انفضوا إليها : تفرقوا عنك قاصدين إليها .
11- { وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ } .
جاء في صحيح مسلم ، عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة ، فجاءت عير من الشام ، فانتقل الناس إليها ، حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا ، فأنزلت هذه الآيةix .
الآية تعيب على من خرج وترك المسجد ، عندما سمع الطّبل أو اللهو والغناء ، وتبين أنّ ما عند الله من فضل ورزق ، ورضى وثواب ، خير من اللهو الدنيوي والتجارة الدنيوية ، والرزق بيد الله ، فمن أدى فريضة الجمعة وخرج ساعيا على معاشه ، فإن الله يرزقه ، وهو خير الرازقين .
وفي سنن أبي داود أن صلاة الجمعة كانت قبل خطبة الجمعة ، مثل صلاة العيدين ، فلما أدّوا صلاة الجمعة ، وجلسوا لاستماع الخطبة إذ بهم يسمعون صوت الطبل واللهو الذي يُضرب عند قدوم التجارة ، ليخبر الناس بقدومها فيذهبوا إليها ، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر ، وكانت عادتهم أن تدخل العير المدينة بالطبل والصياح ، سرورا بها ، فلما دخلت العير كذلك ، انفض أهل المسجد إليها ، وتركوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر ، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم إلا اثنا عشر رجلا ، فنزلت الآية .
والآية تعيب على الناس ترك المسجد ، والإسراع إلى صوت اللهو والتجارة ، وترك النبي صلى الله عليه وسلم قائما يخطب وليس أمامه إلا اثنا عشر رجلا .
1- اختلف الفقهاء في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أقوال كثيرة ، بلغت ثلاثة عشر قولا : فقال الحنفية : ثلاثة رجال سوى الإمام .
واشترط المالكية حضور اثني عشر رجلا للصلاة والخطبة .
وقال الشافعية والحنابلة : تقام الجمعة بحضور أربعين فأكثر بالإمام .
2- يباح عقب الفراغ من صلاة الجمعة الانتشار في الأرض للسعي على الرزق ، وسائر الأعمال الدنيوية والدينية .
3- القيام في الخطبة شرط لا تصح إلاّ به عند الشافعية والحنابلة اتباعا للسنة ، فالنبي صلى الله عليه وسلم ما خطب إلا قائما .
والقيام واجب غير شرط عند المالكية ، فإن جلس أتم خطبته وصحت .
والقيام في الخطبة سنة عند الحنفية ، فلو خطب الإمام قاعدا جاز لحصول المقصود ، إلا أنه يُكره لمخالفته الموروث .
4- الخطبة شرط في انعقاد الجمعة ، لا تصح إلا بها عند جمهور العلماء ، وقال سعيد بن جبير : الخطبة بمنزلة ركعتين من صلاة الظهر ، وصلاة الجمعة ركعتان .
5- الطهارة من الحدثين شرط في صحة الخطبة عند الشافعي في الجديد ، وليست شرطا عند الجمهور .
من كتاب ( فقه العبادات ) للدكتور عبد الله شحاتة
صلاة الجمعة فريضة محكمة ، ثبتت فرضيتها بالكتاب والسنة وإجماع الأمة .
قال تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ . . . } ( الجمعة : 9 ) .
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من ترك ثلاث جمع تهاونا طبع الله على قلبه " . ( رواه الخمسة ) .
وفي الحديث : " إن أهل الكتابين أُعطوا يوم الجمعة فاختلفوا فيه فصُرفوا عنه ، وهدانا الله تعالى له ، وأخّره لهذه الأمة وجعله عيدا لهم ، فهم أولى الناس به سبقا ، وأهل الكتابين لهم تبع " . ( نتفق عليه )x
وقد أجمع المسلمون كافة على وجوب صلاة الجمعةxi .
1- الاستعداد لها من يوم الخميس بالذكر والاستغفار والدعاء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم .
2- الاغتسال والنظافة والزينة والسواك ، حتى يظهر المسلم بالمظهر الجميل اللائق بالمجتمعات ، وحتى تسود المودة والمحبة بين الناس .
3- الابتعاد عن أكل الثوم والبصل ، وكل ما يسبب الروائح الكريهة المؤذية التي تنفر الناس .
4- التبكير إلى صلاة الجمعة ، والجلوس في الصف الأول ، وعدم مزاحمة الناس ، وعدم تخطي الرقاب ، والاشتغال بقراءة القرآن وصلاة التطوع .
5- قراءة سورة الكهف ، وسور الدهر والملك والسجدة ، أو ما تيسر للإنسان من القرآن .
6- الاشتغال بأعمال الخير من صدقة التطوع ، وصلاة النافلة ، وذكر الله ودعائه ، فإن في يوم الجمعة ساعة إجابة يستجاب فيها الدعاء .
7- قص الأظافر والشعر ، والتطيب ، والسعي إلى المسجد في سكينة ووقار . قال صلى الله عليه وسلم : " من غسل واغتسل ، وبكر وابتكر ، ودنا من الإمام واستمع ، غفر الله له إلى الجمعة الأخرى " . xii .
وعن سلمان الفارسي رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر بما استطاع من طهر ، ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يروح إلى المسجد لا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت للإمام إذا تكلم إلا غُفر له من الجمعة إلى الجمعة الأخرى " . xiii .
من مظاهر الوحدة الإسلامية توافد المسلمين أفرادا وجماعات إلى المسجد يوم الجمعة ، وعلى وجوههم الخضوع والإنابة ، وفي قلوبهم تقوى الله والإيمان به ، ولاستجابة لنداء الله القائل : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ . . . } ( الجمعة : 9 ) .
