تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا} (119)

المفردات :

ولأمنينهم : أي : لأعللنهم بالأماني الكاذبة .

فليبتكن آذان الأنعام : الأنعام : الإبل والبقر والغنم والمعز . وغلب استعمالها في الإبل خاصة . وتبتيك الأنعام : تقطيع آذانها أو شقها . وكانوا يفعلون ذلك في الجاهلية وسيأتي بيانه .

فليغرن خلق الله : صورة أو صفة ، كفقإ عين الفحل . وسيأتي بيانه ، وكخصاء العبيد ، وإتيان الذكور بدل الإناث .

وليا من دون الله : أي : معبودا وناصرا ، متجاوزا ، وتاركا له .

خسرانا مبينا : أي : خسرانا بينا واضحا .

التفسير :

119- وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلأمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ . . .

يؤكد الشيطان اللعين توكيدا بعد توكيد ، أنه سيضل عباد الله عن الحق .

قال الألوسي : ولأمنبنهم . الأماني الباطلة وأقوالهم : ليس وراءكم بعث ، ولا نشر ، ولا جنة ، ولا نار ، ولا ثواب ولا عقاب ، فافعلوا ما شئتم ، وقيل : أمنيهم بطول البقاء في الدنيا فيسوفون في العمل . وقيل : أمنيهم بالأهواء الباطلة ، الداعية إلى المعصية ، وأزين لهم شهوات الدنيا وزهراتها ، وأدعو كلا منهم إلى ما يميل إليه طبعه فأصده بذلك عن الطاعة .

وَلأمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ . يؤكد الشيطان أنه سيأمرهم بتبكيت آذان الأنعام ؛ فيطيعون أمره . . . وتبكيت آذان الأنعام : تقطيعها أو شقها .

وهذا إشارة إلى ما كانت الجاهلية تفعله ؛ من شق أو قطع أذن الناقة إذا ولدت خمسة أبطن ، وجاء الخامس ذكرا ؛ وتحريم ركوبها ، وسائر وجوه الانتفاع بها {[106]} .

وَلأمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ . إن الشيطان يوسوس للإنسان ؛ ليخرجه عن فطرة الله ، ويزحزحه

عن منهج الله ، ويدعوه إلى تغيير خلق الله ؛ لتحقيق شهواته وأوهامه ولذائذه ، كما يزين الشيطان لأتباعه تغيير فطرة الله تعالى وهي الإسلام .

ومن تغيير خلق الله : ترجل النساء ، وتخنث الرجال ، واللواط والسحاق ، وعبادة الشمس والقمر والنار والحجارة مثلا ، واستعمال الجوارح والقوى فيما لا يعود على النفس كمالا ، ولا يوجب لها من الله سبحانه زلفى {[107]} .

ويلحق بذلك خصاء العبيد وهو حرام منهى عنه .

وهناك تغيير أمرت به السنة ، كالختان ووسم البهائم لحاجة تعريفها حتى لا تخلط بغيرها ، والوسم : كي البهائم بمكواة يسمونها : الميسم .

جاء في صحيح مسلم عن أنس قال : ( ( رأيت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الميسم وهو يسم إبل الصدقة والفيء ، وغير ذلك ؛ حتى يعرف كل مال فيؤدى فيه حقه ولا يتجاوز به إلى غيره ) ) {[108]} .

كما يستثني من تغير خلق الله الخضاب بالحناء .

وبالكتم _ وهو السوداء _ لإرهاب العدو ، والوشم لحاجة ، وخضب اللحية وقص ما زاد منها على السنة ونحو ذلك {[109]} .

وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا . في المراد بالولى قولان :

أحدهما : أنه بمعنى : الرب .

والثاني : من الموالاة : أي : ومن يجعل الشيطان صاحبا يتبعه وينقا د له ، متجاوزا أوامر الله تعالى ، بإيثار ما يدعو إليه الشيطان على ما يأمر به الله .

فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا . أي : فقد خسر الدنيا و الآخرة وتلك خسارة لا جبرلها ، ولا استدراك لفائتها .


