تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (30)

المفردات :

يضاهئون : المضاهأة والمضاهات : المشابهة .

أنى يؤفكون : كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل .

30 – { وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله . . . } الآية .

في هذه الآية وما بعدها يكشف الله سبحانه عن الشبه التي وردت على أهل الكتاب ، فأفسدت عليهم دينهم ؛ وأدخلتهم في مداخل المشركين أو الكافرين ، فوصفوا بقوله تعالى في الآية السابقة : { ولا يدينون دين الحق } .

{ وقالت اليهود عزير ابن الله } .

ذلك أنه مر على قرية قديمة ، قبورها دارسة ، وقد عمها الصمت والسكون والموت ؛ فقال : { أنى يحي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه . . . } فلما رآه اليهود ؛ قالوا : عزيرا ابن الله ؛ لأن الله بعثه بعد موته .

وقيل : إن التوراة قد ضاعت أيام الأسر البابلي ، فلما عاد اليهود من الأسر ، وأعادوا بناء الهيكل ؛ لم يجدوا التوراة ، وكان عزير أو عزرا قد ملأ الله صدره نورا ؛ فإذا التوراة محفوظة في قلبه ، تجري كلماتها على لسانه . ثم جمع أحبارهم وأملى عليهم التوراة من حفظه ؛ وحدت بعد هذا أن عثروا على التوراة الضائعة ، فقارنوا بها ما أملاه عزرا فإذا هي هي ، كان عندهم عزرا كائنا علويا سماويا فنسبوه إلى الله وجعلوه ابنا له .

والمحققون من المؤرخين يقولون : إن عزيرا( عزرا ) ، جمع محفوظات من صدور القوم ؛ ومن أوراق متناثرة وسماها : التوراة ، ولا يوجد دليل على أنها طبق الأصل ؛ فإن الأصل مفقود ، كما أن فيها وصف الله بما لا يليق به ، كالندم والضعف أمام إسرائيل ، وغير ذلك مما يقطع بوضعها54 .

وقال السيد رشيد رضا في تفسير المنار :

جاء في دائرة المعارف اليهودية الإنكليزية – طبعة 1903 – أن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملي لليهودية ، الذي تفتحت فيها أزهاره ، وعبق شذا ورده ، وأنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة .

{ وقالت النصارى المسيح ابن الله } .

أي : أن النصارى قالوا في المسيح عيسى ابن مريم ما قالته اليهود في عزير ؛ فقد قالوا : إنه ابن الله ، وشبهتهم في ذلك أن المسيح قد ولد من رحم امرأة دون أن تتصل برجل .

وقد فصل القرآن القول في ذلك في سورة مريم ، وآل عمران وغير ذلك من السور ؛ فالمسيح قد خلق بقدرة الله ، وأراد الله أن يجعل منه آية على هذه القدرة .

فقد خلق الله آدم من غير أب ولا أم ، وخلق حواء من أب دون أم ، وخلق المسيح من أم دون أب ؛ قال تعالى : { إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون } . ( آل عمران : 59 ) .

وقد رد الله على النصارى وناقشهم ، ودحض حجتهم في آيات كثيرة . أحيانا حاكمهم إلى العقل فبين أن المسيح بشر جعله الله رسولا ، وما ينبغي لبشر أن يرسله الله ثم يدعي هذا البشر الألوهية ويطلب من الناس أن يعبدوه هو ؛ بل ينبغي للرسول الأمين ؛ أن يدعو الناس إلى عبادة الله رب الجميع .

قال تعالى : { ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين بما كنتم تعلمون الكتاب وبما كنتم تدرسون } . ( آل عمران : 79 ) .

وأحيانا خاطب العقل مع العاطفة والوجدان مثل قوله تعالى :

{ وقالوا اتخذ الرحمان ولدا * لقد جئتم شيئا إدا * تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا * أن دعوا للرحمان ولدا * وما ينبغي للرحمان أن يتخذ ولدا * إن كل من في السماوات والأرض إلا آتى الرحمان عبدا * لقد أحصاهم وعدهم عدا * وكلهم آتيه يوم القيامة فردا } . ( مريم : 88 - 95 ) .

