{ قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ( 29 ) وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِؤُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ( 30 ) } .
الجزية : هي ضريبة لنا على أهل الكتاب ؛ جزاء حمايتهم وحقن دمائهم .
عن يد وهم صاغرون : أي : عن يد مواتية منقادة وهم خاضعون .
29 – { قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ . . . } الآية .
يأمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية بقتال أهل الكتاب ، بعد ما أمرهم من قبل بقتال المشركين ، ومنعهم من قرب المسجد الحرام بحج أو عمرة .
والغاية من قتال أهل الكتاب في هذه الآية : هي اعترافهم بالدين الحق ، وعدم إلزامهم بالدخول فيه ؛ والاكتفاء بالتصالح معهم ؛ ليستوطنوا في دار الإسلام بأمان وسلام ، مع إخضاعهم لأحكام الإسلام المدنية والجزائية ، وما عدا ذلك فإنا أمرنا بتركهم وما يدينون به في عباداتهم وشئونهم ، مع أخذ الجزية منهم جزاء حمايتهم ، وتوفير الأمن والأمان لهم ، ويصبحون عند ذلك من أهل الذمة والعهد40 .
" هذه الآية أول أمر نزل بقتال أهل الكتاب – اليهود والنصارى – وكان ذلك سنة تسع ؛ ولهذا تجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم لقتال الروم ، ودعا الناس إلى ذلك ، وأظهره لهم ، وبعث إلى إحياء العرب حول المدينة ، فندبهم فخرجوا معه ، واجتمع من المقاتلة نحو ثلاثين ألفا ، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة ومن حولها من المنافقين وغيرهم ، وكان ذلك في عام جدب ، ووقت قيظ وحر ، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يريد الشام لقتال الروم ، فبلغ تبوك ونزل بها ، وأقام بها قريبا من عشرين يوما ، ثم استخار الله في الرجوع ، فرجع عامه ذلك ؛ لضيق الحال ، وضعف الناس . . . " 41 .
والمعنى : قاتلوا أهل الكتاب إلى أن يستسلموا ويدفعوا الجزية ، عن مقدرة عليها منهم ، وفي نفس الوقت عن عرفان منهم بمقدرة المسلمين وكفاءتهم ؛ ونلاحظ أن الآية بينت أسباب قتال أهل الكتاب وهي ثلاثة أسباب :
1 – عبرت عنهم باسم الموصول فقالت :
{ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر . . . }
وأهل الكتاب يدّعون أنهم يؤمنون بالله وباليوم الآخر ، لكنهم ادعوا أن لله ولدا ، وادعوا أن الله ثالث ثلاثة .
جاء في حاشية الجمل على الجلالين :
إن إيمانهم باليوم الآخر ليس كإيمان المؤمنين ، وذلك لأنهم يعتقدون بعث الأرواح دون الأجساد ، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها ، ولا يشربون ولا ينكحون ، ويرون أن نعيم الجنة وعذاب النار ، معان روحية فقط كالسرور والهم ، فهم لا يؤمنون بحياة مادية كاملة في عالم الآخرة ، وهذا مناف لما أخبر به القرآن ، ومن أنكر البعث الجسماني ؛ فقد أنكر صريح القرآن42 .
2 – { ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله } .
فهم لا يحرمون ما حرمه موسى وعيسى ، عليهما السلام بل حرفوا التوراة والإنجيل ، وشرعوا لأنفسهم أحكاما تخالف أصل دينهم .
فترى اليهود يستحلون أكل أموال الناس بالباطل .
قال تعالى : { وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل } . ( النساء : 161 ) .
والنصارى استباحوا ما حرم عليهم في التوراة كالشحوم والخمور ، وقد استحلوا الرهبانية ، وفسق بعضهم بها عن حكم الله وهدايته .
قال تعالى : { ثم قفينا على آثرهم برسلنا وقفينا بعيسى ابن مريم وآتينه الإنجيل وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فآتينا الذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون } . ( الحديد : 27 ) .
أي : الدين الثابت الناسخ لجميع الأديان وهو دين الإسلام .
قال تعالى : { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } . ( المائدة : 3 ) .
وقال تعالى : { ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين } . ( آل عمران : 85 ) .
ويصح أن يكون المراد بدين الحق : ما يشمل دين الإسلام ، وغيره من الأديان السماوية التي جاء بها الأنبياء السابقون . أي : ولا يدينون بدين من الأديان التي أنزلها الله على أنبيائه ، وشرعها لعباده ، وإنما هم يتبعون أحبارهم ورهبانهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم43 .
أي : الذين أعطاهم الله التوراة وهم اليهود ، أو الإنجيل وهم النصارى .
