سورة الحجر سورة مكية ، ومحور هذه السورة الأول هو : إبراز المصير المخيف الذي ينتظر الكافرين المكذبين .
وحول هذا المحور يدور السياق في عدة جولات متنوعة الموضوع والمجال ، ترجع كلها إلى ذلك المحور الأصيل ، سواء في ذلك القصة ، ومشاهد الكون ، ومشاهد القيامة ، والتوجيهات والتعقيبات التي تسبق القصص وتتخلله وتعقب عليه .
وإذا كان جو سورة الرعد يذكر بجو سورة الأنعام ، فإن جو هذه السورة سورة الحجر يذكر بجو سورة الأعراف .
لقد كان ابتداء سورة الأعراف بالإنذار ، ثم ورد فيها آدم وإبليس ، ويلي القصة عرض لبعض مشاهد الكون ، في السماوات والأرض ، والليل والنهار ، والشمس والقمر ، والنجوم ، والرياح ، والسحاب ، ويلي ذلك قصص : قوم نوح ، وهود ، وصالح ، ولوط ، وشعيب ، وموسى .
وهنا في سورة الحجر يجيء الإنذار كذلك في مطلعها ، ولكن ملفعا بظل من التهويل حين يقول : { فسوف يعلمون*وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم*ما تسبق من أمّة أجلها وما يستأخرون }( الحجر3 5 ) .
ثم يعرض السياق بعض مشاهد الكون : السماء ، وما فيها من بروج ، والأرض الممدودة ، والرواسي الراسخة ، والنبت الموزون ، والرياح اللواقح ، والماء والسقيا ، والحياة والموت ، والحشر للجميع ، يلي ذلك : قصة آدم وإبليس ، منتهية بمصير أتباعه ، ومصير المؤمنين . ومن ثم لمحات من قصة إبراهيم ، ولوط ، وشعيب ، وصالح ، منظور فيها إلى مصائر المكذبين .
ويمكن تقسيم سياق السورة هنا إلى عدة جولات أو عدة مقاطع يتضمن كل منها موضوعا أو مجالا :
تتضمن الجولة الأولى : بيان : سنة الله التي لا تتخلف في الرسالة والإيمان بها والتكذيب ، مبدوءة بذلك الإنذار الضمني الملفع بالتهويل : { ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون }( الحجر : 3 ) .
ومنتهية بأن المكذبين إنما يكذبون عن عناد لا عن نقص في دلائل الإيمان ، وأنهم جميعا من طراز واحد .
{ لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين }( الحجر : 13 ) .
وتعرض الجولة الثانية : بعض آيات الله في الكون ، في السماء وفي الأرض ، وما بينهما ، وقد قدرت بحكمة ، وأنزلت بقدر ، وإلى الله مرجع كل شيء وكل أحد في الوقت المقدر المعلوم حيث يقول سبحانه : { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم }( الحجر : 21 ) .
وتعرض الجولة الثالثة : قصة البشرية وأصل الهدى والغواية في تركيبها وأسبابها الأصلية ، ومصير الغاوين في النهاية والمهتدين ، وذلك في خلق آدم من صلصال من حمإ مسنون ، والنفخ من روح الله في هذا الطين ، ثم غرور إبليس واستكباره وتوليه الغاوين دون المخلصين .
والجولة الرابعة : في مصارع الغابرين من قوم لوط وشعيب وصالح مبدوءة بقول الله تعالى : { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم* وأن عذابي هو العذاب الأليم }( الحجر : 49 ، 50 ) .
ثم يتتابع القصص يجلو رحمة الله مع إبراهيم ولوط ، وعذابه لأقوام لوط وشعيب وصالح .
أما الجولة الخامسة والأخيرة : فتكشف عن الحق الكامن في خلق السماوات والأرض الملتبس بالساعة وما بعدها من ثواب وعقاب ، المتصل بدعوة الرسول صلى الله عليه وسلم ؛ فهو الحق الأكبر الشامل للكون كله وللبدء والمصير .
عرضت سورة الحجر لألوان المكابرة والعناد التي يلجأ إليها الكافرون ثم انتقلت إلى معرض الآيات الكونية مبدوءا بمشهد السماء فمشهد الأرض ، فمشهد الرياح اللواقح بالماء ، فمشهد الحياة والموت فمشهد البعث والحشر . . . كل أولئك آيات يكابر فيها المعاندون . قال تعالى : { ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين*وحفظناها من كل شيطان رجيم*إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين }( الحجر : 16 18 ) .