كذلك فإن المسيح أعطاه الله معجزات تؤيد رسالته مثل إبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله ، فقالوا : إن المسيح ما كان يستطيع أن يفعل ذلك إلا لأنه ابن الله .

وفي القرآن : { أنى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة وخلق كل شيء . . . }( الأنعام : 101 ) .

أي : كيف يكون لله ولد مع أنه لا زوجة له ؟ ! وجهلوا أن ميلاد عيسى كان بأمر الله : { قال كذلك قال ربك هو علي هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا } . ( مريم : 21 ) .

كما أن معجزات عيسى لتأييد نبوته ؛ كان شأنها كشأن معجزات الأنبياء السابقين ، كناقة صالح ، وعصا موسى ؛ هي بمثابة تصديق الله له في دعواه الرسالة .

{ ذلك قولهم بأفواههم } . أي : هو قول يلقى على عواهنه ؛ مجرد كلام ، لم يحتكم فيه إلى عقل أو منطق . . . إنه كلام . . . لا أكثر ليس بينه وبين الحق نسب .

قال الشوكاني في فتح القدير :

{ ذلك قولهم بأفواههم } .

أي : إن هذا القول لما كان ساذجا ليس فيه بيان ، ولا عضده برهان ، كان مجرد دعوى ليس فيها إلا كونها خارجة من الأفواه ؛ غير مفيدة لفائدة يعتد بها .

{ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } .

يشابهون بهذه المقالة عبدة الأوثان في قولهم : اللات والعزى ومناة بنات الله ، والملائكة بنات الله .

قال الأستاذ عبد الكريم الخطيب في التفسير القرآني للقرآن :

ويمكن أن يكون الذين كفروا من قبل ، كل من سبق اليهود والنصارى ؛ من الذين كانوا يعتقدون بهذا المعتقد الذي يجعل لله ابنا يعبد من دون الله ، أو يعبد مع الله ، مثل تلك المعتقدات التي كان يعتقدها اليونان في توليد الآلهة ، بعضهم من بعض ، وكما كان يعتقد الفراعنة في آلهتهم ، وإضافة ملوكهم إلى آلهة سماوية علوية ، وكما يعتقد المعتقدون في بوذا وأنه مولود إلهي ا ه .

وجاء في تفسير المنار :

وقد علمنا من تاريخ قدماء الوثنيين في الشرق والغرب : أن عقيدة الابن لله والحلول والتثليث ، كانت معروفة عند البراهمة في الهند وفي الصين واليابان وقدماء المصريين وقدماء الفرس .

وهذه الحقيقة التاريخية – والتي بينها القرآن في هذه الآية – من معجزاته ؛ لأنه لم يكن يعرفها أحد من العرب ولا ممن حولهم ، بل لم تظهر إلا في هذا الزمان55 .

والمعنى : إن هؤلاء الضالين الذين قال بعضهم : { عزير ابن الله } . وقال البعض الآخر : { المسيح ابن الله } .

ليس لهم على قولهم الباطل هذا دليل ولا برهان ؛ ولكنهم يشابهون ويتابعون فيه قول الذين كفروا من قبلهم من الأمم56 .

{ قاتلهم الله } . أي : لعنهم الله ، أو طردهم من رحمته ورضوانه ، أو أهلكهم الله ؛ لأن من قاتله الله ؛ هلك روى ابن جرير عن ابن عباس أن معنى قاتلهم الله لعنهم الله ؛ وكل شيء في القرآن قتل فهو لعن .

والمقصود من هذا التعبير : التعجب من شفاعة قولهم حكى النقاش أن أصل قاتله الله : الدعاء ، ثم كثر في استعمالهم حتى قالوه في التعجب في الخير والشر . وهم لا يريدون الدعاء ، وأنشد الأصمعي :

يا قاتل الله ليلى كيف تعجبني *** وأخبر الناس أنى لا أباليها

{ أنى يؤفكون } .

