تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (31)

المفردات :

تزدري أعينكم : يقال : زري على فلان زراية أي : عابه واستهزأ به .

التفسير :

31 { وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ . . . } الآية .

هنا تظهر طبيعة الرسالة ، يوضحها ويبينها هذا الرسول المكافح المجاهد ؛ فهو من أولى العزم من الرسل ، كان قوم نوح يرون أن الرسول ينبغي أن يتميز على قومه بالمال ينفق منه على أتباعه ، أو بمعرفة الغيب ؛ ليؤكد صلته بالله ، أو بكونه ملكا من جنس الملائكة ؛ لكن حكمة الله تعالى أرادت أن يكون الرسل بشرا ، من جنس أقوامهم ، يتمتعون بالصفاء والنقاء ، وقوة اليقين وسلامة الباطن وحسن التلقي ، وحسن التأني للأمور ؛ فهو إنسان متميز يصلح للاصطفاء والاختيار ، وتبليغ الرسالة ومناقشة المعترضين .

إنه قائد بين قومه ، ورسول في مسيرة التوجيه والتعليم والبناء ، وقد كان الرسل هامات فارعة ، وقيادات مرموقة في مسيرة الإصلاح والتوجيه ، وهم منارات مضيئة تتلقى وحي السماء ، وتترجم هذا التوجيه إلى سلوك عملي بين البشر .

من أجل هذا ؛ كان الرسل بشرا يوحى إليهم ، فلا يتميزون بالقدرة على الخوارق ، أو تملك كنوز المال ، أو معرفة الغيب . وهنا يشرح نوح ذلك فيقول :

{ وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللّهِ } . فلا أملك خزائن الرزق التي يحتاج إليها عباد الله للإنفاق منها ، أتصرف فيها بغير وسائل الأسباب المسخرة لسائر الناس ، فأنفق على نفسي ، وعلى من تبعني ؛ بالتصرف فيها بخوارق العادات ، بل أنا وغيري في الكسب سواء .

{ ولا أعلم الغيب } . لا أعرف الغيوب التي اختص الله سبحانه وتعالى بمعرفتها .

وقريب من ذلك ما أمر الله به محمدا صلى الله عليه وسلم ، حيث قال : { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلاَ ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } . ( الأعراف : 188 ) .

{ ولا أقول إني ملك } . بل أنا بشر مثلكم آكل كما تأكلون ، وأشرب كما تشربون ، وأمرض كما تمرضون ، وتعتريني عوارض البشر مثل : الحزن والمصائب ، والنصر والخير والنجاح ؛ وبهذا أشكر الله على النعماء ، وأصبر على البأساء . وأرضى بأسباب القضاء ، وأكون قدوة عملية للناس .

فالبشرية من مقتضيات النبوة ، وليست مانعا منها قال تعالى : { وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَّجَعَلْنَاهُ رَجُلاً وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ } . ( الأنعام : 9 ) .

{ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللّهُ خَيْرًا . . . }

لقد أخبرهم صادقا : بأنه لا يملك خزائن رزق الله ، ولا يعلم الغيب ، وليس ملاكا كاذبا بل هو بشر .

ويستمر فيصحح مفهومهم بالنسبة لمؤمني الفقراء ؛ فهم يرون أنهم أراذل الناس من العمال والصناع الذين تحتقرهم العين لأول وهلة ، ونوح يرى أن هؤلاء الفقراء الضعفاء ، قد طهروا أنفسهم بالإيمان ؛ فهم أهل لعناية الله وخيره ؛ قال تعالى : { ونفس وما سواها * فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها } . ( الشمس : 7 10 ) .

إن عدالة الله تأبى أن يظلم مؤمنا عمل صالحا ؛ بل يكافئ المؤمن بالجزاء العادل والثواب الأوفى ؛ قال تعالى : { إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا } . ( الكهف : 30 ) .

{ اللّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ } .

الله أعلم بما في أنفسهم من صدق أو كذب ، ومن إيمان وإخلاص ، أو كفر ورياء ؛ فهو سبحانه يعلم السر وأخفى ، وسيكافئهم بحسب ما في قلوبهم .

