تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{ٱلرِّجَالُ قَوَّـٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّـٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّـٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا} (34)

قوامة الرجال

{ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا ، وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا } .

الايتان ( 34-35 ) .

المفردات :

يقال : هذا قيم المرأة وقوامها ؛ إذا كان يقوم بأمرها ويهتم بحفظها وما به الفضل قسمان :

فطري : وهو قوة مزاج الرجل وكماله في الخلقة ، ويتبع ذلك قوة العمل وصحة النظر في مبادئ الأمور وغاياتها ، وكسبي : وهو قدرته على الكسب والتصرف في الأمور ، ومن ثم كلف الرجال بالإنفاق على النساء والقيام برياسة المنزل .

القنوت : السكون و الطاعة لله و للأزواج .

الحافظات للغيب : أي اللاتى يحفظن ما يغيب عن الناس ، و لا يقال إلا في الخلوة بالمرأة .

تخافون : أى : تظنون .

نشزت الأرض : ارتفعت عما حواليها ، ويراد بها هنا : معصية الزوج و الترفع عليه .

البغى : الظلم وتجاوز الحد .

34

34- الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ . الرجال لهم حق الصيانة والرعاية للنساء ، والقيام بشئونهن ؛ بما أعطاهم الله من صفات تهيئهم للقيام بهذا الحق ، فقد خص الله الرجال بأمور منها :

الإمامة ، والولاية ، والميراث ، والشهادة ، والجهاد ، والجمعة ، والجماعات ، وولاية الزوج على زوجته ولاية رعاية ومودة ورحمة لا ولاية غلظة ورهبة ، كما أن ولاية الزوج على زوجته ، تهيئ للزوجة الاستقرار في البيت ورعاية شئون الأسرة .

والرجل أقدر- بطبيعته- على السعي والكدح في سبيل تحصيل رزقه ، ورزق أسرته ؛ ليهيئ لها حياة سعيدة هانئة .

النساء قسمان :

قسم يفهم ويقدر قوامة الرجل على المرأة ، فيلتزم بما امر الله وهن الصالحات ، فالصالحات مطيعات لله ولأزواجهن ، حافظات لكل ما يغيب عن أزواجهن بسبب أمر الله بهذا الحفظ وتوفيقه لهم في القيام بواجبهن ، وهن يحفظن على الأزواج أموالهم وأعراضهم في جميع الحالات .

أما القسم الثاني من النساء :

فهو قسم مكابر يرغب في التعالي والخروج عن طاعة الزوج وقد شرع الإسلام العلاج لهذا النوع من النساء على النحو الآتي :

1- الوعظ والإرشاد ، والتوجيه ، والتذكير بما أمر الله ورسوله من طاعة الزوج ، والتزام أمره ، والتحذير من شماتة الأعداء وتصدع شمل الأسرة .

2- الهجر والإعراض في المضجع ويتحقق ذلك بهجرها في الفراش مع الإعراض والصد .

3- الضرب اليسير غير المبرح وهو ما كان بنحو سواك أو عصا صغيرة . وهو أمر معنوي أكثر منه حسي وهو خاص ببعض النساء ومن لا تستقيم بالوعظ ولا بالهجر ، ويجب ألا يكون الضرب قاسيا ولا شديدا . وبعض الناس لا يتقبل عقوبة الضرب . ونحن نشاهد هذه العقوبة في الجيش وفي غيره ! وليست هذه العقوبة لجميع الناس ، بل لفئة جاحدة لا تريد أن تخضع لقانون الله ولا أن تلتزم بشئون الأسرة .

فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا . أي : فإن أطعنكم بواحدة من هذه الخصال التأديبية ؛ فلا تبغوا ولا تتجاوزوا ذلك إلى غيرها ، فابدءوا بما بدأ الله من الوعظ ، فإن لم يفد فبالهجر ، فإن لم يفد فبالضرب الخفيف غير مبرح ولا مهين ، عند التمرد ، فإذا لم يغن فليلجأ إلى التحكيم ، ومتى استقام لكم الظاهر فلا تبحثوا عن السرائر .