كيف يصرفون عن الحق مع قيام الدليل عليه ؟ !

{ ويؤفكون } . من الإفك بمعنى : الانصراف عن الشيء ؛ والابتعاد عنه ، يقال : أفكه عن الشيء يأفه إفكا ؛ أي : صرفه عنه وقلبه ، ويقال : أفكت الأرض إفكا ، أي : صرف عنها المطر .

والغرض من الاستفهام هنا : التعجب والتوبيخ .

أي : إن ما قالوه ظاهر البطلان وهو محل عجب العقلاء واستنكارهم وغضبهم ، فالمسيح بشر يأكل الطعام ، وتجري عليه أحكام البشر ، فكيف يكون إلها ؟ !

قال تعالى : { ما المسيح ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام } . ( المائدة : 75 ) .

وقال سبحانه : { لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله } . ( النساء : 172 ) .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (30)

{ 30 - 33 } { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ * اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ * يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ }

لما أمر تعالى بقتال أهل الكتاب ، ذكر من أقوالهم الخبيثة ، ما يهيج المؤمنين الذين يغارون لربهم ولدينه على قتالهم ، والاجتهاد وبذل الوسع فيه فقال : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ } وهذه المقالة وإن لم تكن مقالة لعامتهم فقد قالها فرقة منهم ، فيدل ذلك على أن في اليهود من الخبث والشر ما أوصلهم إلى أن قالوا هذه المقالة التي تجرأوا فيها على اللّه ، وتنقصوا عظمته وجلاله .

وقد قيل : إن سبب ادعائهم في { عزير } أنه ابن اللّه ، أنه لما سلط الله الملوك{[368]}  على بني إسرائيل ، ومزقوهم كل ممزق ، وقتلوا حَمَلَةَ التوراة ، وجدوا

عزيرا بعد ذلك حافظا لها أو لأكثرها ، فأملاها عليهم من حفظه ، واستنسخوها ، فادعوا فيه هذه الدعوى الشنيعة .

{ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ } عيسى ابن مريم { ابْنُ اللَّهِ } قال اللّه تعالى { ذَلِكَ } القول الذي قالوه { قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ } لم يقيموا عليه حجة ولا برهانا .

ومن كان لا يبالي بما يقول ، لا يستغرب عليه أي قول يقوله ، فإنه لا دين ولا عقل ، يحجزه ، عما يريد من الكلام .

ولهذا قال : { يُضَاهِئُونَ } أي : يشابهون في قولهم هذا { قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ } أي : قول المشركين الذين يقولون : { الملائكة بنات اللّه } تشابهت قلوبهم ، فتشابهت أقوالهم في البطلان .

{ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ } أي : كيف يصرفون على الحق ، الصرف الواضح المبين ، إلى القول الباطل المبين .


[368]:- في ب: أنه لما تسلط الملوك.
 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (30)

وبعد أن بين - سبحانه - بعض رذائل أهل الكتاب على سبيل الإِجمال ، اتبع ذلك بتفصيل هذه الرذائل ، فحكى أقوالهم الباطلة ، وأفعالهم الذميمة ، ونواياهم السئة فقال - تعالى - : { وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ . . . . وَلَوْ كَرِهَ المشركون } .

أخرج ابن جرير عن ابن عباس قال : أتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سلام بن مشكم ، ونعمان بن أوفى . وشاس بن قيس ، ومالك بن الصيف فقالوا : كيف نتبعك - يا محمد - وقد تركت قبلتنا ، وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله ، فأنزل الله في ذلك : { وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله وَقَالَتْ النصارى المسيح ابن الله } الآية .

و " عزير " كاهن يهودى سكن بابل سنة 457 ق . م تقريباً ، ومن أعامله أنه جمع أسفار التوراة ؛ وأدخل الأحرف الكلدانية عوضاً عن العبرانية القديمة ، وألف أسفار : الأيام ، وعزرا ، ونحميا .

