تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} (21)

المفردات :

وبرزوا لله جميعا : أي : ظهروا لله جميعا . والمراد : أنهم خرجوا من قبورهم ؛ لحساب الله تعالى وحكمه .

مغنون عنا : أي : دافعون عنا ، يقال : أغنى عنه ؛ إذا دفع عنه الضر ، وأغناه ؛ إذا وصل له النفع .

سواء علينا أجزعنا أم صبرنا : أي : مستو علينا الجزع والصبر ، والجزع : حزن يصرف الإنسان عما هو بصدده .

محيص : معدل ومهرب ، يقال : حاص عنه يحيص ؛ إذا عدل عنه وحاد إلى جهة الفرار .

التفسير :

{ وبرزوا لله جميعا فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا . . . } .

أي : برزت الخلائق كلها ، برّها وفاجرها ، لله الواحد القهار ، أي : اجتمعوا له في براز من الأرض ، وهو المكان الذي ليس فيه شيء ليستر أحدا ، ومعنى بروزهم لله : ظهورهم من قبورهم للحساب والجزاء ، أمام الله سبحانه وتعالى ، ولما كان هذا البروز أمرا محققا كائنا لا محالة عبر عنه بصيغة الماضي ، كأنه وقع فعلا ودخل في دائرة الوجود .

وهذه على طريقة القرآن الكريم في عرض مشاهد القيامة أمام المشاهد ، كأن الأمر قد وقع فعلا ، فأنت تشاهد الناس جميعا ، قدر برزوا ظاهرين أمام الله ، حيث كانوا في الدنيا يستترون ويختفون خلف الجدران والأماكن ، لكنهم في عرصات القيامة يظهرون بارزين ، لا يستطيعون الاستخفاء ، ولا إخفاء أي شيء ، فقد ورد في الحديث الصحيح : ( يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلا )14 ، فهم حفاة الأقدام ، عراة الأجساد ، غرلا لم تزل قلفتهم بل حشروا كيوم ولدتهم أمهاتهم بدون ختان .

وطريقة العرض هذه تبعث الرهبة في النفوس ، حيث تشاهد المشهد أمامك ، حيث ظهرت الخلائق جميعا ، في مكان بارز أمام الله تعالى ، لا شيء يسترهم ، ولا مكان يختبئون فيه .

{ فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا } .

أي : قال الأتباع الضعفاء في رأيهم وفكرهم ، الذين انقادوا لسادتهم وكبرائهم في الدنيا قال الضعفاء للكبراء والقادة ؛ الذين استكبروا عن عبادة الله واتباع الرسل : { إنا كنا لكم تبعا } . أي : كنا تابعين لكم تأمروننا فنأتمر ، وتنهوننا فننتهي .

{ فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء } . أي : فهل تدفعون عنا اليوم شيئا من ذلك العذاب ، كما كنتم تعدوننا وتمنوننا في الدنيا ؟ ! .

{ قالوا لو هدانا الله لهديناكم } أي : لو أرشدنا الله إلى طريق الهدى ، وأضاء أنوار بصائرنا ، وأفاض علينا من توفيقه ومعونته ؛ لأرشدناكم ودعوناكم إلى الهدى ، ولكنه لم يهدنا ؛ فضللنا السبيل وأضللناكم معنا ، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا ، لو كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا ! .

{ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا مالنا من محيص } . أي : ليس لنا مهرب ولا خلاص مما نحن فيه ، إن صبرنا أو جزعنا وتألمنا .

روى : أن أهل النار قال بعضهم لبعض15 : إنما أدرك أهل الجنة منازلهم ؛ بسبب بكائهم وتضرعهم إلى الله ؛ تعالوا نبك ونتضرع إلى الله ، فبكوا وتضرعوا بدون فائدة ، فقالوا : تعالوا ؛ فإنما أدرك أهل الجنة منازلهم بالصبر ، تعالوا نصبر ، فصبروا صبرا طويلا فلم ينفعهم ، فعند ذلك قالوا :

{ سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } .

أي : مستو عندنا الجزع والهلع مما نحن فيه ، أو الصبر عليه ، وليس لنا منجي ولا مهرب من هذا المصير المؤلم .

ونرى في الآية جانبا من هوان الضعفاء ، وذلتهم وانكسارهم ، فهم يطلبون وسيلة ما ؛ لتخفيف بعض عذاب الله .

ونجد أيضا حسرة المستكبرين وضعفهم وعجزهم ، وتصريحهم بذلك حين قالوا :

{ لو هدانا الله لهديناكم سواء علينا أجزعنا أم صبرنا ما لنا من محيص } . وفي مثل هذه الآية قوله تعالى :

{ وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار* قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد } . ( غافر : 48 ، 47 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} (21)

{ وَبَرَزُوا } أي : الخلائق { لِلَّهِ جَمِيعًا } حين ينفخ في الصور فيخرجون من الأجداث إلى ربهم فيقفون في أرض مستوية قاع صفصف ، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، ويبرزون له لا يخفى [ عليه ] منهم خافية ، فإذا برزوا صاروا يتحاجون ، وكل يدفع عن نفسه ، ويدافع ما يقدر عليه ، ولكن أني لهم ذلك ؟

فيقول { الضُّعَفَاءُ } أي : التابعون والمقلدون { لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا } وهم : المتبوعون الذين هم قادة في الضلال : { إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا } أي : في الدنيا ، أمرتمونا بالضلال ، وزينتموه لنا فأغويتمونا ، { فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ } أي : ولو مثقال ذرة ، { قَالُوا } أي : المتبوعون والرؤساء { أغويناكم كما غوينا } و { لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ } فلا يغني أحد أحدا ، { سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا } من العذاب { أَمْ صَبَرْنَا } عليه ، { مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ } أي : من ملجأ نلجأ إليه ، ولا مهرب لنا من عذاب الله .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَـٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ} (21)