وذكر الأستاذ عباس العقادxiv : أن مجاورة اليهود للمسلمين عادت باليهود إلى إحياء السنن التي تركوها ، كشعائر الوضوء والغسل ، ونظام الصلاة الجامعة ، ورعاية آداب المسجد ، والصمت والأدب في صلاة الجمعة .
ثم نقل اعترافا لرجل منهم دخل في الإسلام ، قال فيه : إن سبب إسلامه هو رؤية المصلين يوم الجمعة خاشعين خاضعين ، حيث صعد الخطيب المنبر في جبة سوداء ، وألقى عظة مناسبة تأثر بها من في المسجد ، وكان هذا من أسباب هدايته للإسلام .
إن خطبة الجمعة هي الغذاء الروحي لجماهير المصلين ، وهي النبأ الأسبوعي والرباط الروحي والمنبر التعليمي للتوجيه الديني ، وينبغي أن تكون خطبة المسلمين في أخص أحوال المسلمين .
ومما يساعد على نجاح الخطبة مراعاة الأمور الآتية :
1- وحدة الموضوع ، فإن التنقل في الخطبة الواحدة بين موضوعات شتى يقلل من روعتها ، ويضعف من قوة وقعها في النفوس وأثرها في القلوب .
2- تجنب التكرار ، فإن التكرار يبعث على الضجر والسآمة والملل .
3- جدية الموضوع ، وعرض أسرار الشريعة الإسلامية ومواطن القوة والحياة في القرآن والإسلام ، وربط ذلك بالحياة المعاصرة لإحياء الشعور الروحاني في ضمير الرجل العصري .
4- تنسيق الخطبة بأن يفتح الموضوع بمقدمة قصيرة ملائمة له ، ثم يعرض الموضوع مرتبا ترتيبا منطقيا متدرجا تدرجا يصل منه إلى الغاية في يسر ووضوح وملائمة لعقول السامعين .
5- يُسنّ للخطيب أن يُسلم على المصلين عند ارتقائه المنبر ، وأن يتحاشى الإطالة حتى لا يمل الناس فتضيع بذلك ثمرة الوعظ ، وأن يرفع صوته حتى يُسمع الحاضرين بقدر الإمكان ، وأن يتفاعل مع ما يقول بحيث يظهر عليه البِشْر في مواطن التبشير والترغيب ، والغضب في مواطن الإنذار والترهيب .
6- هناك فرق بين الخطبة والدرس والمحاضرة ، فتتميز الخطبة بإثارة الانفعال ، وقصر العبارة ، ومخاطبة العاطفة ، وتحريك نوازع الخير ، وتسلسل الموضوع ، وتنويع الصوت بتنوع الأسلوب ، فيكون خفضه ورفعه بحسب ما يقتضيه المقام من تعجب ، واستفهام ، ودعاء ، ورجاء .
7- على الخطيب أن يبدأ الخطبة بحمد الله والثناء عليه ، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ، وأن يورد آية من القرآن أو سورة خفيفة ، وأن يزين خطبته بالحديث النبوي والنصوص الدينية ، ثم يجلس في نهاية الخطبة الأولى جلسة خفيفة يتمكن المصلون خلالها من الدعاء ، ثم يبدأ الخطبة الثانية بالحمد والثناء ، ويجعل الخطبة الثانية مختصرة مركزة ، وربما أورد فيها خاتمة للخطبة الأولى تكون صدى لموضوعه وتتمة لعرضه ، ومن الجائز أن تكون مستقلة عن الخطبة الأولى أو مشتملة على توجيه جديد ، ثم يعقبها بالدعاء للمسلمين والمسلمات .
8- يستحب أن يكون الخطيب بليغا ، مواظبا على الصلاة ، ملتزما بما يقوله ، فإن القدوة العملية لها أكبر الأثر في تقبل الموعظة ، وخطيب المسجد رائد ديني وموجه للحي ، فلو نهض إمام المسجد بواجبه لكان لذلك أثره في النهوض الديني والاجتماعي والرقي الفكري والإنساني .
بعد استماع الخطبة في إنصات وأدب ، وصمت وخشوع ، ينزل الخطيب من على المنبر فيصلي بالناس صلاة الجمعة ، وهي ركعتان ، يقرأ في كل ركعة الفاتحة وسورة .
روى سمرة بن جندب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة : سبّح باسم ربك الأعلى . و : هل أتاك حديث الغاشية . xv . ( رواه أبو داود والنسائي ) .
تجب الجمعة على : المسلم ، الحر ، العاقل ، البالغ ، المقيم ، القادر على السعي إليها ، الخالي من الأعذار المبيحة للتخلف عنها .
لا تجب الجمعة على الأصناف الآتية :
6- كل معذور مرخص له في ترك الجماعة ، كعذر المطر والوحل والبرد ونحو ذلك .
وكل هؤلاء لا جمعة عليهم ، وإنما يجب عليهم أن يصلوا الظهر ، ومن صلى منهم الجمعة صحت منه ، وسقطت عنه فريضة الظهر ، وكانت النساء يحضرن إلى المسجد على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصلين معه الجمعة .
ذهب الجمهور من الصحابة والتابعين إلى أن وقت الجمعة هو وقت الظهر ، وذهب الحنابلة إلى أن وقت الجمعة من أول وقت صلاة العيدxvi إلى آخر وقت الظهر .
لا خلاف بين العلماء في أن الجماعة شرط من شروط صحة الجمعة ، للحديث الشريف : " الجمعة حق واجب على كل مسلم في جماعة " xvii .
واختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة ، فقال الحنفية : أقله خمسة ، وقال المالكية : أقله اثنا عشر ، وقال الشافعية والحنابلة : أقله أربعون .
وجاء في فقه السنة : والرأي الراجح أنها تصح باثنين فأكثر ، للحديث الشريف : " الاثنان فما فوقهما جماعة " xviii .
