تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (256)

و بعد أن ساق سبحانه في آية الكرسي الأدلة الواضحة على وحدانيته وعظمته وتنزيهه عن صفات الحوادث عقب ذلك ببيان أن الدين الحق قد ظهر وتجلى لكل ذي عقل سليم وأنه لا يقسر أحد على الدخول فيه فقال تعالى :

{ لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم }

المفردات :

الإكراه : حمل الغير على قول أو فعل لا يريده عن طريق التخويف أو التعذيب أو ما يشبه ذلك والمراد بالدين دين الإسلام والألف واللام فيه للعهد .

و الرشد : الاستقامة على طريق الحق مع تصلب فيه ، مصدر رشد ويرشد أي اهتدى والمراد هنا الحق والهدى .

و الغي : ضد الرشد والمراد به مصدر من غوى يغوي إذا ضل في معتقد أو رأى .

و يرى بعض العلماء أن نفي الإكراه هنا في معنى النهي أي لا تكرهوا أحدا على الدخول في دين الإسلام فإنه بين واضح في دلائله وبراهينه فمن هداه الله له ونور بصيرته دخل فيه على بصيرة ومن أضله وأعمى قلبه لا يفيده الإكراه على الدخول فيه .

و قال بعض العلماء إن الجملة هنا على حالها من الخبرية والمعنى ليس في الدين الذي هو تصديق بالقلب وإذعان في النفس إكراه وإجبار من الله تعالى لأحد لأن مبني هذا الدين على التمكين والاختيار وهو مناط الثواب والعقاب ولولا ذلك لما حصل الابتلاء والاختبار ولبطل الامتحان .

أو المعنى كما يرى بعضهم أن من الواجب على العاقل بعد ظهور الآيات البينات على أن الإيمان بدين الإسلام حق ورشد وعلى أن الكفر به غي وضلال أن يدخل عن طواعية واختيار في دين الإسلام الذي ارتضاه الله وألا يكره على ذلك بل يختاره بدون قسر أو تردد .

فالجملة الأولى وهي قوله تعالى : { لا إكراه في الدين } تنفي الإجبار على الدخول في الدين لان هذا الإجبار لا فائدة من ورائه إذ التدين إذعان قلبي واتجاه بالنفس والجوارح إلى الله رب العالمين بإرادة حرة مختارة فإذا أكره عليه الإنسان ازداد كرها له ونفورا منه فالإكراه والتدين نقيضان لا يجتمعان ولا يمكن أن يكون أحدهما ثمرة للآخر .

و الجملة الثانية وهي قوله تعالى : { قد تبين الرشد من الغي } بمثابة العلة لنفي هذا الإكراه على الدخول في الدين أي قد ظهر الصبح لدى عينين وانكشف الحق من الباطل والهدى من الضلال وقامت الأدلة الساطعة على دين الإسلام هو الدين الحق وغيره من الأديان ضلال وكفران وما دام الامر كذلك فقد توافرت الأسباب التي تدعو إلى الدخول في دين الإسلام ومن كفر بعد ذلك فليحتمل نتيجة كفره وسوء عاقبة أمره .

ثم قال تعالى : { فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعورة الوثقى لا انفصام لها } الطاغوت : اسم لكل ما يطغى الإنسان كالأصنام والأوثان والشيطان وكل رأس في الضلال وكل ما عبد من دون الله . . وهو مأخوذ من طغى يطغي . . كسعي طغيا وطغيانا أو من يطغو طغوا وطغيانا إذا تجاوز الحد وغلا في الكفر وأسرف في المعاصي والفجور .

و العروة : في أصل معناها تطلق على ما يتعلق بالشيء من عراه أي من الجهة التي يجب تعليقه منها وتجمع على عرا والعروة من الدلو والكوز مقبضة ومن الثوب مدخل زره .

و الوثقى : مؤنث الأوثق وهو الشيء المحكم الموثق يقال وثق بالضم وثاقة أي قوى وثبت فهو وثيق أي ثابت محكم .

و الانفصام : الانكسار والفصم كسر الشيء وقطعه .

و المعنى : فمن خلع الأنداد والأوثان وما يدعو إليه الشيطان من عبادة غير الله وآمن بالله- إيمانا خالصا صادقا فقد ثبت أمره واستقام على الطريقة المثلى التي لا انقطاع لها وأمسك من الدين بأقوى سبب واحكم رباط .

و الفاء في قوله : { فمن يكفر . . . } للتفريع والسين والتاء في استمسك للتأكيد والطلب و قوله : فقد استمسك بالعورة الوثقى فيه . . كما يقول الزمخشري تمثيل للمعلوم بالنظر والاستدلال بالمشاهد المحسوس حتى يتصور السامع كأنما ينظر إليه بعينيه فيحكم اعتقاده والتيقن به وجملة : { لا انفصام لها } استئناف مقرر لما قبله أو حال من " العروة " والعامل " استمسك " .