ثم حكى - سبحانه - بعد ذلك جانباً من الحوار الذى يدور يوم القيامة بين الضعفاء والمستكبرين ، بين الأتباع والمتبوعين . . فقال - تعالى - : { وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً فَقَالَ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ . . . }

وقوله { وبرزوا } من البروز بمعنى الظهور ، مأخوذ من البراز وهو الفضاء الواسع ، الذى يظهر فيه الناس بدون استتار . أى : وخرج الكافرون جميعاً من قبورهم يوم القيامة وظهوراً ظهوراً لا خفاء معه ، لكى يحاسبهم - سبحانه - على أعمالهم فى الدنيا .

وقال - سبحانه - { وبرزوا } بلفظ الفعل الماضى مع أن الحديث عن يوم القيامة ، للتنبيه على تحقق وقوع هذا الخروج ، وأنه كائن لا محالة .

وعبر - سبحانه - بهذا التعبير ، مع أنهم لا يخفون عليه سواء أبرزوا أم لم يبرزوا ، لأنهم كانوا فى الدنيا يستترون عن العيون عند اجتراحهم السيئات ويظنون أن ذلك يخفى على الله - عز وجل - .

ثم بين - سبحانه - ما سيقوله الضعفاء للمستكبرين فى هذا الموقف العصيب فقال :

{ فَقَالَ الضعفاء } وهم العوام والأتباع الذين فقدوا نعمة التفكير ، ونعمة حرية الإِرادة ، فهانوا وذلوا . .

قال هؤلاء الضعفاء { لِلَّذِينَ استكبروا } وهم السادة المتبوعون الذين كانوا يقودون أتباعهم إلى طريق الغى والضلال .

{ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ } - أيها السادة - { تبعا } جمع تابع كخادم وخدم .

أى : إنا كنا فى الدنيا تابعين لكم ، ومنقادين لأمركم ، فى تكذيب الرسل ، وفى كل ما تريدونه منا .

والاستفهام فى قوله - سبحانه - { فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ } للتقريع والتفجع .

ومغنون من الإِغناء بمعنى الدفاع والنصرة .

قال الشوكانى : " يقال : أغنى عنه إذا دفع عنه الأذى ، وأغناه إذا أوصل إليه النفع " .

أى : فهل أنتم - أيها المستكبرون - دافعون عنا شيئا من عذاب الله النازل لنا ، حتى ولو كان هذا الشئ المدفوع قليلا ؟ إن كان فى إمكانكم ذلك فاظهروه لنا ، فقد كنتم فى الدنيا سادتنا وكبراءنا ، وكنتم تزعمون أنكم أصحاب الحظوة يوم القيامة .

قال صاحب الكشاف : " فإن قلت : أى فرق بين " من " فى { مِنْ عَذَابِ الله } وبينه فى { مِن شَيْءٍ } ؟

قلت : الأولى للتنبيه ، والثانية للتبعيض ، كأنه قيل : هل أنتم مغنون عنا بعض الشئ الذى هو عذاب الله ؟ ويجوز أن يكون للتبعيض معا بمعنى : هل أنتم مغنون عنا بعض شئ ، هو بعض عذاب الله ؟ أى : بعض بعض عذاب الله " .

ثم حكى - سبحانه - رد المستكبرين على المستضعفين فقال : { قَالُواْ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ . . . }

أى : قال المستكبرون - بضيق وتحسر - فى ردهم على المستضعفين : لو هدانا الله - تعالى - إلى الإِيمن الموصل إلى النجاة من هذا العذاب الأليم { لهديناكم } إليه ، ولكن ضللنا عنه وأضللناكم معنا ، واخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا ، ولو كنا نستطيع النفع لنفعنا أنفسنا .

ثم أضافوا إلى ذلك قولهم : { سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } .

والجزع : حزن يصرف الإِنسان عما هو بصدده لشدة اضطرابه وذهوله .

يقال : جزع فلان يجزع جزعا وجزوعا ، إذا ضعف عن حمل ما نزل به ولم يجد صبرا .

والمحيص : المهرب والمنجى من العذاب . يقال : حاص فلان عن الشئ يحيص حيصا ومحيصا ، إذا عدل عنه على وجه الهرب والفرار .

أى : مستو عندنا الجزع مما نحن فيه من عذاب ، أو الصبر على ذلك ، وليس لنا من مهرب أو منجى من هذا المصير الأليم .

فالآية الكريمة تحكى أقوال الضعفاء يوم القيامة ، وهى أقوال يبدو فيها طابع الذلة والمهانة كما هو شأنهم فى الدنيا ، كما تحكى رد المستكبرين عليهم ، وهو رد يبدو فيه التبرم والتفجع والتأنيب من طرف خفى لهؤلاء الضعفاء ، والتسليم بالواقع الأليم الذى لا محيص لهم عنه .

قال الإِمام ابن كثير : " قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم : إن أهل النار قال بعضهم لبعض : تعالوا ، فإنما إدراك أهل الجنة الجنة ببكائهم وتضرعهم إلى الله - تعالى - ، تعالوا نبك ونتضرع إلى الله ، فبكوا وتضرعوا ، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم قالوا : تعالوا ، فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر ، تعالوا حتى نصبر ، فصبروا صبرا لم ير مثله ، فلم ينفعهم ذلك . فعند ذلك قالوا : { سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } .