{ يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان ذلك تخفيف من ربكم ورحمة فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم( 178 ) ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون( 179 ) }
القصاص : المساواة والمماثلة ، وأصله من قص أثره إذا تبعه ومنه القاص لأنه يتبع الآثار .
القتلى : جمع قتيل ، والمعنى فرض عليكم اعتبار المماثلة والمساواة بين القتلى ، فالحر يقتل الحر ، والعبد يقتل العبد والأنثى بالأنثى .
{ فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان } .
وهذا العفو يكون بقبول الدية من أولياء الدم بدلا من قتل الجاني ، ومتى قبل ولي الدم هذا ورضيه فيجب إذن أن يطلبه بالمعروف والرضا والمودة ، ويجب على القاتل أو وليه أن يؤديه بإحسان ، وإجمال وإكمال تحقيقا لصفاء القلوب ، وشفاء لجراح النفوس وتقوية لأواصر الأخوة بين بقاء الأحياء ، وقد امتن الله على المؤمنين بهذا التشريع وبين ما فيه من رحمة بالأمة .
قال ابن عباس : { ذلك تخفيف من ربك ورحمة } . إشارة إلى الحكم بشرع القصاص والدية والعفو .
فإن هذه الأمة خيرت بينها توسعة وتيسيرا ولم يكن لليهود إلا القصاص ، ولم يكن للنصارى إلا العفو ، وإثبات الخيرة فضل من الرحمة في حقنا لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود إذا كان محتاجا إلى المال وقد يكون القود آثر عنده إذا كان راغبا في التشفي ودفع الشر القاتل عن نفسه وقد يؤثر ثواب الآخرة فيعفوا عن القصاص وعن بدله جميعا وهو الدية( 44 ) .
{ فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم }
أي نوع من العذاب عديد الألم في الآخرة .
وعن قتادة : ( العذاب الأليم أن يقتل لا محالة ، ولا يقبل منه الدية ) لأن الاعتداء بعد التراضي والقبول نكث للعهود وإهدار للتراضي ، وإثارة للشحناء بعد صفاء القلوب ، ومتى قبل ولي الدم الدية ، فلا يجوز له أن بعود فينتقم ويعتدي .
ومن ثم ندرك سعة آفاق الإسلام ، وبصره بحوافز النفس البشرية عند التشريع لها ومعرفته بما فطرت عليه من النوازع : إن الغضب للدم فطرة وطبيعية . فالإسلام يلبيها بتقرير شريعة القصاص . فالعدل الجازم هو الذي يكسر شره النفوس ، ويفتأ حنق الصدور ، ويردع الجاني كذلك عن التمادي . ولكن الإسلام في الوقت ذاته يحبب في العفو ويفتح له الطريق ، ويرسم له الحدود ، فتكون الدعوة إليه بعد تقرير القصاص دعوة إلى التسامي في حدود التطوع لا فرضا يكبت فطرة الإنسان ويحملها ما لا تطيق .
وتذكر بعض الروايات أنة هذه الآية منسوخة . نسختها آية المائدة التي نزلت بعدها وجعلت النفس بالنفس إطلاقا : وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس . . . ( المائدة : 45 ) .
قال ابن كثير في التفسير : وذكر في سبب نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبى حاتم حدثنا أبو زرعة يحيى بن عبد الله بن بكير ، حدثني عبد الله بن لهيعة ، حدثني عطاء بن دينار ، عن سعيد بن جبير في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى } . يعني إذا كان عمدا الحر بالحر ، وذلك أن حيين من العرب اقتتلا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل . فكان بينهما قتلى وجراحات حتى قتل العبيد النساء ، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال ، فحلفوا ن يرضوا حتى يقتل بالعبد من ا الحر منهم ، وبالمرأة منا الرجل منهم ، فنزل فيهم { الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى } . منسوخة بقوله : { النفس بالنفس } .
وإذا علمنا أن النسخ في القديم كان يطلق على مجرد التخصيص أو التوضيح . . .
ولم يكن يعني النسخ عند الأصوليين : " وهو رفع حكم شرعي لاحق لحكم شرعي سابق " .