الجمعة يصح أداؤها في المصر والقرية والمسجد وأبنية البلد والفضاء التابع لها ، كما يصح أداؤها في العزب والكفور ، ويصح أن تتعدد الجمعة بعدد المساجد .
وقال الحنفية : لا تقام الجمعة إلا في المصر الجامع ، ولابد فيها من السلطان أو نائبه .
ورأي الجمهور أقوى وأولى من رأي الحنفية .
قال صاحب الروضة الندية : هي كسائر الصلوات لا تخالفها ، لكونه لم يأت ما يدل على أنها تحالفها ، وفي هذا الكلام إشارة إلى ردّ ما قيل من أنه يشترط في وجوبها الإمام الأعظم والمصر الجامع والعدد المنصوص ، فإن هذه الشروط لم يدل عليها دليل يفيد استحبابها فضلا عن وجوبهاxix .
الجمعة لقاء أسبوعي منظم ، يلتقي فيه المسلمون لتدارس شئونهم وتدبر أمورهم ، والتفقه في شئون دينهم . ولقد كان الأسبوع من قديم الزمان وحدة زمنية معترفا بها بين العرب والعجم جميعا ، وكان لأهل كل دين فيه يوم مفضل ، فكان لليهود يوم السبت ، وكان للنصارى يوم الأحد ، ثم كان للمسلمين يوم الجمعة ، وقد ميزه الله باستجابة الدعاء ، ومضاعفة الثواب ، وجعله موسما لقراءة القرآن وإكثار الصدقة وشهود الجماعة والجمعة .
قال صلى الله عليه وسلم : " من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أضاء الله له من النور ما بين الجمعتين " xx .
خطيب الجمعة هو لسان المسلمين وداعيتهم إلى الله ، ومن الواجب أن يكون الداعية إلى الله محيطا بالقرآن ، عارفا بالسنة ، دارسا لمجموعة من العلوم والمعارف ، خبيرا بحاجة المجتمع ، بصيرا بمواطن الداء وتحديد الدواء .
لقد مرّت على الناس أزمان كان الخطيب يكرر على المصلين خطبا مسموعة معدة من ديوان أو كتاب ، لا روح فيها ولا حياة ، والآن تتطور المجتمعات وتتفتح الأذهان ، وينتبه الناس إلى أن الدين الحق هو روح المجتمع وسعادته ، وقد سعد المسلمون بقربهم من الإسلام وحبهم للقرآن ، فالتزموا أوامر الله وأخلصوا لدينه فنصرهم الله على العباد وفتح لهم البلاد ، وحين ابتعد المسلمون عن الإسلام أصابهم التأخر والجمود .
والعلماء والخطباء هم دعاة الحق ومصابيح الهدى ، فعليهم أن يعملوا على النهوض برسالتهم ، وأن يعدوا خطبهم ، وأن يوسعوا دائرة ثقافتهم ، وأن يتعرفوا على خصائص الجمهور الذي يتحدثون إليه ، فالفلاح والعامل والصانع والتاجر وغيرهم ، لكل فئة من هذه الفئات حديث يؤثر فيها ويثير اهتمامها ، ويحرك بواعث الخير ، ودوافع الإيمان في قلوبهم ، وقد أُمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم ، وأن نحدثهم بنفس حديثهم .
قال تعالى : { وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه ليبين لهم . . . }( إبراهيم : 4 ) .
وحماسة الخطيب لموضوعه واقتناعه به له أكبر الأثر في قبول الخطبة وعظم تأثيرها .
روى مسلم ، وابن ماجة ، عن جابر رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا خطب احمرت عيناه ، وعلا صوته ، واشتد غضبه حتى كأنه منذر جيش ، يقول صبحكم ومساكم . xxi
اقتصاد الخطيب في التخويف والتحذير :
درج بعض الخطباء على تحذير الناس من الشر وتذكيرهم بالموت ، وتكرير نغمة رتيبة عن فساد المجتمع ، وما أصاب النساء من الخلاعة ، وما مني به الشباب من الاستهتار ، وهذا كلام للاستهلاك المحلي ، لا يفيد إلا اليأس والأسف ، ولا نمانع من التعرض له تعرضا يسيرا بقصد التوجيه والإفادة ، ولكنا نمانع تكرير الخطب في أمور سلبية ، كالأسف على فساد الزمان ، أو التخويف من الموت والبلى ، وفناء الدنيا وهجوم الموت على الإنسان ، نريد أن تكون الخطبة أسلوبا للبناء وطريقا لإحياء العادات السليمة ، والمنهج القرآني الحكيم الذي أعد الرجال ومنحهم العزيمة والثقة والإيمان والثبات ، ورسم الطريق للأسرة المؤمنة ولتكافل المجتمع ، وتواصى الناس بالخير والصبر ، ودفع المؤمنين إلى الجهاد والنضال وبناء صرح الإسلام عاليا حتى يكون المسلمون خير أمة أخرجت للناس .
يستحب كون الخطبة فصيحة بليغة ، مرتبة مبينة من غير تمطيط ولا تقعير ، ولا تكون ألفاظا مبتذلة ملفقة لأنها لا تقع في النفوس موقعا كاملا ، ولا تكون وحشية لأنها لا يحصل مقصودها ، بل يختار ألفاظا جزلة مفهمة .