وقد قدسه اليهود من أجل نشره لكثير من علوم الشريعة ، وأطلقوا عليه لقب " ابن الله " .

قال البيضاوى : وإنما قالوا ذلك - أى : عزير ابن الله - لأنه لم يبق فيهم بعد وقعة " بختصر " - سنة 586 ق . م . ه من يحفظ التوارة . وهو لما أحياه الله بعد مائة عام أملى عليهم التوارة حفظاً فتعجبوا من ذلك وقالوا : ما هذا إلا لأنه ابن الله .

وقال صاحب المنار ما ملخصه : جاء في دائرة المعارف اليهودية الانكليزية - طبعة 1903 - أن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملى لليهودية الذي تفتحت فيه أزهاره ، وعبق شذا ورده . وأنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة . .

وقد ذكر المفسرون هنا أقوالاً متعددة في الأسباب التي حملت اليهود على أن يقولوا " عزير ابن الله " وأغلب هذه الأقوال لا يؤيدها عقل أو نقل ، ولذا فقد ضربنا عنها صفحا .

وقد نسب - سبحانه - القول إلى جميع اليهود مع أن القائل بعضهم ، لأن الذين لم يقولوا ذلك لم ينكروا على غيرهم قولهم ، فكانوا مشاركين لهم في الإِثم والضلال ، وفيما يترتب على ذلك من عقاب .

وأما قول النصارى " المسيح ابن الله " فهو شائع مشهور ، ومن أسبابه أن الله - تعالى - قد خلق عيسى بدون أب على خلاف ما جرت به سنته في التوالد والتناسل ، فقالوا عنه " ابن الله " .

وقد حاجهم - سبحانه - في سورة آل عمران بأن آدم قد خلقه الله من غير أب أو أم ، فكان أولى بنسبة البنوة إليه ، لكنهم لم ينسبوا إليه ذلك ، فينبغى أن يكون عيسى كآدم .

قال - تعالى - { إِنَّ مَثَلَ عيسى عِندَ الله كَمَثَلِ ءَادَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ الحق مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُنْ مِّن الممترين } وقوله : { ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ } ذم لهم على ما نطقوا به يمجه العقل السليم ، والفكر القويم .

أى : ذلك الذي قالوه في شأن " عزير والمسيح " قول تلوكه ألسنتهم في أفواههم بدون تعقل ، ولا مستند لهم فيما زعموه سوى افترائهم واختلاقهم ، فهو من الألفاظ الساقطة التي لا وزن لها ولا قيمة ، فقد قامت الأدلة السمعية والعقلية على استحالة أن يكون لله ولد أو والد أو صاحبة أو شريك .

قال - تعالى - { وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً إِن كُلُّ مَن فِي السماوات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً لَّقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدّاً وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ القيامة فَرْداً } ولقد أنذر ، سبحانه ، الذين نسبوا إليه الولد بالعقاب الشديد فقال : { وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلاَ لآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً } وأسند ، سبحانه ، القول إلى الأفواه مع أنه لا يكون إلا بها ، لاستحضار الصورة الحسية الواقعية ، حتى لكأنها مسموعة مرئية ولبيان أن هذا القول لا وجود له في عالم الحقيقة والواقع ، وإنما هو لغو ساقط وليد الخيالات والأوهام ، ولزيادة التأكيد في نسبة هذا القول إليهم ، أى : أنه قول صادر منهم وليس محكيا عنهم .

قال صاحب الكشاف ، فإن قلت : كل القول يقال بالفم فما معنى قوله { ذلك قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ } ؟ .

قلت : فيه وجهان : أحدهما - أن يراد أنه قول لا يعضده برهان ، فما هو إلا لفظ يفوهون به ، فارغ من أى معنى تحته ، كالألفاظ المهملة التي هي أجراس ونغم ، لا تدل على معان . وذلك أن القول الدال على معنى ، لفظه مقول بالفم ، ومعناه مؤثر في القلبن وما لا معنى له مقول بالفم لا غير .