إنه الخط الأول في اللوحة العريضة ، لوحة الكون العجيب الذي ينطق بآثار اليد المبدعة ، ويشهد بالإعجاز ، ويكشف عن دقة التنظيم والتقدير ، كما يكشف عن عظمة القدرة على هذا الخلق الكبير . والبروج قد تكون هي النجوم والكواكب بضخامتها ، وقد تكون هي منازل النجوم والكواكب التي تنتقل فيها في مدارها . وهي في كلتا الحالتين شاهدة بالقدرة وشاهدة بالدقة ، وشاهدة بالإبداع الجميل . قال تعالى : { وزيناها للناظرين } .
وهي لفتة إلى جمال الكون ، وبخاصة أن تلك السماء ، تشي بأن الجمال غاية مقصودة في خلق هذا الكون ، فليست الضخامة وحدها ، وليست الدقة وحدها ؛ إنما هو الجمال الذي ينظم المظاهر جميعا ، وينشأ من تناسقها جميعا .
وإن نظرة مبصرة إلى السماء في الليلة الحالكة ، وقد انتثرت فيها الكواكب والنجوم توصوص بنورها ثم تبدو كأنما تخبو ، ريثما تنتقل العين لتلبي دعوة من نجم بعيد . . ونظرة مثلها في الليلة القمرية والبدر حالم ، والكون من حوله مهموم كأنما يمسك أنفاسه ؛ حتى لا يوقظ الحالم السعيد .
إن نظرة واحدة شاعرة لكفيلة بإدراك الحقيقة في الجمال الكوني ، وعمق هذا الجمال في تكوينه ، ولإدراك معنى هذه اللفتة العجيبة . . { وزيناها للناظرين } .
والخط الثاني في اللوحة العريضة الهائلة هو : خط الأرض الممدودة أمام النظر المبسوطة للخطو والسير ، وما فيها من رواس وما فيها من نبت وأرزاق للناس ولغيرهم من الأحياء . قال تعالى : { والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون } ( الحجر : 19 ) .
إن ظل الضخامة واضح في السياق ، فالإشارة في الأرض إلى الرواسي ، ويتجسم ثقلها في التعبير بقوله : { وألقينا فيها رواسي } .
وإلى النبات موصوفا بأنه : { موزون } ، وهي كلمة ذات ثقل ، وإن كان معناها : أن كل نبت في هذه الأرض في خلقه دقة وإحكام وتقدير .
والآية الكونية هنا تتجاوز الآفاق إلى الأنفس ، فهذه الأرض الممدودة للنظر والخطو ، وهذه الرواسي الملقاة على الأرض تصاحبها الإشارة إلى النبت الموزون ، ومنه إلى المعايش التي جعلها الله للناس في هذه الأرض ، وهي الأرزاق المؤهلة للعيش والحياة فيها ، وهي كثيرة شتى .
وهذه الأرزاق ككل شيء مقدرة في علم الله تابعة لأمره ومشيئته ، يصرفها حيث يشاء ، كما يريد ، في الوقت الذي يريده ، حسب سنته التي ارتضاها وأجراها في الناس والأرزاق . قال تعالى : { وإن من شيء إلا عندنا خزائنه وما ننزله إلا بقدر معلوم }( الحجر : 21 ) .
فما من مخلوق يقدر على شيء أو يملك شيئا ، إنما خزائن كل شيء مصادره وموارده عند الله في علاه ينزله على الخلق في عوالمهم : { بقدر معلوم } .
فليس من شيء ينزل جزافا وليس من شيء يتم اعتباطا ، بل كل شيء يتم بحكمة العليم الخبير وتقدير السميع البصير : { إنا كل شيء خلقناه بقدر }( القمر : 49 ) .
قصة آدم في سورة البقرة والأعراف والحجر
ذكرت قصة آدم في القرآن مرتين من قبل ، في سورة البقرة ، وفي سورة الأعراف ، ولكن مساقها في كل مرة كان لأداء غرض خاص في معرض خاص وفي جو خاص ، ومن ثم اختلفت الحلقات التي تعرض منها في كل موضع واختلفت طريقة الأداء .