{ إني إذا لمن الظالمين } . إذا قضيت على سرائرهم بخلاف ما أبدته لي ألسنتهم على غير علم مني بما في نفوسهم فأكون ظالما لهم بهضم حقوقهم .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ} (31)

ثم أخذ نوح - عليه السلام - فى تفنيد شبهاتهم ، وفى دحض مفترياتهم ، وفى تعريفهم بحقيقة أمره فقال : { وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله وَلاَ أَعْلَمُ الغيب وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ . . . }

والخزائن : جمع خزانة - بكسر الخاء - وهو المكان الذى يخزن فيه الماء أو الطعام أو غيرهما خشية الضياع ، والمراد منها هنا : أنواع رزقه - سبحانه - التى يحتاج إليها عباده ، وأضيفت إليه - سبحانه - لاختصاصه بها . وملكيته لها .

أى : إنى لا أقول لكم إن النبوة التى وهبنى الله إياها ، تجعلنى أملك خزائن أرزاقه - سبحانه - فأصير بذلك من الأثرياء ، وأعطى من أشاء بغير حساب . . .

كلا . إنى لا أملك شيئا من ذلك ، وإنما أنا عبد الله ورسوله ، أرسلنى لأخرجكم من ظلمات الكفر إلى نور الإِيمان .

وهذه الجملة الكريمة رد على قولهم السابق ! { وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } وأيضا لا أقول لكم إنى أعلم الغيوب التى اختص الله بعلمها ، فأدعى قدرة ليست للبشر ، أو أزعم أن لى صلة بالله - تعالى - غير صلة النبوة - أو أدعى الحكم على قلوب الناس وعلى منزلتهم عند الله ، كما ادعيتم أنتم فقلتم { مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا } ولم يكتف نوح - عليه السلام - بهذا الرد المبطل لدعاواهم الفاسدة ، بل أضاف إلى ذلك - كما حكى القرآن عنه - { وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ الله وَلاَ أَعْلَمُ الغيب وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تزدري أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْراً الله أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إني إِذاً لَّمِنَ الظالمين } .

وقوله : { تزدري } من الازدراء بمعنى التحقير والانتقاص ، يقال : ازدرى فلان فلانا إذا احتقره وعابه .

أى : أنا لا أقول لكم بأنى أملك خزائن الله ، أو بأنى أعلم الغيب ، أو بأنى ملك من الملائكة ، ولا أقول لكم - أيضا - فى شأن الذين تنظرون إليهم نظرة احتقار واستصغار : إنهم - كما تزعمون - { لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْراً } يسعدهم فى دينهم ودنياهم وآخرتهم ، بل أقول لكم إنه - سبحانه - سيؤتيهم ذلك - إذا شاء - لأنه - سبحانه - هو الأعلم بما فى نفوسهم من خير أو شر - أما أنا فلا علم لى إلا بظواهرهم التى تدل على إيمانهم وإخلاصهم ؛ و { إني إِذاً لَّمِنَ الظالمين } لنفسى ولغيري إذا ادعيت أية دعوى من هذه الدعاوى .

قال البيضاوى ما ملخصه ، وأسند - سبحانه - الازدراء إلى الأعين فى قوله { تزدري أَعْيُنُكُمْ } للمبالغة والتنبيه على أنهم استرذلوهم بادى الرؤية - أى بمجرد نظرهم إليهم - من غير روية بسبب ما عينوه من رثاثة حالهم وقلة منالهم ، دون نأمل فى معانيهم وكمالاتهم .

وهذا الإِسناد من باب المجاز العقلى ، لأن الازدراء ينشأ عن مشاهدة الصفات الحقيرة " فى نظر الناظر " فتكون الأعين سببا فى هذا الازدراء .

وأكد جملة { إني إِذاً لَّمِنَ الظالمين } بعدة مؤكدات ، تحقيقا لظلم كل من يدعى شيئا من هذه الدعاوى ، وتكذيبا لأولئك الكافرين الذين احتقروا المؤمنين ، وزعموا أن الله - تعالى - لن يؤتيهم خيرا .

وهكذا نجد نوحا - عليه السلام - يشرح لقومه بأسلوب مهذب حكيم حقيقة أمره ، ويرد على شبهاتهم بما يزهقها . . .