والمراد بالكتاب : جنسه الشامل للتوراة والإنجيل . أي : قاتلوا من أعطاهم الله التوراة والإنجيل عن طريق موسى وعيسى ، ولكنهم لم يعملوا بتعاليمها ؛ وإنما عملوا بما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم ، والمقصود بقوله : { من الذين أوتوا الكتاب } تميزهم عن المشركين عبدة الأوثان في الحكم ؛ لأن عبدة الأوثان في بلاد العرب يخيرون بين أمرين الإسلام أو القتال .
أما أهل الكتاب فإنهم يخيرون بين ثلاثة أشياء : الإسلام ، أو القتال ، أو الجزية .
والجزية : كلمة فارسية هي( كزيت ) ؛ وكانت نظاما معولا به عند الفرس وغيرهم .
وقد عمل به الإسلام ؛ لمن أراد البقاء على دينه من أهل الكتاب ؛ فأعفاه الإسلام من دخول الجيش أو الدفاع عن الدولة ، حيث إنه لا يعتقد بعقيدة الإسلام ، فأعفاه الإسلام من الاشتراك في الجندية ، وأخذ منه ما يشبه البدل النقدي الذي يؤخذ من بعض المتخلفين عن الخدمة في الجيش في هذه الأيام .
وقد اشترط الإسلام على المسلمين حماية أهل الذمة ، والدفاع عنهم مقابل أخذ الجزية ، فإذا لم يستطع المسلمون الدفاع عن أهل الكتاب ، ردوا عليهم الجزية .
وقد فعل ذلك خالد بن الوليد حين شغل بالقتال ، عن الدفاع عن بعض أهل الكتاب فرد عليهم الجزية ، وقال : إنما أخذنا الجزية جزاء حمايتكم والدفاع عنكم ، فإذا شغلنا عنكم رددنا الجزية لكم ، فاعترف أهل الكتاب له بالشكر وبحسن المعاملة .
{ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } .
أي : أن الغاية من قتال أهل الكتاب ، هو اتفاقهم مع المسلمين ، والاعتراف لهم بحقهم ، وإن لم يدخلوا في الإسلام ؛ فإذا دخلوا مع المسلمين في معاهدة ، أصبحت لهم ذمة الله ورسوله ؛ ولذلك كانوا يسمون : أهل الذمة ؛ أي : أهل المعاهدة .
وإذا أسلموا سقطت عنهم الجزية باتفاق الفقهاء ؛ لما رواه أحمد وأبو داود والبيهقي والدارقطني : عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس على مسلم جزية " 44 .
وفي رواية للطبراني : عن ابن عمر " من أسلم فلا جزية عليه " 45 .
جاء في التفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ، ص 1689 ما يأتي :
( أ )اليد هنا يحتمل أن تكون كناية عن الاستسلام والانقياد ، أي : حتى يعطوا الجزية عن خضوع وانقياد وطاعة .
( ب )ويحتمل أن تكون كناية عن الدفع نقدا بدون تأجيل ، أي : حتى يعطوها نقدا بدون تسويف أو تأخير .
( ج )ويحتمل أن تكون بمعنى : الغنى ، ولذلك لم تجب على الفقير العاجز من أهل الكتاب والمعنى : حتى يدفعوا الجزية عن مقدرة منهم على دفعها ، مع الاعتراف للمسلمين بالسيادة .
وهذه المعاني الثلاثة إذا أريد باليد : يد الكتابي ، أما إذا أريد باليد : اليد الآخذة وهي يد الحاكم المسلم ؛ ففي هذه الحالة يكون معناها : القوة والقهر والغلبة والحماية .
أي : حتى يعطوها للمسلمين عن يد قاهرة مستولية ؛ وهي يد المسلمين ، أو حتى يعطوها للمسلمين عن يد من المسلمين . أي : إنعام من المسلمين عليهم ؛ لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم له نعمة عظيمة46 .
وجاء في تفسير سورة التوبة للدكتور محمد سيد طنطاوي ما يأتي :
{ وهم صاغرون } : وهم خاضعون لولايتكم عليهم ؛ وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن معنى : وهم صاغرون أنهم يؤدونها في ذلة وانكسار ومهانة .
قال الزمخشري في تفسير الكشاف :
تؤخذ منهم على الصغار والذل ، وهو أن يأتي بنفسه ماشيا غير راكب ، ويسلمها وهو قائم والمتسلم جالس ، وأن يتلتل تلتلة ، ويؤخذ بتلابيبه ويقال له : أد الجزية ، ويدفع في قفاه47 .
وقال السيوطي : استدل بقوله تعالى : وهم صاغرون من قال : إنها تؤخذ بإهانة بأن يجلس الآخذ ؛ ويقوم الدمي يطأطئ رأسه ، ويحني ظهره . . . إلخ .
وقد رد الإمام ابن القيم على هذا القائل بقوله : هذا كله مما لا دليل عليه ، ولا هو من مقتضى الآية ؛ ولا نقل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن أصحابه .
