سورة النور مدنية ، وآياتها 64 آية ، ونزلت بعد سورة الحشر ، وسميت بهذا الاسم لكثرة ذكر النور فيها : اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ . . . ( النور : 35 ) .
نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء . . . ( النور : 35 ) .
وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ . . . ( النور : 40 ) .
هذه سورة الآداب والأخلاق والتربية الإسلامية الهادفة .
وقد ذكر النور في هذه السورة بلفظه ، كما ذكر بمظاهره وآثاره في القلوب والأرواح ، ممثلة هذه الآثار في بيان الفرائض والأحكام التي يقوم عليها بناء السورة ، وهي أحكام وآداب نفسية ، وعائلية وجماعية ، تؤدي إلى طهارة الفرد وسلامة المجتمع .
والمحور الذي تدور عليه السورة كلها هو محور التربية ، التربية التي تشتد في وسائلها إلى درجة الحدود ، وترق إلى درجة اللمسات الوجدانية الرقيقة التي تصل القلب بنور الله .
وتتداخل الآداب النفسية الفردية ، وآداب البيت والأسرة ، وآداب الجماعة والقيادة ، بوصفها : نابعة كلها من معين واحد ، هو العقيدة والاهتداء بنور الله .
نزلت سورة النور في مرحلة متأخرة من حياة المسلمين في المدينة ، بعد أن استقر الإيمان في القلوب ، واستعدت نفوس المسلمين لتقبل أحكام هذه السورة .
وأحكام الحجاب في الإسلام ، نزلت في سورتين فحسب من سور القرآن ، هما : سورة الأحزاب ، وسورة النور .
وقد اختلف العلماء في ترتيب نزولهما ، كما اختلفوا في ترتيب حدوث غزوتين شهيرتين ، ارتبطت كل غزوة منهما بإحدى السورتين .
فغزوة الأحزاب ارتبطت بسورة الأحزاب ، وغزوة بني المصطلق ارتبطت بسورة النور ، وفي إثر غزوة بني المصطلق تخلفت عائشة – رضي الله عنها – عن الجيش ، وتكلم المنافقون بحديث الإفك ، ونزلت ثلاث عشرة آية في سورة النور بشأن ذلك الموضوع .
هل كانت غزة بني المصطلق في السنة الخامسة قبل غزوة الأحزاب ، أم بعدها في السنة السادسة من الهجرة ؟ .
فإن كانت غزوة الأحزاب قبل غزوة بني المصطلق ، فمعناه أن أحكام الحجاب في الإسلام ، كان بدؤها بالتعليمات التي وردت في سورة الأحزاب ، وكمالها بالأحكام التي وردت في سورة النور . وأما إذا كانت غزوة بني المصطلق قبل غزوة الأحزاب ، انعكس الترتيب في نزول أحكام الحجاب ، وصار بدؤها بسورة النور ، وكمالها بسورة الأحزاب .
إن غزوة بني المصطلق وقعت في شعبان من سنة خمس ، ووقعت بعدها غزوة الأحزاب أو غزوة الخندق ، في ذي القعدة من السنة نفسها .
إن غزوة الأحزاب وقعت في شوال من سنة خمس ، وغزوة بني المصطلق في شعبان من سنة ست .
وقد جزم ابن حزم وابن القيم وغيرهما من العلماء المحققين بصحة رواية ابن إسحاق ، ورجحناها على رواية ابن سعد .
وتفيد روايات صحيح البخاري وغيره أن أحكام الحجاب كانت قد نزلت قبل قصة الإفك ، أي : في سورة الأحزاب ، ومما تفيده هذه الروايات كذلك ، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان قد نزوج زينب بنت جحش – رضي الله عنها – قبل ذلك ، في ذي القعدة من سنة خمس ، وجاء ذكره في سورة الأحزاب ، بل مما تفيده هذه الروايات كذلك أن حمنة أخت زينب بنت جحش ، إنما شاركت في رمي عائشة لأنها ضرة أختها ، والظاهر أنه لا بد من أن تمضي مدة من الزمن – ولو يسيرة – على صلة الضرارة بين امرأتين ، حتى تنشأ في القلوب مثل هذه النزعات ، فهذه الأمور كلها مما يؤكد رواية ابن إسحاق ويقويها ، وتجعلنا نختار أن سورة النور نزلت بعد سورة الأحزاب بأشهر ، في النصف الأخير من سنة ست للهجرة1 .
نزلت سورة النور في مرحلة قويت فيها سواعد المسلمين ، وارتفعت راياتهم ، وتأكدت أخوتهم ، وترابطت صفوفهم ، وأصبحوا يدا واحدة كالبنيان المرصوص يشد بعضهم بعضا .
