤال بالخطب إنما يكون في مصاب أو مضطهد .

ولما كان من المعلوم أن سؤاله عن العلة { قالتا } أي اعتذاراً عن حالهما ذلك ؛ وتلويحاً باحتياجهما إلى المساعدة : { لا } أي خبرنا أنا لا { نسقي } أي مواشينا ، وحذفه للعلم به { حتى يصدر } أي ينصرف ويرجع { الرعاء } أي عن الماء لئلا يخالطهم - هذا على قراءة أبي عمرو وابن عامر بفتح الياء وضم الدال ثلاثياً ، والمعنى على قراءة الباقين بالضم والكسر : يوجدوا الرد والصرف .

ولما كان التقدير : لأنا من النساء ، وكان المقام يقتضي لصغر سنهما أن لهما أباً ، وأن لا إخوة لهما وإلا لكفوهما ذلك ، عطفتا على هذا المقدر قولهما : { وأبونا شيخ كبير* } أي لا يستطيع لكبره أن يسقي ، فاضطررنا إلى ما ترى ، وهذا اعتذار أيضاً عن كون أبيهما أرسلهما لذلك لأنه ليس بمحظور ، فلا يأباه الدين ، والناس مختلفون في ذلك بحسب المروءة ، وعاداتهم فيها متباينة وأحوال العرب والبدو تباين أحوال العجم والحضر ، لا سيما إذا دعت إلى ذلك ضرورة