والصواب في الآية : أن الصغار هو التزامهم بجريان أحكام الله عليهم وإعطاء الجزية فإن ذلك هو الصغار ، وبه قال الشافعي48 .
ونرى أن كلام الإمام ابن القيم أقرب إلى المعقول والمنقول ؛ ويتفق مع عدالة الإسلام وسماحته ورحمته بالناس أجمعين خاصة ونحن في زمن صار العالم كله قرية واحدة ، وصار بعضهم يدعي الدفاع عن حقوق الإنسان ، وديننا هو الذي كرم إنسانية الإنسان ؛ فقد خلق الله آدم بيده ، ونفخ فيه من روحه ، وأسجد له الملائكة ، واستخلفه في إعمار الأرض ، وقال سبحانه : { ولقد كرمنا بني ءادم } .
لم يحدد القرآن مقدار الجزية ، وقد اختلف الفقهاء في تقديرها .
( أ ) قال الشافعي : هي في السنة دينار على الغني والفقير من الأحرار البالغين ، وإن صولحوا على أكثر من دينار ؛ جاز لهم وتؤخذ في آخر السنة49 .
( ب )وقال المالكية : إنها أربعة دنانير على أهل الذهب ؛ وأربعون درهما على أهل الفضة ، الغني والفقير سواء .
( ج )وقال الحنفية : 12 درهما على الفقراء الذين لهم كسب ، 24 درهما على الأوساط ، 48 درهما على الأغنياء ؛ وتؤخذ في أول السنة ، ولا تؤخذ من فقير لا كسب له50 .
ولعلك بالتأمل ترى أن الجزية عطاء مرتبط بقوة المسلمين ، وقدرتهم على حماية أهل الكتاب والدفاع عنهم .
هذا أمر متغير متقلب ونسبة الجزية تتأثر بمدى قوة المسلمين ومدى ضعف الآخرين . وربما كان من المناسب أن نقول : إن مقدار الجزية يترك تقديره إلى كل حالة بما يناسبها ، أو إلى تقدير أهل الحل والعقد .
وتقدير الحنفية أقرب إلى روح العصر ؛ لأنها تراعي حالة الكتابي من الفقير أو الغني وتؤخذ منه حسب حالته .
ذكر الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي في تفسير سورة التوبة : أن العلماء قد أخذوا من هذه الآية الأحكام الآتية :
1 – إن هذه الآية أصل في مشروعية الجزية ، وأنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب عند كثير من الفقهاء ؛ لأن أهل الكتاب هم الذين يخيرون بين الإسلام أو القتال أو الجزية ، أما غيرهم من مشركي العرب فلا يخيرون إلا بين الإسلام أو القتال .
وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية ؛ فقال الشافعي : لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة ، عربا كانوا أو عجما ؛ لهذه الآية ؛ فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم ؛ لقوله تعالى : في شأن المشركين : { فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم } . لم يقل : حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب .
وقال الشافعي : وتقبل من المجوس لحديث " سنوليهم سنة أهل الكتاب " أي : في أخذ الجزية منهم .
وبه قال أحمد وأبو ثور : وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأصحابه .
وقال الأوازعي : تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب .
وكذلك مذهب مالك : فإنه يرى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد ، عربيا أو عجميا ، تغلبيّا أو قرشيا ، كائنا من كان إلا المرتد51 .
2 – إن أخذ الجزية منهم إنما هو نظير ما ينالهم وكفنا عن قتالهم ، ومساهمة منهم في رفع شأن الدولة الإسلامية التي أمنتهم وأموالهم وأعراضهم ومعتقداتهم ، ومقدساتهم . . . وإقرار منهم بالخضوع لتعاليم هذه الدولة وأنهم متى التزموا بدفعها ؛ وجب علينا حمايتهم ، ورعايتهم ، ومعاملتهم بالعدل والرفق والرحمة .
وفي تاريخ الإسلام كثير من الأمثلة التي تؤيد هذا المعنى ، ومن ذلك ما جاء في كتاب الخراج لأبي يوسف أنه قال في خطابه لهارون الرشيد : " وينبغي يا أمير المؤمنين – أيدك الله – أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد صلى الله عليه وسلم – والتفقد لهم ؛ حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم ، ولا يؤخذ شيء من أموالهم إلا بحق يجب عليهم ؛ فقد روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم . أنه قال : " من ظلم من أمتي معاهدا أو كلفه فوق طاقته ؛ فأنا حجيجه " .
وكان فيما تكلم عمر بن الخطاب عند وفاته : أوصى الخليفة من بعدي بذمة رسول الله صلى الله عليه وسلم . أن يوفى لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم52 .