وكذلك كانت خطبه صلى الله عليه وسلم إنما هي تقرير لأصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله ولقائه ، وذكر الجنة والنار ، وما أعد الله لأوليائه وأهل طاعته ، وما أعد لأعدائه وأهل معصيته ، فيملأ القلوب من خطبه إيمانا وتوحيدا ومعرفة بالله وأيامه ، لا كخطب غيره التي تفيد أمورا مشتركة بين الخلائق وهي النوح على الحياة والتخويف بالموت ، فإن هذا أمر لا يحصل في القلب إيمانا بالله ولا توحيدا له ، ولا معرفة خاصة ولا تذكيرا بأيامه ، ولا بعثا للنفوس على محبته والشوق إلى لقائه ، فيخرج السامعون ولم يستفيدوا فائدة غير أنهم يموتون وتقسم أموالهم ويبلي التراب أجسامهم ، فيا ليت شعري أي إيمان حصل بهذا ؟ وأي توحيد وعلم نافع يحصل به ؟ ومن تأمل خطب النبي صلى الله عليه وسلم وخطب أصحابه وجدها كفيلة ببيان الهدى والتوحيد ، وذكر صفات الرب جل جلاله ، وأصول الإيمان الكلية ، والدعوة إلى الله وذكر آلائه تعالى التي تحببه إلى خلقه ، وأيامه التي تخوفهم من بأسه ، والأمر بذكره وشكره الذي يحببهم إليه فيذكرون من عظمة الله وصفاته وأسمائه ما يحببه إلى خلقه ، ويأمرون من طاعته وشكره وذكره ما يحببهم فينصرف السامعون وقد أحبوه وأحبهم ، ثم طال العهد وخفي نور النبوة وصارت الشرائع والأوامر رسوما تقوم من غير مراعاة حقائقها ومقاصدها فأعطوها صورها وزينوها بما زينوها به ، فجعلوا الرسوم والأوضاع سننا لا ينبغي الإخلال بها ، وأخلوا بالمقاصد التي ينبغي الإخلال بها ، فرصعوا الخطب بالتسجيع وعلم البديع ، فنقص – بل عدم – حظ القلوب منها ، وفات المقصود بها .
ذهب الجمهور إلى وجوب الإنصات وحرمة الكلام أثناء الخطبة ، ولو كان أمرا بمعروف أو نهيا عن منكر ، سواء أكان يسمع الخطبة أم لا .
عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من تكلم يوم الجمعة والإمام يخطب فهو كالحمار يحمل أسفارا ، والذي يقول له : أنصت ، لا جمعة له " xxii
من أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام فقد أدرك الجمعة ، وعليه أن يضيف إليها أخرى .
قال صلى الله عليه وسلم : " من أدرك الصلاة ركعة فقد أدرك الصلاة كلها " . ( رواه الجماعة ) .
وأما من أدرك أقل من ركعة فإنه لا يكون مدركا للجمعة ويصلي ظهرا أربعاxxiii
قال ابن مسعود : من أدرك من الجمعة ركعة فليضف إليها أخرى ، ومن فاتته الركعتان فليصل أربعا . ( رواه الطبراني بسند حسن ) .
يجوز في الزحام أن يسجد المصلي على ظهر الذي أمامه أو على رجله .
روى أحمد ، والبيهقي ، عن سيار ، قال : سمعت عمر وهو يخطب يقول : إن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنى هذا المسجد ونحن معه – المهاجرون والأنصار – فإذا اشتد الزحام فليسجد الرجل على ظهر أخيه . ورأى قوما يصلون في الطريق فقال : صلوا في المسجدxxiv .
تم بحمد الله تعالى تفسير سورة ( الجمعة ) عصر يوم الخميس 30 من شوال 1421 ه ، الموافق 25 من يناير 2001 والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين ، وسلّم تسليما كثيرا .
ii هاجر جعفر مع السابقين الأولين ، فأرسلت قريش وراء المهاجرين عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة إلى النجاشي ليرد هؤلاء المهاجرين إلى قريش لأنهم سفهاء قد فارقوا دينهم ، فأصر النجاشي على أن يستمع إلى وجهة نظر المسلمين المهاجرين .
iii للكاتب ج . ه . دنيسون في كتاب : العواطف كأساس للحضارة .
رواه البخاري في الصوم ( 1968 ) وفي الأدب ( 6139 ) والترمذي في الزهد ( 2413 ) من حديث أبي جحيفة قال : آخى النبي صلى الله عليه وسلم بين سلمان وأبي الدرداء فزار سلمان أبا الدرداء فرأى أم الدرداء متبذلة فقل لها : ما شأنك ؟ قلت : أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا ، فجاء أبو الدرداء فصنع له طعاما فقال : كُل ، قال : فإني صائم ، ما أنا بآكل حتى تأكل ، قال : فأكل ، فلما كان الليل ذهب أبو الدرداء يقوم قال : نم ، فنام ، ثم ذهب يقوم فقال : نم ، فلما كان من آخر الليل قل سلمان : قم الآن ، فصليا فقال له سلمان : إن لربك عليك حقا ولنفسك عليك حقا ولأهلك عليك حقا ، فأعط كل ذي حق حقه ، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : " صدق سلمان " .
ورواه البخاري في الصوم ( 1974-1975 ) وفي النكاح ( 5199 ) وفي الأدب ( 6134 ) ومسلم في الصيام ( 1159 ) والنسائي في الصيام ( 2391 ) وأحمد في مسنده ( 6828 ) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال : دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث ، يعني : إن لزورك عليك حقا ، وإن لزوجك عليك حقا " : فقلت : وما صوم داود ؟ قال : " نصف الدهر " .
ورواه أبو داود في الصلاة ( 1369 ) وأحمد في مسنده ( 25776 ) من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى عثمان بن مظعون فجاءه فقال : " يا عثمان أرغبت عن سنتي " ؟ قال : لا والله يا رسول الله ، ولكن سنتك أطلب ، قال : " فإني أنام وأصلي ، وأصوم وأفطر ، وأنكح النساء فاتق الله يا عثمان فإن لأهلك عليك حقا وإن لضيفك عليك حقا وإن لنفسك عليك حقا ، فصم وأفطر وصل ونم " .