إن الله فوقكم وينتقم منكم إذا آذيتموهن أو بغيتم عليهن ونلمح أن في نهاية الآية تهديدا ووعيدا لكل من يتكبر على زوجته ، أو ينتهز الفرصة لإذلالها والعدوان عليها ، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ، وإذا دفعتك قوتك إلى ظلم غيرك ؛ فتذكر قدرة الله عليك وفي الحديث القدسي : '' يا عبادي ؛ إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما ؛ فلا تظالموا'' .

ويقول الشاعر :

لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرا *** الظلم شيمته يفضي إلى الندم

تنام عيناك والمظلوم منتبه *** يدعو عليك وعين الله لم تنم

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{ٱلرِّجَالُ قَوَّـٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ وَبِمَآ أَنفَقُواْ مِنۡ أَمۡوَٰلِهِمۡۚ فَٱلصَّـٰلِحَٰتُ قَٰنِتَٰتٌ حَٰفِظَٰتٞ لِّلۡغَيۡبِ بِمَا حَفِظَ ٱللَّهُۚ وَٱلَّـٰتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَٱهۡجُرُوهُنَّ فِي ٱلۡمَضَاجِعِ وَٱضۡرِبُوهُنَّۖ فَإِنۡ أَطَعۡنَكُمۡ فَلَا تَبۡغُواْ عَلَيۡهِنَّ سَبِيلًاۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيّٗا كَبِيرٗا} (34)

{ الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا }

يخبر تعالى أن الرِّجَال { قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ } أي : قوامون عليهن بإلزامهن بحقوق الله تعالى ، من المحافظة على فرائضه وكفهن عن المفاسد ، والرجال عليهم أن يلزموهن بذلك ، وقوامون عليهن أيضا بالإنفاق عليهن ، والكسوة والمسكن ، ثم ذكر السبب الموجب لقيام الرجال على النساء فقال : { بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ } أي : بسبب فضل الرجال على النساء وإفضالهم عليهن ، فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة : من كون الولايات مختصة بالرجال ، والنبوة ، والرسالة ، واختصاصهم بكثير من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع . وبما خصهم الله به من العقل والرزانة والصبر والجلد الذي ليس للنساء مثله . وكذلك خصهم بالنفقات على الزوجات بل وكثير من النفقات يختص بها الرجال ويتميزون عن النساء .

ولعل هذا سر قوله : { وَبِمَا أَنْفَقُوا } وحذف المفعول ليدل على عموم النفقة . فعلم من هذا كله أن الرجل كالوالي والسيد لامرأته ، وهي عنده عانية أسيرة خادمة ، فوظيفته أن يقوم بما استرعاه الله به .

ووظيفتها : القيام بطاعة ربها وطاعة زوجها فلهذا قال : { فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ } أي : مطيعات لله تعالى { حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ } أي : مطيعات لأزواجهن حتى في الغيب تحفظ بعلها بنفسها وماله ، وذلك بحفظ الله لهن وتوفيقه لهن ، لا من أنفسهن ، فإن النفس أمارة بالسوء ، ولكن من توكل على الله كفاه ما أهمه من أمر دينه ودنياه .

ثم قال : { وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ } أي : ارتفاعهن عن طاعة أزواجهن بأن تعصيه بالقول أو الفعل فإنه يؤدبها بالأسهل فالأسهل ، { فَعِظُوهُنَّ } أي : ببيان حكم الله في طاعة الزوج ومعصيته والترغيب في الطاعة ، والترهيب من معصيته ، فإن انتهت فذلك المطلوب ، وإلا فيهجرها الزوج في المضجع ، بأن لا يضاجعها ، ولا يجامعها بمقدار ما يحصل به المقصود ، وإلا ضربها ضربًا غير مبرح ، فإن حصل المقصود بواحد من هذه الأمور وأطعنكم { فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا } أي : فقد حصل لكم ما تحبون فاتركوا معاتبتها على الأمور الماضية ، والتنقيب عن العيوب التي يضر ذكرها ويحدث بسببه الشر .

{ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا } أي : له العلو المطلق بجميع الوجوه والاعتبارات ، علو الذات وعلو القدر وعلو القهر الكبير الذي لا أكبر منه ولا أجل ولا أعظم ، كبير الذات والصفات .