وجاء في كتاب " أشهر مشاهير الإسلام " :
وأن جيوش التتار ، لما اكتسحت بلاد الإسلام من حدود الصين إلى الشام ، ووقع في أسرهم من وقع من المسلمين والنصارى ثم خضد المسلمون شوكة التتار ودان ملوكهم بالإسلام ، خاطب شيخ الإسلام ابن تيمية ، أمير التتار بإطلاق الأسرى فسمح له بالمسلمين وأبى أن يسمح بأهل الذمة ، فقال له شيخ الإسلام : لا بد من إطلاق جميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ، ولا من أهل الذمة ، فأطلقهم له53 .
وجاء في كتاب " الإسلام والنصرانية " للأستاذ الإمام محمد عبده ما ملخصه :
" . . . الإسلام كان يكتفي من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه ، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من دين . ثم يكلفهم بجزية يدفعونها ؛ لتكون عونا على صيانتهم والمحافظة على أمنهم في ديارهم ، وهم في عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرارا ، لا يضايقون في عمل ، ولا يضامون في معاملة .
خلفاء المسلمين كانوا يوصون قوادهم باحترام العبّاد الذين انقطعوا عن العامة في الصوامع والأديرة للعبادة ، كما كانوا يوصونهم باحترام دماء النساء والأطفال وكل من لم يعن على القتال .
جاءت السنة بالنهي عن إيذاء أهل الذمة ، وبتقرير ما له من الحقوق على المسلمين ، " لهم ما لنا وعليهم ما علينا " و " من آذى ذميا فليس منا " .
واستمر العمل على ذلك ما استمرت قوة الإسلام . ولست أبالي إذا انحرف بعض المسلمين عن هذه الأحكام عندما بدأ الضعف في أبناء الإسلام فضيق الصدر من طبع الضعيف .
ثم قال : أما المسيحية فترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها تراقب أعمال أهله ، وتخصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر مهما عظم ، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم – بعد العجز عن إخراجهم من دينهم – طردتهم عن ديارهم ، وغسلت الديار من آثارهم ، كما حصل ويحصل في كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقيا .
ولا يمنع غير المسيحي من تعدي المسيحي إلا كثرة العدد أو شدة العضد ، كما شاهد التاريخ ، وكما يشهد كاتبوه .
ثم قال : فأنت ترى الإسلام يكتفي من الأمم والطوائف التي يغلب على أرضها ، بشيء من المال ، أقل مما كانوا يؤدونه من قبل تغلبه عليهم ، وبأن يعيشوا في هدوء ، لا يعكرون معه صفو الدولة ، ولا يخلون بنظام السلطة العامة ، ثم يرخى لهم بعد عنان الاختيار في شئونهم الخاصة بهم ، لا رقيب عليهم فيها سوى ضمائرهم .
{ 29 } { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ }
هذه الآية أمر بقتال الكفار من اليهود والنصارى من { الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } إيمانا صحيحا يصدقونه بأفعالهم وأعمالهم . ولا يحرمون ما حرم الله ، فلا يتبعون شرعه في تحريم المحرمات ، { وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ } أي : لا يدينون بالدين الصحيح ، وإن زعموا أنهم على دين ، فإنه دين غير الحق ، لأنه إما بين دين مبدل ، وهو الذي لم يشرعه اللّه أصلا ، وإما دين منسوخ قد شرعه اللّه ، ثم غيره بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ، فيبقى التمسك به بعد النسخ غير جائز .
فأمره بقتال هؤلاء وحث على ذلك ، لأنهم يدعون إلى ما هم عليه ، ويحصل الضرر الكثير منهم للناس ، بسبب أنهم أهل كتاب .
وغيَّى ذلك القتال { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ } أي : المال الذي يكون جزاء لترك المسلمين قتالهم ، وإقامتهم آمنين على أنفسهم وأموالهم ، بين أظهر المسلمين ، يؤخذ منهم كل عام ، كلٌّ على حسب حاله ، من غني وفقير ومتوسط ، كما فعل ذلك أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وغيره ، من أمراء المؤمنين .
وقوله : { عَنْ يَدٍ } أي : حتى يبذلوها{[367]} في حال ذلهم ، وعدم اقتدارهم ، ويعطونها بأيديهم ، فلا يرسلون بها خادما ولا غيره ، بل لا تقبل إلا من أيديهم ، { وَهُمْ صَاغِرُونَ }
فإذا كانوا بهذه الحال ، وسألوا المسلمين أن يقروهم بالجزية ، وهم تحت أحكام المسلمين وقهرهم ، وحال الأمن من شرهم وفتنتهم ، واستسلموا للشروط التي أجراها عليهم المسلمون مما ينفي عزهم وتكبرهم ، ويوجب ذلهم وصغارهم ، وجب على الإمام أو نائبه أن يعقدها لهم .
وإلا بأن لم يفوا ، ولم يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون ، لم يجز إقرارهم بالجزية ، بل يقاتلون حتى يسلموا .
واستدل بهذه الآية الجمهور الذين يقولون : لا تؤخذ الجزية إلا من أهل الكتاب ، لأن اللّه لم يذكر أخذ الجزية إلا منهم .