رواه البخاري في التيمم ( 335 ) وفي الصلاة ( 438 ) ومسلم في المساجد ( 521-523 ) والنسائي في الغسل ( 432 ) وفي المساجد ( 736 ) والدارمي في الصلاة ( 1389 ) وأحمد ( 13852 ) من حديث جابر . ورواه مسلم في المساجد ( 523 ) والترمذي في السير ( 1553 ) وابن ماجة في الطهارة ( 567 ) وأحمد ( 7225- 7355-9412 ) من حديث أبي هريرة . ورواه أبو داود في الصلاة ( 489 ) والدارمي في السير ( 2467 ) وأحمد ( 20792 ) من حديث أبي ذر . ورواه أحمد ( 2256-2737 ) من حديث ابن عباس . ورواه أحمد ( 8028 ) من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده . ورواه أحمد ( 19236 ) من حديث أبي موسى .
vii لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال :
رواه البخاري في تفسير القرآن ( 4898 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : كنا جلوسا عند النبي صلى الله عليه وسلم فأنزلت عليه سورة الجمعة { وآخرين منهم لما يلحقوا بهم } قال : قلت : من هم يا رسول الله . ؟ فلم يراجعه حتى سأل ثلاثا وفينا سلمان الفارسي فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم يده على سلمان ثم قال : " لو كان الإيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء " . حدثنا عبد الله بن عبد الوهاب حدثا عبد العزيز أخبرني ثور عن أبي الغيث عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " لناله رجل من هؤلاء " .
viii لو فعل لأخذته الملائكة عيانا :
رواه أحمد في مسنده ( 2226 ) من حديث ابن عباس قال : قال أبو جهل : لئن رأيت محمدا يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه قال : فقال : " لو فعل لأخذته الملائكة عيانا ، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم في النار ، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجعوا لا يجدون مالا ولا أهلا " .
ix كان يخطب قائما يوم الجمعة فجاءت عير من الشام :
رواه مسلم في الجمعة ( 863 ) من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا ، فأزلت هذه الآية التي في الجمعة { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما } .
x إحياء علوم الدين 1/160 وبه فصول عدة عن فضل الجمعة وآدابها وشروطها ، فمن راد التوسع فليرجع إليه .
xi محمد جواد مغنيه : الفقه على المذاهب الخمسة ، ص 149 .
xii من اغتسل يوم الجمعة وغسل وبكر وابتكر ودنا :
رواه الترمذي في الجمعة ( 496 ) والنسائي في الجمعة ( 1381 ) وأحمد في مسنده ( 6915 ) من حديث أوس بن أوس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من اغتسل يوم الجمعة وغسل وبكر وابتكر ودنا واستمع وأنصت كان له بكل خطوة يخطوها أجر سنة صيامها وقيامها " .
قال أبو عيسى : حديث أوس بن أوس حديث حسن .
xiii لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع :
رواه البخاري في الجمعة ( 883 ) من حديث سلمان الفارسي قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه أو يمس من طيب بيته ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ثم يصلي ما كتب له ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى " .
xiv انظر كتاب : ما يقال عن الإسلام ، ص 145 تحت عنوان : أثر الإسلام في العبادة اليهودية .
xv كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى :
رواه أبو داود في الصلاة ( 1125 ) والنسائي في الجمعة ( 1422 ) من حديث سمرة بن جندب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقرأ في صلاة الجمعة بسبح اسم ربك الأعلى ، وهل أتاك حديث الغاشية .
xvi وقت صلاة العيد بعد ارتفاع الشمس قدر رمح أو رمحين ، أو بعد طلوعها بثلث ساعة ، فوقت الجمعة عند الحنابلة ممتد من الضحى إلى أذان العصر .
xx من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة :
رواه الدارمي في فضائل القرآن ( 3407 ) من حديث أبي سعيد الخدري قال : من قرأ سورة الكهف ليلة الجمعة أضاء له من النور فيما بينه وبين البيت العتيق .
xxi صبحكم ومساكم : أي أتاكم العدو وقت الصباح أو وقت المساء .
xxii رواه أحمد وابن أبي شيبة والبزر والطبراني ، قل الحافظ في بلوغ المرام : إسناده لا بأس به ، ومعنى لا جمعة له : أي لا جمعة كاملة .
xxiii ينوي الجمعة ويتمها ظهرا ، ويتندر الفقهاء عنه بقولهم : رجل صلى ولا نوى ، ونوى ولا صلى ، أي : صلى الظهر ولم ينوه ، ونوى الجمعة ولم يصلها .
xxiv فقه العبادات د . عبد الله شحاته الهيئة المصرية العامة للكتاب .
{ وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا } أي : خرجوا من المسجد ، حرصًا على ذلك اللهو ، و [ تلك ] التجارة ، وتركوا الخير ، { وَتَرَكُوكَ قَائِمًا } تخطب الناس ، وذلك [ في ] يوم جمعة ، بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب الناس ، إذ قدم المدينة ، عير تحمل تجارة ، فلما سمع الناس بها ، وهم في المسجد ، انفضوا من المسجد ، وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب استعجالًا لما لا ينبغي أن يستعجل له ، وترك أدب ، { قُلْ مَا عِنْدَ اللَّهِ } من الأجر والثواب ، لمن لازم الخير وصبر نفسه على عبادة الله .
{ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ } التي ، وإن حصل منها بعض المقاصد ، فإن ذلك قليل منغص ، مفوت لخير الآخرة ، وليس الصبر على طاعة الله مفوتًا للرزق ، فإن الله خير الرازقين ، فمن اتقى الله رزقه من حيث لا يحتسب .