[106]:تفسير روح المعاني للألوسي 5/149.
[107]:المرجع السابق 5/150 كلعب الشطرنج بإسراف وإدمان؛ لتضييع الوقت فإن كان اللعب قليلا؛ جاز.
[108]:رأيت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الميسم: رواه مسلم في اللباس (2119) وفي فضائل الصحابة (16374،12614) من حديث أنس بن مالك قال رأيت في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم الميسم وهو يسم إبل الصدقة.
[109]:تفسير روح المعاني 5/150.
 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَأُضِلَّنَّهُمۡ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمۡ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ ٱلۡأَنۡعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمۡ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلۡقَ ٱللَّهِۚ وَمَن يَتَّخِذِ ٱلشَّيۡطَٰنَ وَلِيّٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ فَقَدۡ خَسِرَ خُسۡرَانٗا مُّبِينٗا} (119)

وهذا النصيب المفروض الذي أقسم لله إنه يتخذهم{[239]}  ذكر ما يريد بهم وما يقصده لهم بقوله : { وَلَأُضِلَّنَّهُمْ ْ } أي : عن الصراط المستقيم ضلالا في العلم ، وضلالا في العمل .

{ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ ْ } أي : مع الإضلال ، لأمنينهم أن ينالوا ما ناله المهتدون . وهذا هو الغرور بعينه ، فلم يقتصر على مجرد إضلالهم حتى زين لهم ما هم فيه من الضلال . وهذا زيادة شر إلى شرهم حيث عملوا أعمال أهل النار الموجبة للعقوبة وحسبوا أنها موجبة للجنة ، واعتبر ذلك باليهود والنصارى ونحوهم فإنهم كما حكى الله عنهم ، { وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ ْ } { كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ْ } { قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا ْ } الآية .

وقال تعالى عن المنافقين إنهم يقولون يوم القيامة للمؤمنين : { أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ْ }

وقوله : { وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ ْ } أي : بتقطيع آذانها ، وذلك كالبحيرة والسائبة والوصيلة والحام فنبه ببعض ذلك على جميعه ، وهذا نوع من الإضلال يقتضي تحريم ما أحل الله أو تحليل ما حرم الله ، ويلتحق بذلك من الاعتقادات الفاسدة والأحكام الجائرة ما هو من أكبر الإضلال . { وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ْ } وهذا يتناول تغيير الخلقة الظاهرة بالوشم ، والوشر والنمص والتفلج للحسن ، ونحو ذلك مما أغواهم به الشيطان فغيروا خلقة الرحمن .

وذلك يتضمن التسخط من خلقته والقدح في حكمته ، واعتقاد أن ما يصنعون بأيديهم أحسن من خلقة الرحمن ، وعدم الرضا بتقديره وتدبيره ، ويتناول أيضا تغيير الخلقة الباطنة ، فإن الله تعالى خلق عباده حنفاء مفطورين على قبول الحق وإيثاره ، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن هذا الخلق الجميل ، وزينت لهم الشر والشرك والكفر والفسوق والعصيان .

فإن كل مولود يولد على الفطرة ولكن أبواه يهوِّدانه أو ينصِّرانه أو يمجِّسانه ، ونحو ذلك مما يغيرون به ما فطر الله عليه العباد من توحيده وحبه ومعرفته . فافترستهم الشياطين في هذا الموضع افتراس السبع والذئاب للغنم المنفردة . لولا لطف الله وكرمه بعباده المخلصين لجرى عليهم ما جرى على هؤلاء المفتونين ، وهذا الذي جرى عليهم من توليهم عن ربهم وفاطرهم{[240]}  وتوليهم لعدوهم المريد لهم الشر من كل وجه ، فخسروا الدنيا والآخرة ، ورجعوا بالخيبة والصفقة الخاسرة ، ولهذا قال : { وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا ْ } وأي خسار أبين وأعظم ممن خسر دينه ودنياه وأوبقته معاصيه وخطاياه ؟ ! ! فحصل له الشقاء الأبدي ، وفاته النعيم السرمدي .

كما أن من تولى مولاه وآثر رضاه ، ربح كل الربح ، وأفلح كل الفلاح ، وفاز بسعادة الدارين ، وأصبح قرير العين ، فلا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، اللهم تولنا فيمن توليت ، وعافنا فيمن عافيت .


[239]:- في النسختين: إنهم يتخذهم.
[240]:- كذا في ب وفي أ: وفاطركم.