وأما غيرهم فلم يذكر إلا قتالهم حتى يسلموا ، وألحق بأهل الكتاب في أخد الجزية وإقرارهم في ديار المسلمين ، المجوس ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم ، أخذ الجزية من مجوس هجر ، ثم أخذها أمير المؤمنين عمر من الفرس المجوس .
وقيل : إن الجزية تؤخذ من سائر الكفار من أهل الكتاب وغيرهم ، لأن هذه الآية نزلت بعد الفراغ من قتال العرب المشركين ، والشروع في قتال أهل الكتاب ونحوهم ، فيكون هذا القيد إخبارا بالواقع ، لا مفهوما له .
ويدل على هذا أن المجوس أخذت منهم الجزية وليسوا أهل كتاب ، ولأنه قد تواتر عن المسلمين من الصحابة ومن بعدهم أنهم يدعون من يقاتلونهم إلى إحدى ثلاث : إما الإسلام ، أو أداء الجزية ، أو السيف ، من غير فرق بين كِتَابِيٍّ وغيره .
ثم ساقت السورة الكريمة بعد ذلك سبع آيات بينت فيها ما يجب أن يكون عليه موقف المسلمين من المنحرفين من أهل الكتاب ، كما حكت بعض أقوالهم الذميمة ، وأفعالهم القبيحة ، التي تدعو المسلمين إلى قتالهم حتى يخضعوا لسلطان الإِسلام ، وقد بدئت هذه الآيات بقوله - تعالى - { قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ . . . . } .
قال الإِمام الرازى : اعلم أنه لما ذكر - سبحانه - حكم المشركين في إظهار البراءة من عهدهم ، وفى إظهار البراءة عنهم في أنفسهم ، وفى وجوب مقاتلتهم ، وفى تبعيدهم عن المسجد الحرام . . ذكر بعده حكم أهل الكتاب ، وهو أن يقاتلوا إلى أن يعطوا الجزية فحينئذ يقرون على ما هم عليه بشرائط ، ويكونون عند ذلك من أهل الذمة والعهد .
وقال ابن كثير ما ملخصه : هذه الآية أول أمر نزل بقتال أهل الكتاب - اليهود والنصارى . وكان ذلك في سنة تسع ، ولهذا " تجهز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقتال الروم ، ودعا الناس إلى ذلك ، وأظهره لهم ، وبعث إلى أحياء العرب حول المدينة ، فندبهم فأوعبوا معه ، واجتمع من المقاتلة نحو من ثلاثين ألفا ، وتخلف بعض الناس من أهل المدينة . ومن حولها من المنافقين وغيرهم ، وكان ذلك في عام جدب ، ووقت قيظ حر . وخرج رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد الشام لقتال الروم ، فبلغ تبوك ، ونزل بها ، وأقام بها قريباً من عشرين يوماً ، ثم استخار الله في الرجوع ، فرجع عامه ذلك لضيق الحال ، وضعف الناس . . . " .
وقوله : { قَاتِلُواْ الذين } أمر منه - سبحانه - للمؤمنين بقتال أهل الكتاب ، وبيان للأسباب التي اقتضت هذا الأمر ، وهى أنهم :
أولاً : { لاَ يُؤْمِنُونَ بالله } لأنهم لو كانوا مؤمنين به إيماناً صحيحاً ، لاتبعوا رسوله محمداً - صلى الله عليه وسلم - ، ولأن منهم من قال : { عُزَيْرٌ ابن الله } ومنهم من قال : { المسيح ابن الله } وقولهم هذا كفر صريح ، لأنه - سبحانه - منزله عما يقولون .
قال - تعالى - { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ الله الصمد لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ } وثانياً : أنهم " لا يؤمنون باليوم الآخر " على الوجه الذي أمر الله - تعالى - به ، ومن كان كذلك كان إيمانه . على فرض وجوده . كلا إيمان .
قال الجمل ما ملخصه : فإن قلت : اليهود والنصارى يزعمون أنهم يؤمنون بالله واليوم الآخر فكيف نفى الله عنهم ذلك ؟
قلت : إن إيمانهم بهما باطل لا يفيد ، بدليل أنهم لم يؤمنوا بالنبى - صلى الله عليه وسلم - فلما لم يؤمنوا به كان إيمانهم بالله واليوم الآخر كالعدم فصح نفيه في الآية ولأن إيمانهم بالله ليس كإيمان المؤمنين ، وذلك أن اليهود يعتقدون التجسيم والتشبيه ، والنصارى يعتقدون الحلول ، ومن اعتقد ذلك فليس بمؤمن بالله بل هو مشرك .
وأيضاً فإن إيمانهم باليوم الآخر ليس كإيمان المؤمنين ، وذلك لأنهم يعقتدون بعث الأرواح دون الأجساد ، وأن أهل الجنة لا يأكلون فيها ولا يشربون ولا ينكحون - أى أنهم يرون نعيم الجنة وعذاب النار يتعلقان بالروح فقط ولا شأن للجسد بذلك .