منها : أن الجمعة فريضة على جميع المؤمنين ، يجب عليهم السعي لها ، والمبادرة والاهتمام بشأنها .
ومنها : أن الخطبتين يوم الجمعة ، فريضتان{[1099]} يجب حضورهما ، لأنه فسر الذكر هنا بالخطبتين ، فأمر الله بالمضي إليه والسعي له .
ومنها : مشروعية النداء ليوم الجمعة ، والأمر به .
ومنها : النهى عن البيع والشراء ، بعد نداء الجمعة ، وتحريم ذلك ، وما ذاك إلا لأنه يفوت الواجب ويشغل عنه ، فدل ذلك على أن كل أمر ولو كان مباحًا في الأصل ، إذا كان ينشأ عنه تفويت واجب ، فإنه لا يجوز في تلك الحال .
ومنها : الأمر بحضور الخطبتين{[1100]} يوم الجمعة ، وذم من لم يحضرهما ، ومن لازم ذلك الإنصات لهما .
ومنها : أنه ينبغي للعبد المقبل على عبادة الله ، وقت دواعي النفس لحضور اللهو [ والتجارات ] والشهوات ، أن يذكرها بما عند الله من الخيرات ، وما لمؤثر رضاه على هواه .
تم تفسير سورة الجمعة ، ولله الحمد والثناء{[1101]} .
ثم ختم - سبحانه - السورة الكريمة بعتاب يحمل فى طياته ثوب التأديب والإرشاد والتأنيب ، لمن آثر مطالب الدنيا على مطالب الآخرة فقال - تعالى - : { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ . . } .
قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : يعاتب - تبارك وتعالى - على ما كان وقع من الانصراف عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة ، التى قدمت المدينة يومئذ ، فقال : { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَآئِماً . . } .
فقد أخرج الشيخان وغيرهما عن جابر قال : قدمت عِيرٌ - أى : تجارة - المدينة ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة - فخرج الناس ، وبقى اثنا عشر رجلا ، فنزلت هذه الآية .
وفى رواية عن جابر - أيضا - أنه قال : " بينما النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة ، فقدمت عير إلى المدينة ، فابتدرها الناس ، حتى لم يبق مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلا اثنا عشر رجلا ، فقال - صلى الله عليه وسلم - : " والذى نفسى بيده ، لو تتابعتم حتى لم يبق منكم أحد ، لسال بكم الوادى نارا " ونزلت هذه الآية . . "
وفى رواية أن الذين بقوا فى المسجد كانوا أربعين ، وأن العير كانت لعبد الرحمن بن عوف ، وكان قد أصاب أهل المدينة جوع وغلاء سعر .
وفى رواية أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يخطب ، فقدم دحية الكلى بتجارة له . فتلقاه أهله بالدفوف . فخرج الناس .
و " إذا " فى قوله - تعالى - : { وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً . . } ظرف للزمان الماضى المجرد عن الشرط ، لأن هذه الآية نزلت على الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد أن انفض عنه من انفض وهو يخطب وقوله : { انفضوا } من الانفضاض ، بمعنى التفرق . يقال : انفض فلان عن فلان إذا تركه وانصرف عنه ، وهو من الفض ، بمعنى كسر الشىء والتفريق بين أجزائه .
والضمير فى قوله { إِلَيْهَا } يعود للتجارة ، وكانت عودته إليها دون اللهو ، لأن الانفضاض كان لها بالأصالة ، والمراد باللهو هنا : فرحهم بمجىء التجارة واستقبالهم لها بالدفوف ، لأنهم كانوا فى حالة شديدة من الفقر وغلاء الأسعار .
والتعبير بأو يشير إلى أن بعض المنفضين قد انفضوا من أجل التجارة ، وأن البعض الآخر قد انفض من أجل اللهو .
قال الجمل فى حاشيته : والذى سوغ لهم الخروج وترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - يخطب ، أنهم ظنوا أن الخروج بعد تمام الصلاة جائز ، لانقضاء المقصود وهو الصلاة ، لأنه كان - صلى الله عليه وسلم - فى أول الإسلام يصلى الجمعة قبل الخطبة كالعيدين ، فلما وقعت هذه الواقعة ، ونزلت الآية ، قدم الخطبة وأخر الصلاة .
وقوله - سبحانه - : { وَتَرَكُوكَ قَآئِماً } جملة حالية من فاعل { انفضوا } والمقصود بها توبيخ على هذا التصرف ، حيث تركوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - واقفا يخطب على المبنر ، وانصرفوا إلى التجارة واللهو .
وقوله - سبحانه - : { قُلْ مَا عِندَ الله خَيْرٌ مِّنَ اللهو وَمِنَ التجارة والله خَيْرُ الرازقين } إرشاد لهم إلى ما هو الأنفع والأبقى والأكرم لهم .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الذين انفضوا عنك وأنت تخطب . . . قل لهم : ما عند الله - تعالى - من ثواب ومن عطاء خير من اللهو الذى يشغلكم عن ذكر الله ، ومن التجارة التى تبتغون من ورائها الربح المادى ، والمنافع العاجلة .
والله - تعالى - هو خير الرازقين لأنه - سبحانه - هو وحده الذى يقسم الأرزاق ، وهو الذى يعطى ويمنع ، كما قال - سبحانه - : { مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ العزيز الحكيم } وقدمت التجارة على اللهو فى صدر الآية ، لأن رؤيتها كانت الباعث الأعظم على الانفضاض إليها ، وترك الرسول - صلى الله عليه وسلم - قائما يخطب على المنبر ، ولم يبق معه إلا عدد قليل من أصحابه .
وأخرت فى آخر الآية وقدم اللهو عليها ، ليكون ذمهم على انفضاضهم أشد وأوجع ، حتى لا يعودوا إلى مثل ذلك .
هذا ، ومن الأحكام والآداب التى أخذها العلماء من هذه الآيات ما يأتى :
1 - فضل يوم الجمعة ، وفضل صلاة يوم الجمعة ، والتحذير من ترك أدائها .
ومن الأحاديث التى وردت فى هذا المعنى ، ما رواه مسلم وأبو داود والنسائى عن أبى هرير ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمع ، فيه خلق آدم . وفيه أدخل الجنة ، وفيه أخرج منها ، ولا تقوم الساعة إلا فى يوم الجمعة " .
وروى الشيخان عن أبى هريرة أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : " نحن الآخرون - أى : زمنا - السابقون يوم القيامة قبل غيرهم - ، بيد أنهم - أى : اليهود والنصارى - أوتوا الكتاب من قبلنا ، وأوتيناه من بعدهم ، ثم هذا يومهم الذى فرض عليهم - أى : تعظيمه - فاختلفوا فيه فهدانا الله ، فالناس لنا فيه تبع : اليهود غدا - أى : السبت - والنصارى بعد غد - أى : الأحد - " .
وروى مسلم والنسائى عن ابن عمر أنه سمع النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول على أعواد مبره : " لينتهين أقوام عن وَدْعِهم الجمعات - أى : تركهم صلاة الجمعة - أو ليختمن الله على قلوبهم ، ثم ليكونن من الغافلين .
قال القربطى ما ملخصه : وإنما سميت الجمعة جمعة ، لأنها مشتقة من الجمع حيث يجتمع الناس فيها للصلاة . . . وكان يقال ليوم الجمعة : العَرُوبة . .
قال البيهقى : وروينا عن موسى بن عقبة ، عن ابن شهاب الزهرى ، أن مصعب بن عمير ، كان أول من جمَّع الجمعة بالمدينة بالمسلمين ، قبل أن يهاجر إليها الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
ثم قال القرطبى : وأما أول جمعة جمعها - صلى الله عليه وسلم - بأصحابه ، قال أهل السير والتاريخ : قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مهاجرا حتى نزل بقباء ، على بنى عمروا بن عوف ، يوم الاثنين لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول حين اشتد الضحى - ومن تلك السنة يعد التاريخ - فأقام بقباء إلى يوم الخميس ، وأسس مسجدهم ثم خرج يوم الجمعة إلى المدينة ، فأدركته الجمعة فى بنى سالم بن عوف ، فى بطن وادٍ لهم ، فجمع بهم وخطب ، وهى أول خطبة خطبها بالمدينة ، وقال فيها : الحمد لله ، أحمده وأستعينه ، وأستغفره ، وأستهديه . . .
2 - الآية الكريمة وإن كانت قد أمرت المؤمنين بالسعى إلى صلاة الجمعة عند النداء لها ، إلا أن هناك أحاديث متعددة تحض على التبكير بالحضور إليها ، وبالغسل لها ، وبمس الطب ، وبالحضور إليها على أحسن حالة . . .
ومن تلك الأحاديث ما رواه الشيخان وغيرهما عن أبى هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة - أى : كغسل الجنابة - ثم راح إلى المسجد ، فكأنما قرب بدنة - أى : ناقة ضخمة . . . . ومن راح فى الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة ، ومن راح فى الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشا أقرن - أى له قرون - ومن راح فى الساعة الرابعة فكأنما قرب دجاجة ، ومن راح فى الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة ، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر " .
وروى ابن ماجه عن ابن مسعود قال : سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يقول : " إن الناس يجلسون يوم القيامة على قدر تراوحهم إلى الجمعات ، الأول ثم الثانى ثم الثالث ثم الرابع ، وما رابع أربعة من الله ببعيد " .
وروى الشيخان عن أبى سعيد الخدرى ، عن النبى - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " على كل مسلم الغسل يوم الجمعة ، ويلبس من صالح ثيابه ، وإن كل طيب مس منه . . . " .
3 - أخذ العلماء من قوله - تعالى - : { . . . إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع . . . } أن صلاة الجمعة فريضة محكمة ، وأن السعى لأدائها واجب ، وأن ترك ذلك محرم شرعا .
ومن المعروف بين العلمءا أن الأمر يقتضى الوجوب ، ما لم يوجد له صارف ، ولا صارف له هنا . . .
قال الإمام القرطبى : فرض الله - تعالى - الجمعة على كل مسلم ، ردا على من يقول : إنها فرض على الكفاية ، ونقل عن بعض الشافعية أنها سنة .
وجمهور الأمة الأئمة أنها فرض على الأعيان ، لقوله - تعالى - : { . . . إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاَةِ مِن يَوْمِ الجمعة فاسعوا إلى ذِكْرِ الله وَذَرُواْ البيع . . . } .
وثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " لينتهِيَنَّ أقوامٌ عن وَدْعِهم الجُمُعَاتِ أو ليخَتِمَنَّ الله على قلوبهم ثم ليكونُنَّ من الغافلين " .
وهذا حجة واضحة فى وجوب الجمعة وفرضيتها . .
قال بعض العلماء : جاء فى الآية الكريمة الأمر بالسعى ، والأمر للوجوب فيكون السعى واجبا ، وقد أخذ العلماء من ذلك أن الجمعة فريضة ، لأنه - سبحانه - قد رتب الأمر للذكر على النداء للصلاة ، فأذا كان المراد بالذكر هو الصلاة ، فالدلالة ظاهرة ، لأنه لا يكون السعى لشىء واجبا ، حتى يكون ذلك الشىء واجبا .
وأما إذا كان المراد بالذكر الخطبة فقط ، فهو كذلك لأن الخطبة شرط الصلاة ، وقد أمر بالسعى إليه ، والأمر للوجوب ، فإذا وجب السعى للمقصود تبعا ، فما ذلك إلا لأن المقصود بالذات واجب . .
