{ يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرؤون كتابهم ولا يظلمون فتيلا ( 71 ) ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضلّ سبيلا ( 72 ) وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتّخذوك خليلا ( 73 ) ولولا أن تبّتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا ( 74 ) إذن لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد له علينا نصيرا ( 75 ) وإن كادوا ليستفزّونك من الأرض ليخرجوك منها وإذا لا يلبثون خلافك إلا قليلا ( 76 ) سنة من قد أرسلنا قبلك من رسلنا ولا تجد لسنتنا تحويلا ( 77 ) }
بإمامهم : بمن ائتموا به من بني آدم في الدين وقيل : بكتابهم أو دينهم ، وقيل : بكتاب أعمالهم .
الفتيل : الخيط المستطيل في شق النواة ، وبه يضرب المثل في الشيء الحقير التافه ، ومثله : النقير ، والقطمير .
71- { يوم ندعو كل أناس بإمامهم فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم ولا يظلمون فتيلا } .
{ يوم ندعو كل أناس بإمامهم } . أي : بمن ائتموا به من نبي أو مقدم في الدين ، أو كتاب أو دين ؛ فيقال : يا أتباع فلان ، يا أهل دين كذا وكتاب كذا ، وقيل : بكتاب أعمالهم ، فيقال يا أصحاب كتاب الخير ، ويا أصحاب كتاب الشر !
ورجح ابن كثير- رحمه الله- القول بأن الإمام هو كتاب الأعمال لقوله تعالى : { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } . ( يس : 12 ) .
وقال سبحانه : { وترى كل أمة جاثية كل أمة تدعى إلى كتابها اليوم تجزون ما كنتم تعملون . هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون } ( الجاثية : 29 ، 28 ) .
وما رجحه ابن كثير هو الصواب ؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضا ، وأول ما يمكن الاهتمام به في معاني الآيات هو الرجوع إلى نظائرها .
{ فمن أوتي كتابه بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم } . أي : فمن أعطى كتاب عمله بيمينه فأولئك يقرءون كتابهم مبتهجين فرحين بما فيه من العمل الصالح { ولا يظلمون فتيلا } أي : وينقصون شيئا من أجور أعمالهم ، ولو قدر الفتيل ، وهو ما في شق النواة ، أو ما تفتله بين أصبعيك ، أو هو أدنى شيء ، فهي الفتيل مثل في القلة كقوله تعالى :
{ ولا يظلمون شيئا } . ( مريم : 60 ) .
وقد ثبت في علم الكمياء أنّ وزن الذرات التي تدخل في كل جسم بنسب معينة ، فلو أن ذرة واحد في عنصر من العناصر الداخلة في تركيب أي جسم من النبات أو الحيوان أو الجماد ، نقصت عن النسبة المقدرة لتكوينه ؛ لم يتكون ذلك المخلوق .
وخالق الدنيا هو خالق لآخرة ، فالظلم مستحيل هناك كما استحال هنا في نظم الطبيعة ، فما أجل قدرة الله وما أعظم حكمته في خلقه ! {[437]} .
{ 71-72 } { يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا * وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا }
يخبر تعالى عن حال الخلق يوم القيامة ، وأنه يدعو كل أناس ، ومعهم إمامهم وهاديهم إلى الرشد ، وهم الرسل ونوابهم ، فتعرض كل أمة ، ويحضرها رسولهم الذي دعاهم ، وتعرض أعمالهم على الكتاب الذي يدعو إليه الرسول ، هل هي موافقة له أم لا ؟ فينقسمون بهذا قسمين : { فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } لكونه اتبع إمامه ، الهادي إلى صراط مستقيم ، واهتدى بكتابه ، فكثرت حسناته ، وقلت سيئاته { فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ } قراءة سرور وبهجة ، على ما يرون فيها مما يفرحهم ويسرهم . { وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا } مما عملوه من الحسنات .
وقوله - سبحانه - : { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ } شروع فى بيان تفاوت أحوال بنى آدم فى الآخرة ، بعد بيان حالهم فى الدنيا .
ولفظ { يوم } منصوب بفعل محذوف ، أى : واذكر يوم ندعو كل أناس بإمامهم . والمراد بإمامهم هنا : كتاب أعمالهم .
وقد اختار هذا القول الإِمام ابن كثير ورجحه فقال : يخبر الله - تعالى - عن يوم القيامة ، أنه يحاسب كل أمة بإمامهم ، وقد اختلفوا فى ذلك . فقال مجاهد وقتادة أى : بنبيهم ، وهذا كقوله - تعالى - : { وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط }
وقال ابن زيد : بإمامهم أى بكتابهم الذى أنزل على نبيهم من التشريع ، واختاره ابن جرير . . .
وروى العوفى عن ابن عباس فى قوله : { يَوْمَ نَدْعُواْ كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ } أى : بكتاب أعمالهم . . .
وهذا القول هو الأرجح لقوله - تعالى - : { وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِينٍ } وقال - تعالى - : { وَوُضِعَ الكتاب فَتَرَى المجرمين مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ } ويحتمل أن المراد بإمامهم : أن كل قوم بمن يأتمون به ، فأهل الإِيمان ائتموا بالأنبياء - عليهم السلام - ، وأهل الكفر ائتموا بأئمتهم فى الكفر . . .
وفى الصحيحين : " لتتبع كل أمة ما كانت تعبد ، فيتبع من كان يعبد الطواغيت الطواغيت . . . " الحديث . . .
ثم قال - رحمه الله - ولكن المراد ههنا بالإِمام ، هو كتاب الأعمال .
والمعنى : واذكر - أيها العاقل لتعتبر وتتعظ - يوم ندعو كل أناس من بنى آدم الذين كرمناهم وفضلناهم على كثير من خلقنا ، بكتاب أعمالهم الذى لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها .
ثم بين - سبحانه - حسن عاقبة الذين أخلصوا دينهم لله فقال - تعالى - : { فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فأولئك يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ وَلاَ يُظْلَمُونَ فَتِيلاً } .
أى : فمن أوتى من بنى آدم يوم القيامة ، كتابه بيمينه ، بأن ثقلت موازين حسناته على سيئاته ، فأولئك السعداء يقرءون كتابهم بسرور وابتهاج ، ولا ينقصون من أجورهم قدر فتيل ، وهو الخيط المستطيل فى شق النواة ، وبه يضرب المثل فى الشئ القليل و { من } فى قوله { فمن أوتى } يجوز أن تكون شرطية ، وأن تكون موصولة ، ودخلت الفاء فى الخبر وهو { فأولئك } لشبهه بالشرط .
وجاء التعبير فى قوله { أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ } بالإِفراد ، حملا على لفظ من ، وجاء التعبير بالجمع فى { أولئك } حملا على معناها .
وفى قوله - سبحانه - { بيمينه } تشريف وتبشير لصاحب هذا الكتاب الملئ بالإِيمان والعمل الصالح وقال - سبحانه - : { فأولئك يَقْرَؤونَ كِتَابَهُمْ } بالإِظهار ، ولم يقل : يقرءونه ، لمزيد العناية بهؤلاء السعداء ، ولبيان أن هذا الكتاب تبتهج النفوس بتكرار اسمه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.