ومن اعتقد ذلك فليس إيمانه كإيمان المؤمنين وإن زعم أنه مؤمن .
وثالثاً : أنهم { وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ } أى : لا يحرمون ما حرمه الله ورسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - في القرآن والسنة ، وفضلاً عن ذلك فهم لا يلتزمون ما حرمته شريعتهم على ألسنة رسلهم ، وإنما غيروا وبدلوا فيها على حسب ما تمليه عليهم أهواؤهم . أى أنهم لا يحرمون ما حرمه الله لا في شريعتنا ولا في شريعتهم .
فاليهود - بجانب كفرهم بشريعتنا - لم يطيعوا شريعتهم ، بدليل أنهم استحلوا أكل أموال الناس بالباطل مع أنها . أى شريعتهم . نهتهم عن ذلك .
قال - تعالى - { وَأَخْذِهِمُ الربا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ الناس بالباطل . . . } والنصارى - بجانب كفرهم - أيضاً - بشريعتنا - لم يطيعوا شريعتهم بدليل أنهم ابتدعوا الرهبانية مع أن شريعتهم لم تشرع لهم ذلك .
قال - تعالى - { ثُمَّ قَفَّيْنَا على آثَارِهِم بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الإنجيل وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا } ورابعاً : { وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق } وقوله : { يَدِينُونَ } بمعنى يعتقدون ويطيعون . يقال : فلان يدين بكذا إذا اتخذه دينه ومعتقده وأطاع أوامره ونواهيه .
والمراد بدين الحق : دين الإِسلام الناسخ لغيره من الأديان .
أى : أنهم لا يتخذون دين الإِسلام ديناً لهم ، مع أنه الدين الذي ارتضاه الله لعباده ، والذى لا يقبل - سبحانه - ديناً سواه . قال - تعالى - : { اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسلام دِيناً . . . } وقال - تعالى - : { وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخرة مِنَ الخاسرين } ويصح أن يكون المراد بدين الحق . ما يشمل دين الإِسلام وغيره من الأديان السماوية التي جاء بها الأنبياء السابقون .
أى : ولا يدينون بدين من الأديان التي أنزلها الله على أنبيائه ، وشرعها لعباده ، وإنما هم يتبعون أحبارهم ورهبانهم فيما يحلونه لهم ويحرمونه عليهم .
وعبر عنهم في قوله : { قَاتِلُواْ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ . . } بالاسم الموصول للإِيذان بعلية ما في حيز الصلة للأمر بالقتال .
أى أن العلة في الأمر بقتالهم ، كونهم لا يؤمنون باللهو لا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ، ولا يدينون دين الحق .
وقوله : { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } بيان للمتصفين بهذه الصفات الأربعة وهم اليهود والنصارى ؛ لأن الحديث عنهم ، وعن الأسباب التي توجب قتالهم .
والمراد بالكتاب : جنسه الشامل للتوراة والإِنجيل .
أى : قاتلوا من هذه صفاتهم ، وهم اليهود والنصارى الذين أعطاهم الله التوراة والإِنجيل - عن طريق موسى وعيسى - عليهما السلام - ولكنهم لم يعملوا بتعاليمهما وإنما عملوا بما تمليه عليهم أهواؤهم وشهواتهم .
والمقصود بقوله : { مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب } تميزهم عن المشركين عبدة الأوثان في الحكم ، لأن حكم هؤلاء قتالهم حتى يسلموا ، أما حكم أهل الكتاب فهو القتال ، أو الإِسلام ، أو الجزية :
وقوله : { حتى يُعْطُواْ الجزية عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } غاية لإِنهاء القتال .
أى : قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يعطو الجزية عن طوع وانقياد ، فإن فعلوا ذلك فاتركوا قتالهم .
والجزية : ضرب من الخراج يدفعه أهل الكتاب للمسلمين وهى - كما يقول القرطبى : - من جزى يجزى - مجازاة - إذا كافأ من اسدى إليه . فكأنهم أعطوها للمسلمين جزاء ما منحوا من الأمن ، وهى كالقعدة والجلسة ، ومن هذا المعنى قول الشاعر :
يجزيك أو يثنى عليك وإن من . . . أثنى عليك بما فعلت فقد جزى
والمراد بإعطائها في قوله : { حتى يُعْطُواْ الجزية } ، التزام دفعها وإن لم يذكر الوقت المحدد لذلك .
واليد هنا : يحتمل أن تكون كناية عن الاستسلام والانقياد . أى : حتى يعطوا الجزية عن خضوع وإنقياد .
ويحتمل أن تكون كناية و " عن " الدفع نقداً بدون تأجيل . أى : حتى يعطوها نقداً بدون تسويف أو تأخير .