كما أن الاشتغال بالبيع أو الشراء وقت النداء محرم ، لأن الأمر للوجوب ، وقال بعضهم : هو مكروه كراهة تحريم .
ومما يدل على أن صلاة الجمعة فريضة محكمة ، وأن السعى إليها واجب ، وأن الاشتغال عنها بالبيع أبو الشراء محرم ، ما جاء فى الأحاديث من الأمر بالمحافظة عليها ، ومن التحذير من تركها ، ومن ذلك ما رواه أبو داود من حديث أبى الجعد ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من ترك ثلاث جمع تهاونا بها ، طبع الله على قلبه " .
4 - قوله - تعالى - : { فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة فانتشروا فِي الأرض . . } يدل دلالة واضحة ، على سمو شريعة الإسلام ، وعلى سماحتها ويسرها ، وجمعها بين مطالب الدنيا ومطالب الآخرة .
ومع أن هذا الأمر بالانتشار بعد الصلاة للإباحة - كما سبق أن قلنا - إلا أن بعض السف كان إذا انتهت الصلاة ، خرج من المسجد ، ودار فى السوق ساعة ، ثم رجع إلى المسجد فصلى ما شاء أن يصلى .
قال الإمام ابن كثير : كان عراك بن مالك - أحد كبار التابعين - أحد كبار التابعين - إذا صلى الجمعة ، انصرف فوقف على باب المسجد وقال : اللهم إنى أجبت دعوتك وصليت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتنى ، فارزقنى من فضلك وأنت خير الرازقين .
هذا ، وهناك أحكام أخرى توسع المفسرون والفقهاء فى الحديث عنها ، فليرجع إليها من شاء المزيد من معرفة هذه الأحكام والآداب .
قوله تعالى : { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضّوا إليها وتركوك قائما قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين } .
ذلك عتاب من الله للمؤمنين على ما وقع منهم ، إذ انصرفوا عن الخطبة يوم الجمعة إلى التجارة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب ، فقد روى مسلم عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب قائما يوم الجمعة فجاءت عير من الشام فانفتل الناس إليها حتى لم يبق إلا اثنا عشر رجلا . فنزلت الآية {[4541]} { وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها } المراد باللهو هنا الطبل أو المزامير . وقد كانوا إذا حصل نكاح لعب أهله وضربوا بالطبل وعزفوا على المزامير ومروا بذلك على المسجد فإذا رأى الناس عير التجارة أو صوت اللهو { انفضوا إليها } أي انصرفوا إلى التجارة . وقد كنّى بالتجارة دون اللهو لدخوله في حكمها أو لأنها أهم . أو لأنها آخر الاسمين .
قوله : { وتركوك قائما } أي انصرفوا إلى التجارة وتركوا النبي صلى الله عليه وسلم قائما على المنبر يخطب ولم يبق معه إلا قليل منهم .
قوله : { قل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة } أي قل لهم يا محمد : ما عند الله من حسن الجزاء وجميل العطاء أفضل وأحسن مما انصرفتم إليه . وإنما انصرفتم نحو متاع زائل ما ينبغي لكم أن تخفّوا إليه ذاهبين تاريكين الخطبة وسماع الموعظة والذكرى من رسول الله صلى الله عليه وسلم { والله خير الرازقين } الله جل وعلا هو المالك وهو الرازق فاسألوه يعطكم من فضله وهو سبحانه خير رزاق .
ومن أحكام الجمعة انعقادها بجماعة . واختلفوا في العدد الذي تنعقد به الجمعة . فقيل : تنعقد باثنين ، وهو قول الحسن البصري . وقيل : تنعقد بثلاثة وهو قول الليث ابن سعد . وقيل : تنعقد بأربعة وهو قول الإمام أبي حنيفة . وقيل : تنعقد باثني عشر رجلا . وعند الإمام الشافعي ، تنعقد بأربعين رجلا . وعلى هذا قالوا : كل قرية فيها أربعون رجلا بالغين عقلاء أحرارا مقيمن لا يظعنون عنها صيفا ولا شتاء إلا ظعن حاجة وجبت عليهم الجمعة .
واشترط الإمام أبو حنيفة لوجوبها وانعقادها ، المصر الجامع والسلطان . وعلى هذا لا تصح الجمعة عند الحنيفة بغير إذن الإمام وحضوره ، خلافا لجمهور العلماء إذ قالوا : تجب الجمعة ولو لم يأذن الإمام أو يحضر . وهو الصحيح استنادا إلى ظاهر الآية فإنها بإطلاقها تفيد الوجوب .
أما الخطبة ، فهي شرط في انعقاد الجمعة فلا تصح إلا بها . وهو قول الجمهور من العلماء . وقيل : إنها مستحبة . والصحيح وجوبها ويدل على هذا قوله : { وتركوك قائما } فقد ذم الانفضاض عن النبي صلى الله عليه وسلم وترك السماع لخطبته وهو ( عليه الصلاة والسلام ) لم يصل الجمعة إلا بخطبة . وتصح الخطبة يوم الجمعة من غير وضوء مع الكراهة ولا تجب إعادتها . واشترط الإمام الشافعي في الجديد الطهارة .
وإذا دخل المصلي المسجد والإمام يخطب فإنه لا يصلي ، بل يجلس ليستمع وهو قول الإمام مالك ، خلافا للشافعي وآخرين إذ قالوا : يصلي ركعتين خفيفتين ثم يجلس . وذلك لما رواه مسلم عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " إذا جاء أحدكم يوم الجمعة والإمام يخطب فليركع ركعتين وليتجوّز فيهما " {[4542]} .