ثم ختم سبحانه الآية بقوله : { و الله سميع عليم } . أي سميع الأقوال وهمسات القلوب وخلجات النفوس عليم بما يسره الناس وما يعلنونه وسيجازيهم بما يستحقون من ثواب أو عقاب .

قال القرطبي ما ملخصه : قيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين . . } لان النبي صلى الله عليه وسلم قد أكره العرب على دين الإسلام وقاتلهم ولم يرض إلا الإسلام ، وقيل إنها ليست بمنسوخة وإنما نزلت في أهل الكتاب خاصة وأنهم لا يكرهون على الإسلام إذا أدوا الجزية . . .

و الحجة لهذا القول ما رواه زيد بن اسلم عن أبيه قال : سمعت عمر بن الخطاب يقول لعجوز نصرانية أسلمي أيتها العجوز تسلمي إن الله بعث محمدا بالحق ، قالت : أنا عجوز كبيرة والموت إلي قريب . فقال عمر : اللهم اشهد وتلا { لا إكراه في الدين }( 22 ) .

و الذي تسكن إليه النفس أن هذا الآية محكمة غير منسوخة لأن التدين لا يكون مع الإكراه كما أشرنا من قبل . . ولأن الجهاد ما شرع في الإسلام لإجبار الناس على الدخول في الإسلام إذ لا إسلام مع إجبار وإنما شرع الجهاد لدفع الظلم ورد العدوان وإعلاء كلمة الله والرسول صلى الله عليه وسلم ما قاتل العرب ليكرههم على الدخول في الإسلام وإنما قاتلهم لأنهم بدأوا بالعداوة .

و لان الروايات في سبب نزول هذه الآية تؤيد أنه لا إكراه في الدين ومن هذه الروايات ما جاء عن أبي عباس انه قال نزلت في رجل الأنصار من بني سالم بن عوف يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان وكان هو مسلما فقال للنبي صلى الله عليه وسلم ألا أستكرههما فإنهما قد أبيا إلا النصرانية فأنزل الله هذه الآية ( 23 ) .

و في رواية أخرى انه حاول إكراههما على الدخول في الإسلام فاختصموا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال الأنصاري يا رسول الله أيدخل بعضي النار وأنا انظر إليه فنزلت الآية . ولأن النسخ لا يصار إليه إلا إذا لم يمكن التوفيق بين الآيتين وهنا يمكن القول بأن الآية التي معنا تنفي إكراه الناس على اعتقاد ما لا يريدون وآية : { يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين . . } ( التحريم 9 ) . جاءت لحض النبي صلى الله عليه وسلم وحض أصحابه على قتال الكفار الذين وقفوا في طريق دعوته حتى يكفوا عن عدوانهم وتكون كلمة الله هي العليا .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّـٰغُوتِ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَىٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} (256)

ثم قال تعالى :

{ لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ }

يخبر تعالى أنه لا إكراه في الدين لعدم الحاجة إلى الإكراه عليه ، لأن الإكراه لا يكون إلا على أمر خفية أعلامه ، غامضة أثاره ، أو أمر في غاية الكراهة للنفوس ، وأما هذا الدين القويم والصراط المستقيم فقد تبينت أعلامه للعقول ، وظهرت طرقه ، وتبين أمره ، وعرف الرشد من الغي ، فالموفق إذا نظر أدنى نظر إليه آثره واختاره ، وأما من كان سيئ القصد فاسد الإرادة ، خبيث النفس يرى الحق فيختار عليه الباطل ، ويبصر الحسن فيميل إلى القبيح ، فهذا ليس لله حاجة في إكراهه على الدين ، لعدم النتيجة والفائدة فيه ، والمكره ليس إيمانه صحيحا ، ولا تدل الآية الكريمة على ترك قتال الكفار المحاربين ، وإنما فيها أن حقيقة الدين من حيث هو موجب لقبوله لكل منصف قصده اتباع الحق ، وأما القتال وعدمه فلم تتعرض له ، وإنما يؤخذ فرض القتال من نصوص أخر ، ولكن يستدل في الآية الكريمة على قبول الجزية من غير أهل الكتاب ، كما هو قول كثير من العلماء ، فمن يكفر بالطاغوت فيترك عبادة ما سوى الله وطاعة الشيطان ، ويؤمن بالله إيمانا تاما أوجب له عبادة ربه وطاعته { فقد استمسك بالعروة الوثقى } أي : بالدين القويم الذي ثبتت قواعده ورسخت أركانه ، وكان المتمسك به على ثقة من أمره ، لكونه استمسك بالعروة الوثقى التي { لا انفصام لها } وأما من عكس القضية فكفر بالله وآمن بالطاغوت ، فقد أطلق هذه العروة الوثقى التي بها العصمة والنجاة ، واستمسك بكل باطل مآله إلى الجحيم { والله سميع عليم } فيجازي كلا منهما بحسب ما علمه منهم من الخير والشر ، وهذا هو الغاية لمن استمسك بالعروة الوثقى ولمن لم يستمسك بها .