إذا علمن هذا ، وراعينا سبب النزول أدركنا أن موضع هذه الآية غير موضع آية النفس بالنفس ، وأن لكل منها مجالا غير مجال الأخرى ، وأن آية النفس بالنفس مجالها مجال الاعتداء الفردي من فرد معين على فرد معين ، أو من أفراد معينين على فرد أو أفراد معينين فيؤخذ الجاني ما دام لقتل عمدا ، فأما الآية التي نحن بصددها فمجالها مجال الاعتداء لجماعي كحالة ذينك الحيين من العرب حيث تعتدي أسرة على أسرة وقبيلة على قبيلة ، أو جماعة على جماعة . فتصيب منها من الأحرار والعبيد والنساء ، فإذا أقيم ميزان القصاص كان الحر من هذه كالحر من تلك ، والعبد من هذه بالعبد من تلك ، والأنثى من هذه كالأنثى من تلك ، وإلا كيف يكون القصاص في مثل هذه الحالة التي يشترك فيها جماعة في الاعتداء على جماعة ؟ .
وإذ صح هذا انظر لا يكون هنا نسخ لهذه الآية ، ولا تعارض في آيات القصاص .
{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ }
يمتن تعالى على عباده المؤمنين ، بأنه فرض عليهم { الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } أي : المساواة فيه ، وأن يقتل القاتل على الصفة ، التي قتل عليها المقتول ، إقامة للعدل والقسط بين العباد .
وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين ، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم ، حتى أولياء القاتل ، حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول ، إذا طلب القصاص وتمكينه{[120]} من القاتل ، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد ويمنعوا الولي من الاقتصاص ، كما عليه عادة الجاهلية ومن أشبههم من إيواء المحدثين .
ثم بيَّن تفصيل ذلك فقال : { الْحُرُّ بِالْحُرِّ } يدخل بمنطقوقها ، الذكر بالذكر ، { وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى } والأنثى بالذكر ، والذكر بالأنثى ، فيكون منطوقها مقدما على مفهوم قوله : " الأنثى بالأنثى " مع دلالة السنة ، على أن الذكر يقتل بالأنثى ، وخرج من عموم هذا الأبوان وإن علوا ، فلا يقتلان بالولد ، لورود السنة بذلك ، مع أن في قوله : { الْقِصَاصُ } ما يدل على أنه ليس من العدل ، أن يقتل الوالد بولده ، ولأن في قلب الوالد من الشفقة والرحمة ، ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله ، أو أذية شديدة جدا من الولد له .
وخرج من العموم أيضا ، الكافر بالسنة ، مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة .
وأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه ، والعبد بالعبد ، ذكرا كان أو أنثى ، تساوت قيمتهما أو اختلفت ، ودل بمفهومها على أن الحر ، لا يقتل بالعبد ، لكونه غير مساو له ، والأنثى بالأنثى ، أخذ بمفهومها بعض أهل العلم فلم يجز قتل الرجل بالمرأة ، وتقدم وجه ذلك .
وفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود في القتل ، وأن الدية بدل عنه ، فلهذا قال : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ } أي : عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية ، أو عفا بعض الأولياء ، فإنه يسقط القصاص ، وتجب الدية ، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي .
فإذا عفا عنه وجب على الولي ، [ أي : ولي المقتول ] أن يتبع القاتل { بِالْمَعْرُوفِ } من غير أن يشق عليه ، ولا يحمله ما لا يطيق ، بل يحسن الاقتضاء والطلب ، ولا يحرجه .
وعلى القاتل { أَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ } من غير مطل ولا نقص ، ولا إساءة فعلية أو قولية ، فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو ، إلا الإحسان بحسن القضاء ، وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان ، مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف ، ومن عليه الحق ، بالأداء بإحسان{[121]} .
وفي قوله : { فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ } ترقيق وحث على العفو إلى الدية ، وأحسن من ذلك العفو مجانا .
وفي قوله : { أَخِيهِ } دليل على أن القاتل لا يكفر ، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان ، فلم يخرج بالقتل منها ، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر ، لا يكفر بها فاعلها ، وإنما ينقص بذلك إيمانه .
وإذا عفا أولياء المقتول ، أو عفا بعضهم ، احتقن دم القاتل ، وصار معصوما منهم ومن غيرهم ، ولهذا قال : { فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ } أي : بعد العفو { فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } أي : في الآخرة ، وأما قتله وعدمه ، فيؤخذ مما تقدم ، لأنه قتل مكافئا له ، فيجب قتله بذلك .
وأما من فسر العذاب الأليم بالقتل ، فإن الآية تدل على أنه يتعين قتله ، ولا يجوز العفو عنه ، وبذلك قال بعض العلماء والصحيح الأول ، لأن جنايته لا تزيد على جناية غيره .