ويحتمل أن تكون على معناها الحقيقى ، و " عن " بمعنى الباء أى : حتى يعطوها بيدهم إلى المسلمين لا أن يبعثوا بها بيد أحد سواهم .
وهذه المعانى لليد إنما تتأتى إذا أريد بها يد المعطى . أى : يد الكتابى .
أما إذا أردنا بها اليد الآخذة - وهى يد الحاكم المسلم - ففى هذه الحالة يكون معناها القوة والقهر والغلبة .
أى : حتى يعطوها عن يد غالبة قوية لا قبل لهم بالوقوف أمامها .
ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال : قوله : " عن يد " إما أن يراد يد المعطى أو الآخذ فمعناه على إرادة يد المعطى حتى يعطوها عن يده ، أى عن يد مؤاتيه غير ممتنعة ، إذ أن من أبى وامتنع لم يعط يده ، بخلاف المطيع المنقاد ، ولذلك قالوا : أعطى بيده ، إذا انقاد وأصحب - أى : سهل بعد صعوبة - ألا ترى إلى قولهم : نزع يده عن الطاعة ، كما يقال : خلع ربقة الطاعة عن عنقه .
أو المعنى : حتى يعطوها عن يد إلى يد نقداً غير نسيئة ، لا مبعوثاً بها على يد أحد ، ولكن يد المعطى إلى يد الآخذ .
ومعناه على إرادة يد الآخذ : حتى يعطوها عن يد قاهرة مستولية - وهى يد المسلمين - أو حتى يعطوها عن إنعام عليهم ، لأن قبول الجزية منهم ، وترك أرواحهم لهم ، نعمة عظيمة عليهم .
وقوله : { وَهُمْ صَاغِرُونَ } من الصغار بمعنى الذل والهوان . يقال : صغر فلان يصغر صغراً وصغاراً إذا ذل وهان وخضع لغيره .
والمعنى : قاتلوا من هذه صفاتهم من أهل الكتاب حتى يدفعوا لكم الجزية عن طواعية وانقياد . وهم أذلاء خاضعون لولايتكم عليهم . . فإن الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ، ولا يحرمون ما حرمه الله ورسوله .
ولا يتخذون الدين الحق ديناً لهم . يستحقون هذا الهوان في الدنيا ، أما في الآخرة فعذابهم أشد وأبقى .
هذا . ومن الأحكام التي أخذها العلماء من هذه الآية ما يأتى :
1- إن هذه الآية أصل في مشروعية الجزية ، وأنها لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب عند كثير من الفقهاء - لأن أهل الكتاب هم الذين يخيرون بين الإِسلام أو القتال أو الجزية ، أما غيرهم من مشركى العرب فلا يخيرون إلا بين الإِسلام أو القتال .
قال القرطبى ما ملخصه : وقد اختلف العلماء فيمن تؤخذ منه الجزية فقال الشافعى : لا تقبل الجزية إلا من أهل الكتاب خاصة ، عربا كانوا أو عجماً لهذه الآية : فإنهم هم الذين خصوا بالذكر فتوجه الحكم إليهم دون من سواهم ، لقوله - تعالى - في شأن المشركين : { فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ } ولم يقل : حتى يعطوا الجزية كما قال في أهل الكتاب .
وقال الشافعى : وتقبل من المجوس لحديث " سنوا بهم سنة أهل الكتاب " أى : في أخذ الجزية منهم .
وبه قال وأبو ثور . وهو مذهب الثورى وأبى حنيفة وأصحابه وقال الأوزاعى : تؤخذ الجزية من كل عابد وثن أو نار أو جاحد أو مكذب .
وكلذلك مذهب مالك : فإنه يرى أن الجزية تؤخذ من جميع أجناس الشرك والجحد ، عربيا أو عجمياً تغليبا أو قرشياً ؛ كئنا من كان إلا المرتد . .
2- أن أخذ الجزية منهم إنما هو نظير ما ينالهم ، وكفنا عن قتالهم ، ومساهمة منهم في رفع شأن الدولة الإِسلامية التي أمنتهم وأموالهم وأعراضهم ومعتقداتهم . ومقدساتهم . . وإقرار منهم بالخضوع لتعاليم هذه الدولة وأنهم متى التزموا بدفعها وجب علينا حمايتهم ، ورعايتهم ، ومعاملتهم بالعدل والرفق والرحمة . .
وفى تاريخ الإِسلام كثير من الأمثلة التي تؤيد هذا المعنى ، ومن ذلك ، ما جاء في كتاب الخراج لأبى يوسف أنه قال في خطابه لهارون الرشيد " وينبغى يا أمير المؤمنين - أيدك الله - أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد - صلى الله عليه وسلم - والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا ولا يكلفوا فوق طاقتهم ، ولا يؤخذ شئ من أموالهم إلا بحق يجب عليهم ؛ فقد روى عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : " من ظلم من أمتى معاهداً أو كلفه فوق طاقته فأنا حجيجه " .