والثانى - أن يراد بالقول : المذاهب ، كقولهم " قول أبى حنيفة " يريدون مذهبه ما يقول به ، كأنه قيل : ذلك مذهبهم ودينهم بأفواههم لا بقلوبهم ، لأنه لا حجة معه ولا شبهة ، حتى يؤثر في القلوب ، وذلك أنهم اعترفوا أنه لا صاحبة له لم تبق شبهة في انتفاء الولد .

وقوله : { يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الذين كَفَرُواْ مِن قَبْلُ } ذم آخر لهم على تقليدهم لمن سبقوهم بدون تعقل أو تدبر .

قال الجمل ما ملخصه : قرأ العامة { يضاهون } بضم الهاء بعدها واو - وقرأ عاصم " يضاهئون " بهاء مكسورة بعدها همزة مضمومة - فقيل هما بمعنى واحد وهو المشابهة ، وفيه لغتان : ضاهات وضاهيت . . .

والمراد بالذين كفروا من قبل : قيل ، أهل مكة وأمثالهم من المشركين السابقين الذين قالوا ، الملائكة بنات الله وقيل ، المراد بهم قدماء أهل الكتاب ، أى ، أن اليهود والنصارى المعاصرين للنبى - صلى الله عليه وسلم - يشابه قولهم في الغرير وعيسى قول آبائهم الأقدمين ، - أى المعاصرين للعهد النبوى - قد ورثوا الكفر كابرا عن كابر .

والأولى من هذين الوجهين أن يكون المراد بالذين كفروا من قبل . جميع الأمم التي ضلت وانحرفت عن الحق ، وأشركت مع الله في العبادة آلهة أخرى .

قال صاحب المنار ، وقد علمنا من تاريخ قدماء الوثنيين في الشرق والغرب أن عقيدة الابن لله والحلول والتثليث ، كانت معروفة عند البراهمة في الهند وفى الصين واليابان وقدماء المصرين وقدماء الفرس .

وهذه الحقيقة التاريخية - والتى بينها القرآن في هذه الآية - من معجزاته لأنه لم يكن يعرفها أحد من العرب ولا ممن حولهم ، بل لم تظهر إلا في هذا الزمان .

والمعنى . أن هؤلاء الضالين الذين قال بعضهم { عُزَيْرٌ ابن الله } وقال البعض الآخر { المسيح ابن الله } ليس لهم على قولهم الباطل هذا دليل ولا برهان ، ولكنهم يشابهون ويتابعون فيه قول الذين كفروا من قبلهم من الأمم { فَهُمْ على آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ } وقوله : { قَاتَلَهُمُ الله } تعجيب من شناعة قولهم ، ودعاء عليهم بالهلاك فإن من قاتله الله لا بد أن يقتل ، ومن غالبه لا بد أن يغلب .

وعن ابن عباس ، أن معنى { قَاتَلَهُمُ الله } لعنهم الله وكل شئ في القرآن قتل فهو لعن .

وقوله : { أنى يُؤْفَكُونَ } تعجيب آخر من انصرافهم الشديد عن الحق الواضح إلى الباطل المظلم المعقد .

و { أنى } بمعنى كيف . و { يُؤْفَكُونَ } من الإِفك بمعنى الانصراف عن الشئ والابتعاد عنه ، يقال ، أفكه عن الشئ يأفكه أفكا ، أى ، صرفه عنه وقلبه . ويقال ، أفكت الأرض أفكا ، أى : صرف ، عنها المطر .

والمعنى : قاتل الله هؤلاء الذين قالوا { عُزَيْرٌ ابن الله } والذين قالوا { المسيح ابن الله } لأنهم بقوله هذا محل مقت العقلاء وعجبهم ، إذ كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل ، بعد وضوح الدليل على استحالة أن يكون له - تعالى - ولد أو والد أو صاحبة أو شريك . . ؟ !

إن ما قالوه ظاهر البطلان وهو محل عجب العقلاء واستنكارهم وغضبهم .