في سورة البقرة كانت نقطة التركيز هي استخلاف آدم في الأرض التي خلقها الله للناس جميعا : { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة }( البقرة : 30 ) ، ومن ثم عرض الأسرار في هذا الاستخلاف ، وبين قدرة الإنسان على الاستنباط والاستنتاج وتمتعه بالإرادة والاختيار ، ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس واستكباره ، وسكنى آدم وزوجه الجنة وإزلال الشيطان لهما عنها وإخراجهما منها ، ثم الهبوط إلى الأرض للخلافة فيها بعد تزويده بهذه التجربة القاسية ، واستغفاره وتوبة الله عليه .
وفي سورة الأعراف ، كانت نقطة التركيز في السياق هي الرحلة الطويلة من الجنة وإليها ، وإبراز عداوة إبليس للإنسان منذ بدء الرحلة إلى نهايتها ، حتى يعود الناس مرة أخرى إلى ساحة العرض الأولى ، ففريق منهم يعود إلى الجنة التي أخرج الشيطان أبويهم منها ؛ لأنهم عادوه وخالفوه ، وفريق ينتكس إلى النار ؛ لأنه اتبع خطوات الشيطان العدو اللدود . . ومن ثم عرض السياق حكاية سجود الملائكة ، وإباء إبليس واستكباره ، ثم إسكان آدم وزوجه الجنة يأكلان من ثمرها كله إلا شجرة واحدة ، وهي رمز المحظور الذي تبتلى به الإرادة والطاعة ، ثم وسوسة الشيطان لهما بتوسع وتفصيل ، وأكلهما من الشجرة وظهور سوآتهما لهما ، وعتاب الله لآدم وزوجه وإهباطهما إلى الأرض جميعا للعمل في أرض المعركة الكبرى .
فأما هنا في سورة الحجر فإن نقطة التركيز في السياق هي سر التكوين في آدم ، وسر الهدى والضلال ، وعواملهما الأصلية في كيان الإنسان . . ومن ثم نص ابتداء على خلق الله آدم من صلصال من حمإ مسنون ، ونفخه فيه من روحه المشرق الكريم ، وخلق الشيطان من قبل من نار السموم ، ثم عرض حكاية سجود الملائكة وإباء إبليس استنكافا من السجود لبشر من صلصال من حمإ مسنون ، وطرد إبليس ولعنته وطلبه الانتظار إلى يوم البعث وإجابته ، وزاد أن إبليس قرر على نفسه أن ليس له سلطان على عباد الله المخلصين ، إنما سلطانه على من يدينون له ، ولا يدينون لله ، وانتهى بمصير هؤلاء وهؤلاء في غير حوار ولا عرض ولا تفصيل تبعا لنقطة التركيز في السياق وقد استوفت ببيان عنصري الإنسان ، وبيان مجال سلطة الشيطان .
تفيد الآيات الواردة في سورة الحجر : أن الإنسان قد خلق من{ صلصال من حمإ مسنون }( الحجر : 26 ) .
والصلصال : هو الطين اليابس الذي يصلصل أي : يصوت إذا نقر .
والحمأ : هو الطين الذي تغير واسود من طول مجاورة الماء .
والمسنون : هو المصور أو المصبوب لييبس من سنه إذا صبه ، أي : أن الإنسان مخلوق من طين يابس قد اختلط بالماء وصور على هيئة الإنسان ، ثم نفخ الله فيه من روحه فصار بشرا سويا .
وتفيد آيات القرآن الأخرى : أن الله خلق آدم من تراب ومن طين ، ومن حمإ مسنون ، ومن طين لازب ، ومن صلصال كالفخار ، ومن عجل ؛ ومن ماء مهين .
قال مقاتل بن سليمان في تفسيره الكبير :
ويجمع بين هذه الآيات على أنها دليل على تدرج الخلقة ، فقد بدأ خلق آدم من أديم الأرض ، وهو : التراب ، ثم تحول التراب إلى طين ، وتحول الطين إلى سلالة ، ثم تغيرت رائحة الطين فتحول إلى حمإ مسنون ، ثم لصق فتحول إلى طين لازب ، ثم صار له صوت كصوت الفخار ، ثم نفخ فيه الروح ، فأراد أن ينهض قبل أن تتم الروح فيه فذاك قوله : { خلق الإنسان من عجل } ، ثم جعل ذريته من النطفة التي تنسل من الإنسان ومن الماء المهين وهو الضعيفi .
يتضمن الربع الأخير من سورة الحجر نماذج من رحمة الله وعذابه ممثلة في قصص إبراهيم وبشارته على الكبر بغلام عليم ، ولوط ونجاته وأهله إلا امرأته من القوم الظالمين ، وأصحاب الأيكة وأصحاب الحجر وما حل بهم من عذاب أليم .
هذا القصص يساق بعد مقدمة هي : { نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم* وأن عذابي هو العذاب الأليم }( الحجر : 50 ، 49 ) .
فيجيء بعضه مصداقا لنبأ الرحمة ، ويجيء بعضه مصداقا لنبأ العذاب ، كذلك هو يرجع إلى مطالع السورة فيصدق ماجاء فيها من نذير .
{ ذرهم يأكلون ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون*وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم*ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون }( الحجر : 3 5 ) . فهذه نماذج من القرى المهلكة بعد النذر ، حل بها جزاؤها بعد انقضاء الأجل .
سميت هذه السورة بسورة الحجر ؛ إشارة إلى أصحاب الحجر وهم : قوم صالح ، والحجر تقع بين الحجاز والشام إلى وادي القرى ، وهي ظاهرة إلى اليوم ، فقد نحتوها في الصخر في ذلك الزمان البعيد ، مما يدل على القوة والحضارة .
{ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين }( الحجر : 80 ) .
وهم لم يكذبوا سوى رسولهم الصالح . ولكن صالحا ليس إلا ممثلا للرسل أجمعين ، فلما كذبه قومه قيل : إنهم كذبوا المرسلين ؛ توحيدا للرسالة و للرسل وللمكذبين في كل أعصار التاريخ وفي كل جوانب الأرض على اختلاف الزمان والمكان والأشخاص والأقوام .
{ وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين }( الحجر : 81 ) .
وآية صالح كانت الناقة . ولكن الآيات في هذا الكون كثيرة ، والآيات في هذه الأنفس كثيرة ، وكلها معروضة للأنظار والأفكار . وليست الخارقة التي جاءهم بها صالح وهي وحدها الآية التي آتاهم الله . وقد أعرضوا عن آيات الله كلها . ولم يفتحوا لها عينا ولا قلبا ولم يستشعرها فيهم عقل ولا ضمير .
{ وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين*فأخذتهم الصيحة مصبحين*فما أغنى عنهم ما كانوا يكسبون }( الحجر82 84 ) .
لقد اتخذ قوم صالح بيوتا حصينة أمينة في صلب الجبال فأخذتهم الصيحة في وقت الصباح ، وهم في ديارهم الحصينة آمنون ، فإذا كل شيء ذاهب ، وإذا كل وقاية ضائعة ، وإذا كل حصين واهن ، ولم يبق لهم مما جمعوا ومما كسبوا ومما بنوا ومما نحتوا شيئا يغني عنهم ويدفع الهلاك الخاطف .
وهكذا تنتهي الحلقات الخاطفة من القصص في سورة الحجر محققة سنة الله في أخذ المكذبين عند انقضاء الأجل المعلوم ، فتتناسق نهاية هذا الشوط مع نهايات الأشواط السابقة في تحقيق سنة الله التي لا تختلف ولا تحيد .
وفي ختام السورة ذكر للسنن العامة التي لا تتخلف والتي تحكم الكون والحياة وتحكم الجماعات والرسالات وتحكم الهدى والضلال ، وتحكم المصائر والحساب والجزاء والتي انتهى كل مقطع من مقاطع السورة بتصديق سنة منها ، تلك السنن شاهد على الحكمة المكنونة في كل خلق من خلق الله وعلى الحق الأصيل الذي تقوم عليه طبيعة هذا الخلق .
ومن ثم يعقب السياق في ختام السورة ببيان هذا الحق الأكبر الذي يتجلى في طبيعة خلق السماوات والأرض وما بينهما . وطبيعة الساعة الآتية لا ريب فيها وطبيعة الدعوة التي يحملها الرسول صلى الله عليه وسلم وقد حملها الرسل قبله ، ويجمع بينها كلها في نطاق الحق الأكبر الذي يربطها ويتجلى فيها ويبين أن الله هو الخالق لهذا الوجود ، ولكل ما فيهii .
{ الر تلك آيات الكتاب وقرآن مبين1ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين2 ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون3 وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم4 ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون 5 } .
تقدم في سورة البقرة وآل عمران والأعراف حديث عن الحروف المقطعة في فواتح السور .
وخلاصته : أن للعلماء في هذه الأحرف رأيان رئيسان :
الأول : أنها مما استأثر الله تعالى بعلمه ، وهذا معنى ما نراه في تفسير الجلالين وغيره ، الله أعلم بمراده في ذلك .
الرأي الثاني : أن لهذه الأحرف معان ، وقد اختلف العلماء في معاني هذه الأحرف :
1 فمنهم من قال : إنها أسماء للسورة .
2 ومنهم من قال : إنها إشارة إلى أسماء الله تعالى أو صفاته .
3 ومنهم من قال : إنها مثل أدوات التنبيه ، كالجرس الذي يقرع ؛ فينتبه التلاميذ لدخول المدرسة ؛ فقد كان الكفار يتواصون : بالإعراض عن استماع القرآن ، فلما طرقت أذهانهم هذه الأحرف ؛ تنبهوا أمام هذا الأمر العجيب .
4 ومنهم من قال : هي حروف للتحدي والإعجاز ، وبيان : أن الخلق عاجزون عن الإتيان بمثل القرآن ، مع أنه مكون من حروف عربية ، ينطقون بها ويتكلمون بها ، وقد عجزوا عن الإتيان بمثل القرآن ، فدل ذلك على أن القرآن ليس من صنع بشر ، ولكنه تنزيل من حكيم حميد .
5 ومنهم من ذهب إلى أن من إعجاز هذه الأحرف ؛ اشتمالها على جميع المعاني التي ذكرها العلماء في تفسيرها ، فهي أسماء للسورة ، وهي تشير إلى أسماء الله أو صفاته .
وهي في نفس الوقت أدوات للتنبيه .
وهي مما استأثر الله تعالى بعلمه ، والله أعلم .
{ تلك آيات الكتاب وقرآن مبين } .
أي : هذه الآيات التي اشتملت عليها هذه السورة ؛ من آيات ذلك الكتاب الكامل ، ومن آيات القرآن المبين الواضح ، وقد جمع الله للكتاب صفتان : فهو الكتاب الكامل من بين الكتب المنزلة ، وهو القرآن الواضح في بيانه وإحكامه ، وقد تميز القرآن من بين سائر الكتب بصفتين :
الأولى : حفظه وقراءته عن ظهر قلب ، والكتب السابقة تقرأ ولا تحفظ ، كما يحفظ القرآن .
الثانية : كتابة القرآن في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وتجميع كتابته في مصحف واحد في حياة أبي بكر ، ثم كتابته بالفصحى وبلغة واحدة في حياة عثمان بن عفان ، وظل المصحف العثماني ، بالخط العثماني محفوظا إلى يومنا هذا ، لا يختلف مصحف عن آخر ؛ تصديقا لقوله تعالى : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون }( الحجر : 9 ) .
والأناجيل كتبت بعد وفاة المسيح عليه السلام بعشرات السنين ، وقد جمعها تلاميذه على ما غلب على ظنهم أن المسيح قاله ، وقد اختلفت الأناجيل عن بعضها ، وغلب على كل إنجيل صفة كاتبه ومعلوماته .
فإن كان فيلسوفا ؛ ظهرت الفلسفة في إنجيله ، وإن كان طبيبا ؛ غلب عليه العناية بالأمور الطبية . ولا يوجد في العالم كتاب يشبه القرآن ، في دقته ونقائه وسلامته من الأخطاء .
1- سورة الحجر ، هي السورة الرابعة عشرة في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول فقد ذكر الزركشي والسيوطي أنها نزلت بعد سورة يوسف( {[1]} ) . . .
2- وسميت بسورة الحجر ، لورود هذا اللفظ فيها دون أن يرد في غيرها وأصحاب الحجر هم قوم صالح –عليه السلام- ، إذ كانوا ينزلون الحجر –بكسر الحاء وسكون الجيم- وهو المكان المحجور ، أي الممنوع أن يسكنه أحد غيرهم لاختصاصهم به .
ويجوز أن يكون لفظ الحجر ، مأخوذ من الحجارة ، لأن قوم صالح –عليه السلام- كانوا ينحتون بيوتهم من أحجار الجبال وصخورها ، ويبنون بناء محكما جميلاً .
قال –تعالى- حكاية عما قاله نبيهم صالح لهم – [ وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين ]( {[2]} ) ومساكنهم مازالت آثارها باقية ، وتعرف الآن بمدائن صالح ، وهي في طريق القادم من المدينة المنورة إلى بلاد الشام أو العكس ، وتقع ما بين خيبر وتبوك . . .
وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم على ديارهم وهو ذاهب إلى غزوة تبوك في السنة التاسعة من الهجرة . . .
قال الشوكاني : وهي مكية بالاتفاق . وأخرج النحاس في ناسخه ، وابن مردويه عن ابن عباس قال : نزلت سورة الحجر بمكة . وأخرج ابن مردويه عن ابن الزبير مثله " ( {[3]} ) .
وقد ذكر الإمام ابن كثير عند تفسيره لهذه السورة أنها مكية ، دون أن يذكر في ذلك خلافاً .
وقال الآلوسي : أخرج ابن مردويه عن ابن عباس وابن الزبير –رضي الله عنهم- أنها نزلت بمكة . وروى ذلك عن قتادة ومجاهد .
وفي مجمع البيان عن الحسن أنها مكية إلا قوله –تعالى- [ ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم ] وقوله –تعالى- [ كما أنزلنا على المقتسمين . الذين جعلوا القرآن عضين ]( {[4]} ) .
والحق أن السورة كلها مكية ، وسنبين –عند تفسيرنا للآيات التي قيل بأنها مدنية –أن هذا القول ليس له دليل يعتمد عليه .
4- ( أ ) وعندما نقرأ هذه السورة الكريمة بتدبر وتأمل ، نراها في مطلعها تشير إلى سمو مكانة القرآن الكريم ، وإلى سوء عاقبة الكافرين الذين عموا وصموا عن دعوة الحق . .
قال –تعالى- [ الر ، تلك آيات الكتاب وقرآن مبين . ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين . ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون . وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم . ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ] .
( ب ) ثم تخبرنا بعد ذلك بأن الله –تعالى- قد تكفل بحفظ كتابه ، وصيانته من أي تحريف أو تبديل ، وبأن المكذبين للرسول صلى الله عليه وسلم إنما يكذبونه عن عناد وجحود ، لا عن نقص في الأدلة الدالة على صدقه صلى الله عليه وسلم .
قال –تعالى- [ إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون . ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين . وما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون . كذلك نسلكه في قلوب المجرمين . لا يؤمنون به وقد خلت سنة الأولين . ولو فتحنا عليهم باباً من السماء فظلوا فيه يعرجون . لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون ] .
( ج ) ثم نسوق السورة الكريمة بعد ذلك ألواناً من الأدلة على وحدانية الله وقدرته ، وعلى سابغ نعمه على عباده . . .
قال –تعالى- [ ولقد جعلنا في السماء بروجاً وزيناها للناظرين . وحفظناها من كل شيطان رجيم . إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين . والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ] .
( د ) ثم حكت السورة قصة خلق آدم –عليه السلام- ، وتكليف الملائكة بالسجود له ، وامتثالهم جميعاً لأمر الله –سبحانه- ، وامتناع إبليس وحده عن الطاعة ، وصدور حكمه –سبحانه- بطرده من الجنة . . .
قال –تعالى- [ ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون . والجان خلقناه من قبل من نار السموم . وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون . فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ، فسجد الملائكة كلهم أجمعون . إلا إبليس أبى أن يكون مع الساجدين ] . .
( ه ) ثم قصت علينا السورة الكريمة بأسلوب فيه الترغيب والترهيب ، وفيه العظة والعبرة ، جانباً من قصة إبراهيم ، ثم من قصة لوط ، ثم من قصة شعيب ، ثم من قصة صالح –عليهم الصلاة والسلام- . . .
قال –تعالى- : [ ونبئهم عن ضيف إبراهيم . إذ دخلوا عليه فقالوا سلاماً قال إنا منكم وجلون . قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم . قال أبشرتموني على أن مسني الكبر فبم تبشرون . قالوا بشرناك بالحق فلا تكن من القانطين . قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون . قال فما خطبكم أيها المرسلون . قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين . إلا آل لوط إنا لمنجوهم أجمعين . إلا امرأته قدرنا إنها لمن الغابرين ] .
( و ) ثم ختمت سورة الحجر بتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عما أصابه من قومه ، وأمرته بالصفح والعفو حتى يأتي الله بأمره ، وبشرته بأنه –سبحانه- سيكفيه شر أعدائه ، وبأنه سينصره عليهم . . .