وكان فيما تكلم عمر بن الخطاب عند وفاته : أوصى الخليفة من بعدى بذمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يوفى لهم بعهدهم ، وأن يقاتل من ورائهم ولا يكلفوهم فوق طاقتهم .
وجاء في كتاب " أشهر مشاهير الإِسلام " أن جيوش التتار ، لما اكتسحت بلاد الإِسلام من حدود الصين إلى الشام ، ووقع في أسرهم من وقع من المسلمين والنصارى ثم خضد المسلمون شوكة التتار ، ودان ملوكهم بالإِسلام ، خاطب شيخ الإِسلام ابن تيمية ، أمير التتار بإطلاق الأسرى فسمح له بالمسلمين وأُبى أن يسمح بأهل الذمة ، فقال له شيخ الإِسلام : لا بد من إطلاق وجميع من معك من اليهود والنصارى الذين هم أهل ذمتنا ولا ندع أسيرا لا من أهل الملة ، ولا من أهل الذمة ، فأطلقهم له .
وجاء في كتاب " الإِسلام والنصرانية " للأستاذ الإِمام محمد عبده ما ملخصه :
" . . . الإِسلام كان يكتفى من الفتح بإدخال الأرض المفتوحة تحت سلطانه ، ثم يترك الناس وما كانوا عليه من دين . ثم يكلفهم بجزية يدفعونها لتكون عوناً على صيانتهم والمحافظة على أمنهم في ديارهم ، وهم عقائدهم ومعابدهم وعاداتهم بعد ذلك أحرار ، لا يضايقون في عمل ، ولا يضامون في معاملة " .
خلفاء المسلمين كانوا يوصون قوادهم باحترام العباد الذين انقطعوا عن العامة في الصوامع والأديرة للعبادة ، كما كانوا يوصونهم باحترام دماء النساء والأطفال وكل من لم يعن على القتال .
جاءت السنة بالنهى عن إيذاء أهل الذمة ، وبتقرير ما لهم من الحقوق على المسلمين ، " لهم ما لنا وعليهم ما علينا " و " من آذى ذميا فليس منا " .
واستمر العمل على ذلك ما استمرت قوة الإِسلام . ولست أبلى إذا انحرف بعض المسلمين عن هذه الأحكام عندما بدأ الضعف في أبناء الإِسلام فضيق الصدر من طبع الضعيف .
ثم قال : أما المسيحية فترى لها حق القيام على كل دين يدخل تحت سلطانها تراقب أعمال أهله ، وتخصهم دون الناس بضروب من المعاملة لا يحتملها الصبر مهما عظم ، حتى إذا تمت لها القدرة على طردهم - بعد العجز عن إخراجهم من دينهم - طردتهم عن ديارهم ، وغسلت الديار عن آثارهم ، كما حصل ويحصل في كل أرض استولت عليها أمة مسيحية استيلاء حقيقاً .
ولا يمنع غير المسيحى من تعدى المسيحى إلا كثرة العدد أو شدة العضد ، كما شهد التاريخ ، وكما يشهد كاتبوه .
ثم قال : فأنت ترى الإِسلام يكتفى من الأمم والطوائف التي يغلب على أرضها ، بشئ من المال ، أقل مما كانوا يؤدونه من قبل تغلبه عليهم ، وبأن يعيشوا في هدوء ، لا يعكرون معه صفو الدولة ، ولا يخلون بنظام السلطة العامة ، ثم يرخى لهم بعد ذلك عنان الاختيار في شئونهم الخاصة بهم ، لا رقيب عليهم فيها سوى ضمائرهم .
وقال الشيخ القاسمى ما ملخصه : قال السيوطى : استدل بقوله - تعالى - { وَهُمْ صَاغِرُونَ وَهُمْ صَاغِرُونَ } من قال إنها تؤخذ بإهانة ، بأن يجلس الآخذ ويقوم الذمى ويطأطئ رأسه ، ويجنى ظهره ، ويقبض الآخذ لحيته . . . إلخ .
وقد رد الإِمام ابن القيم على هذا القائل بقوله : هذا كله مما لا دليل عليه ، ولا هو من مقتضى الآية ، ولا نقل عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه .
والصواب في الآية ، أن الصغار : هو التزامهم بجريان أحكام الله عليهم ، وإعطاء الجزية ، فإن ذلك هو الصغار ، وبه قال الشافعى .
والذى ناره أن ما قاله الإِمام ابن القيم في رده هو عين الصواب ، وأن ما نقله السيوطى عن بعضهم . . . يتنافى مع سماحة الإِسلام وعدله ورحمته بالناس .
هذا ، وهناك أحكام أخرى تتعلق بالجزية لا محال لذكرها هنا ، فليرجع إليها من شاء في بعض كتب الفقه والتفسير .