تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (103)

103- { واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف الله بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها . . الآية } .

المفردات :

بحبل الله : أي بالإسلام أو القرآن استعار له كلمة الحبل حيث إن التمسك به سبب النجاة كما التمسك بالحبل سبب السلامة .

ولا تفرقوا : أي ولا تتفرقوا حذفت إحدى التاءين تخفيفا .

فألف : أي فجمع .

شفا حفرة : الشفا طرف الشيء وحرفه مثل شفا البئر وشفا حفرة منه يقال فلان أشفى على الشيء إذا أشرفت عليه كأنه بلغ شفاه أي حده وحرفه .

التفسير :

أي : كونوا جميعا مستمسكين بكتاب الله وبدينه وبعهوده ولا تتفرقوا كما كان شأنكم في الجاهلية .

ثم يذكر الله المسلمين بنعمته عليهم نعمة تأليف القلوب ورأب الصدوع والارتفاع على حزازات الصدور والتفاني في غاية أسمى من الشخصيات الزائلة والأمجاد الفارغة والفخر بالعصبيات والأنساب . . وإنها لمعجزة تلك التي تحول شتاتا العرب إلى وحدة وعداوتهم على مودة وتربط على قلوبهم هذا الرباط الذي لم تشهد له البشرية من قبل أو من بعد نظيرا .

( والنص هنا يعمد إلى مكمن المشاعر والروابط ( القلب ) فلا يقول فألف بينكم إنما ينفذ إلى المكمن العميق فألف بين قلوبكم وهو تعبير مصور مقصود .

كذلك يرسم النص سورة لما كانوا عليه بل مشهدا حيا متحركا يتملاه الخيال ويتوقع في كل لحظة حركة كانت ستكون لو لم تدركهم معجزة الإيمان { وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها . . . } فيصور الخيال هؤلاء الأناس على سفا حفرة من النار ويظل يتوقع حركة السقوط المتوقعة حتى تتم حركة الإنقاذ المفاجئة ) 28 .

{ كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون } أي بمثل هذا البيان الواضح يبين الله لكم سائر آياته لكي تثبتوا على الهدى وتزدادوا فيه اعتصاما وقوة .

والقرآن حافل بالدعوة إلى الوحدة والأخوة والتماسك والتكافل والتراحم والتحذير من الفرقة والعداوة والبغضاء والسخرية والاستهزاء .

وبمثل هذا الهدى الإلهي والتوجيه النبوي رأينا وحدة لم يعرف التاريخ لها نظيرا وحدة الأخوة بين المهاجرين والأنصار وحدة الألفة والمودة على الدين الجديد والدعوة الإسلامية الخالدة .

قال تعالى : { وألف بين قلوبكم لو أنفقتم ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم } ( الأنفال 63 ) .

روى البخاري ومسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ترى المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذ اشتكى منه عضو تداعي له سائر جسده بالسهر والحمى " 29 .

وروى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " إن الله يرضى لكم ثلاثا ويسخط لكم ثلاثا يرضى لكم ان تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تنصحوا من ولاه الله أمركم ويسخط لكم ثلاثا قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال " 30 .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَٱعۡتَصِمُواْ بِحَبۡلِ ٱللَّهِ جَمِيعٗا وَلَا تَفَرَّقُواْۚ وَٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ كُنتُمۡ أَعۡدَآءٗ فَأَلَّفَ بَيۡنَ قُلُوبِكُمۡ فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا وَكُنتُمۡ عَلَىٰ شَفَا حُفۡرَةٖ مِّنَ ٱلنَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنۡهَاۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَهۡتَدُونَ} (103)

ثم أمرهم تعالى بما يعينهم على التقوى وهو الاجتماع والاعتصام بدين الله ، وكون دعوى المؤمنين واحدة مؤتلفين غير مختلفين ، فإن في اجتماع المسلمين على دينهم ، وائتلاف قلوبهم يصلح دينهم وتصلح دنياهم وبالاجتماع يتمكنون من كل أمر من الأمور ، ويحصل لهم من المصالح التي تتوقف على الائتلاف ما لا يمكن عدها ، من التعاون على البر والتقوى ، كما أن بالافتراق والتعادي يختل نظامهم وتنقطع روابطهم ويصير كل واحد يعمل ويسعى في شهوة نفسه ، ولو أدى إلى الضرر العام ، ثم ذكرهم تعالى نعمته وأمرهم بذكرها فقال : { واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء } يقتل بعضكم بعضا ، ويأخذ بعضكم مال بعض ، حتى إن القبيلة يعادي بعضهم بعضا ، وأهل البلد الواحد يقع بينهم التعادي والاقتتال ، وكانوا في شر عظيم ، وهذه حالة العرب قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم فلما بعثه الله وآمنوا به واجتمعوا على الإسلام وتآلفت قلوبهم على الإيمان كانوا كالشخص الواحد ، من تآلف قلوبهم وموالاة بعضهم لبعض ، ولهذا قال : { فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار } أي : قد استحقيتم النار ولم يبق بينكم وبينها إلا أن تموتوا فتدخلوها { فأنقذكم منها } بما مَنَّ عليكم من الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم { كذلك يبين الله لكم آياته } أي : يوضحها ويفسرها ، ويبين لكم الحق من الباطل ، والهدى من الضلال { لعلكم تهتدون } بمعرفة الحق والعمل به ، وفي هذه الآية ما يدل أن الله يحب من عباده أن يذكروا نعمته بقلوبهم وألسنتهم ليزدادوا شكرا له ومحبة ، وليزيدهم من فضله وإحسانه ، وإن من أعظم ما يذكر من نعمه نعمة الهداية إلى الإسلام ، واتباع الرسول صلى الله عليه وسلم واجتماع كلمة المسلمين وعدم تفرقها .