تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (104)

104- { ولتكن منكم امة يدعون على الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون } .

والمراد بالأمة هنا الطائفة من الناس التي تصلح لمباشرة الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمراد بالخير ما فيه صلاح للناس ديني أو دنيوي . . . والمراد بالمعروف ما حسنه الشرع وتعارف العقلاء على حسنه والمنكر ضد ذلك .

والمعنى : ولتكن منكم أيها المؤمنون طائفة قوية بالإيمان عظيمة الإخلاص تبذل أقصى طاقتها وجهدها في الدعوة إلى الخير الذي يصلح من شأن الناس وفي أمرهم بالتمسك بالتعاليم وبالأخلاق التي توافق الكتاب والسنة والعقول السليمة وفي نهيهم عن المنكر الذي يأباه شرع الله وتنفر منه الطباع الحسنة .

وقد دلت الآية على ان الامة يجب عليها أن تخصص طائفة منها تقوم بالدعوة إلى الله كما قال سبحانه { فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون } وهذا لا يعفي سائر أفراد الأمة من القيام بهذا الواجب كل بحسب طاقته .

{ وأولئك هم المفلحون } أي وأولئك القائمون بواجب الدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم الكاملون في الفلاح والنجاح .

( وقال بعض العلماء : وفي الآية دليل على وجوب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة وأصل عظيم من أصولها وركن مشيد من أركانها وبه يرتفع سنامها ويكمل نظامها ) 31 .

وقد أورد الحافظ بن كثير بعض الأحاديث النبوية الشريفة في الدعوة إلى المحافظة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقيام كل فرد من الامة بهذا الواجب بحسب قدرته وطاقته .

وهذان حديثان نبويان من تفسير ابن كثير :

1- جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان " في رواية : " وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل " 32 .

2- وروى الإمام أحمد عن حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن أن يبعث عليكم عقابا من عنده ثم لتدعنه فلا يستجب لكم " 33 .

وجاء في كتاب الترغيب والترهيب للمنذري طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة تحث على الامر بالمعروف والنهي عن المنكر منها ما يأتي :

( أ‌ ) روى الشيخان عن جرير بن عبد الله قال : بايعت النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة فلقنني فيما استطعت والنصح لكل مسلم34 .

( ب‌ ) روى أبو داود والترمذي وابن ماجه والنسائي : عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال " يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ( المائدة 105 ) . وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب من عنده " 35 .

( ج ) روى الترمذي عن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى إمام جائز فأمره ونهاه فقتله36 .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلۡتَكُن مِّنكُمۡ أُمَّةٞ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلۡخَيۡرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِۚ وَأُوْلَـٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ} (104)

{ وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ }

أي : وليكن منكم أيها المؤمنون الذين مَنَّ الله عليهم بالإيمان والاعتصام بحبله { أمة } أي : جماعة { يدعون إلى الخير } وهو اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله ويبعد من سخطه { ويأمرون بالمعروف } وهو ما عرف بالعقل والشرع حسنه { وينهون عن المنكر } وهو ما عرف بالشرع والعقل قبحه ، وهذا إرشاد من الله للمؤمنين أن يكون منهم جماعة متصدية للدعوة إلى سبيله وإرشاد الخلق إلى دينه ، ويدخل في ذلك العلماء المعلمون للدين ، والوعاظ الذين يدعون أهل الأديان إلى الدخول في دين الإسلام ، ويدعون المنحرفين إلى الاستقامة ، والمجاهدون في سبيل الله ، والمتصدون لتفقد أحوال الناس وإلزامهم بالشرع كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وغير ذلك من شرائع الإسلام ، وكتفقد المكاييل والموازين وتفقد أهل الأسواق ومنعهم من الغش والمعاملات الباطلة ، وكل هذه الأمور من فروض الكفايات كما تدل عليه الآية الكريمة في قوله { ولتكن منكم أمة } إلخ أي : لتكن منكم جماعة يحصل المقصود بهم في هذه الأشياء المذكورة ، ومن المعلوم المتقرر أن الأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به فكل ما تتوقف هذه الأشياء عليه فهو مأمور به ، كالاستعداد للجهاد بأنواع العدد التي يحصل بها نكاية الأعداء وعز الإسلام ، وتعلم العلم الذي يحصل به الدعوة إلى الخير وسائلها ومقاصدها ، وبناء المدارس للإرشاد والعلم ، ومساعدة النواب ومعاونتهم على تنفيذ الشرع في الناس بالقول والفعل والمال ، وغير ذلك مما تتوقف هذه الأمور عليه ، وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم خواص المؤمنين ، ولهذا قال تعالى عنهم : { وأولئك هم المفلحون } الفائزون بالمطلوب ، الناجون من المرهوب ،