قال –تعالى- : [ وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق ، وإن الساعة لآتية فاصفح الصفح الجميل . إن ربك هو الخلاق العليم . ولقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآن العظيم . لا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجاً منهم ولا تحزن عليهم ، واخفض جناحك للمؤمنين ] .
ومن هذا العرض الإجمالي للسورة الكريمة ، نراها قد اهتمت اهتماماً واضحاً بتثبيت المؤمنين وتهديد الكافرين ، تارة عن طريق الترغيب والترهيب ، وتارة عن طريق قصص السابقين ، وتارة عن طريق التأمل في هذا الكون وما اشتمل عليه من مخلوقات تدل على وحدانية الله وعظيم قدرته وسابغ رحمته . . .
سورة الحجر من السور التي افتتحت ببعض حروف التهجى { الر } .
وقد بينا - بشئ من التفصيل - عند تفسيرنا لسورة : البقرة ، وآل عمران ، والأعراف . . . آراء العلماء في هذه الحروف التي افتتحت بها بعض سور القرآن الكريم .
وقلنا ما خلاصته : من العلماء من يرى أن المعنى المقصود منها غير معروف لأنها من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه . . .
ومنهم من يرى أن المعنى المقصود منها معلوم ، وأنها ليست من المتشابه ، بل هي أسماء للسور التي افتتحت بها . . . أو هي حروف مقطعة بعضها من أسماء الله ، وبعضها من صفاته . . .
ثم قلنا : ولعل أقرب الآراء إلى الصواب أن يقال : إن هذه الحروف المقطعة ، قد وردت في افتتاح بعض السور ؛ للإِشعار بأن هذا القرآن الذي تحدى الله به المشركين ، هو من جنس الكلام المركب من هذه الحروف التي يعرفونها ، ويقدرون على تأليف الكلام منها ، فإذا عجزوا عن الإِتيان بسورة من مثله ، فذلك لبلوغه في الفصاحة والحكمة مرتبة يقف فصحاؤهم وبلغاؤهم دونها بمراحل .
وفضلاً عن ذلك فإن تصدير بعض السور بمثل هذه الحروف المقطعة ، يجذب أنظار المعرضين عن استماع القرآن حين يتلى عليهم إلى الإِنصات والتدبر ، لأنه يطرق أسماعهم في أول التلاوة ألفاظ غير مألوفة في مجارى كلامهم وذلك مما يلفت أنظارهم ليتبينوا ما يراد منها ، فيسمعوا حكماً وهدايات قد تكون سبباً في استجابتهم للحق ، كما استجاب صالحو الجن الذين حكى الله - تعالى - عنهم أنهم عندما استمعوا إلى القرآن قالوا : { إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآناً عَجَباً يهدي إِلَى الرشد فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشرِكَ بِرَبِّنَآ أَحَداً . . . . } واسم الإِشارة { تلك } يعود إلى الآيات التي تضمنتها هذه السورة ، أو إلى جميع الآيات القرآنية التي نزلت قبل ذلك .
والمراد بالكتاب : القرآن الكريم ، ولا يقدح في هذا ، ذكر لفظ القرآن بعده ، لأنه - سبحانه - جمع له بين الاسمين تفخيماً لشأنه ، وتعظيماً لقدره .
و { مبين } اسم فاعل من أبان الذي هو بمعنى بان ، مبالغة في الوضوح والظهور .
قال صاحب الصحاح : يقال : " بان الشئ يبين بيانا ، أى اتضح ، فهو بين وكذا أبان الشئ فهو مبين . . . " .
والمعنى : تلك - أيها الناس - آيات بينات من الكتاب الكامل في جنسه ، ومن القرآن العظيم الشأن ، الواضح في حكمه وأحكامه ، المبين في هدايته وإعجازه فأقبلوا عليها بالحفظ لها ، وبالعمل بتوجيهاتها ، لتنالوا السعادة في دنياكم وآخرتكم .
قال الآلوسى : " وفى جمع وصفى الكتابية والقرآنية من تفخيم شأن القرآن ما فيه ، حيث أشير بالأول إلى اشتماله على صفات كمال جنس الكتب الإِلهية فكأنه كلها ، وبالثانى إلى كونه ممتازاً عن غيره ، نسيجا وحده ، بديعاً في بابه ، خارجاً عن دائرة البيان ، قرآناً غير ذى عوج