وكان عدد المسلمين قليلا لا يزيد عل عشر العرب كلها ، وكان سلاحهم قليلا ، ويتمتع أعدائهم بتفوق في المال والسلاح ، والمكانة والتجارة .
وكان المسلمون يتميزون بسمو العقيدة ، وطهارة القلب ، ودقة النظام ، واحترام تعاليم السماء ، مما جعلهم ينتصرون على أعدائهم .
وإذا هزم المشركون والمنافقون في معركة السلاح والحرب ، فإنهم قد ولجوا من باب آخر هو الدس والوقيعة والفتنة ، فتحدث المنافقون عن السيدة عائشة واتهموها في طهارتها وعفتها ، وكان قصدهم إحراج النبي ، وإحداث الفتنة والبلبلة بين المسلمين ، ولكن الله أنزل أحكامه العادلة في هذه السورة ، لحفظ المجتمع وحفظ المسلمين ، وإحكام بناء الدولة الإسلامية ، والجماعة الإسلامية ، وتربية الفرد والمجتمع ، بما يحقق السمو النفسي والروحي ، ويغلق منافذ الشر ، ويقود الأمة إلى التماسك والتعاون على البر والتقوى ، والبعد عن الإثم والعدوان .
تعتبر سورة الأحزاب مقدمة وممهدة لسورة النور ، ولذلك سنذكر بعض ما اشتملت عليه سورة الأحزاب من أحكام تتصل بحماية المرأة وسد ذرائع الفتنة :
1 . أمرت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يلزمن بيوتهن ولا يخرجن منها بغير حاجة ، ولا يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، وإذا احتجن إلى الكلام مع غير المحارم من الرجال ؛ فلا يخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض .
2 . منع الرجال أن يدخلوا بيت النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا أن يؤذن لهم ، وإذا أرادوا أن يسألوا أزواجه شيئا ؛ فليسألوهن من وراء حجاب .
3 . أقيم الفرق بين المحارم وغير المحارم من الرجال .
4 . قيل للمؤمنين إن أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمهاتهم ، وإن حرمتهن عليهم أبدية ، فعلى المؤمنين جميعا أن يكونوا طاهري القلوب والنيات نحوهن .
5 . أمرت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم وبناته ونساء جميع المسلمين أن يدنين عليهن من جلابيبهن ، والمراد : تغطية الوجه من فوق الرأس إذا خرجن من بيوتهن في حاجة .
1 . اعتبار الزنا جريمة جنائية ، وجعل حد الزاني مائة جلدة .
2 . نهي المؤمنين عن أن يرتبطوا بالفاسقين والفاسقات بصلة الزواج .
3 . جعل حد من يرمي المحصن أو المحصنة بالزنا ، ثم لا يأتي عليه بأربعة شهداء ثمانين جلدة .
4 . جعل اللعان لمن يرمي زوجته بالزنا .
5 . تحريم ظن السوء بالآخرين ، والتحريض على كبت الشائعة الباطلة والافتراءات الكاذبة .
6 . وجوب الاستئناس والاستئذان قبل دخول بيوت الآخرين .
7 . أمر الرجال بالغض من أبصارهم ، وأمرت النساء بالغض من أبصارهن .
8 . أمرت النساء بأن يضربن بخمرهن على نحورهن وصدورهن ورءوسهن .
9 . أمرت النساء ألا يواجهن أحدا من غير المحارم وخدام البيت بزينتهن .
10 . إذا خرجت النساء من بيوتهن لحاجة فليسترن زينتهن ، بل لا يلبسن ما له صوت من حليهن .
11 . فيها حث الرجال والنساء على الزواج ، وحث العبيد والإماء عليه ، وتأكيد أن الرزق من عند الله ، ليقبل الجميع على الزواج ، وإشباع النفس من الطريق الشرعي السليم ، وبقاء الرجال والنساء بدون نكاح مولد للفحشاء ، وأقل ما يكون من هؤلاء الأفراد الذين لا أزواج لهم أنهم لا يتمالكون أنفسهم ، من تحسس الأخبار الفاحشة والتلذذ بنقلها في المجتمع .
12 . جعلت المكاتبة لتحرير العبيد والإماء ، وأمر السادة بأن يجيبوهم إلى طلبهم إذا أرادوا منهم المكاتبة ، وأمر عامة المسلمين بأن يساعدوا المكاتبين مساعدة مالية .
13 . نهى عن إكراه الفتيات – وهن الإماء – على البغاء ، ولما كانت مهنة البغاء في العرب مقصورة على الإماء ؛ فما كان هذا النهي عنها إلا سدا قانونيا للبغاء ، وبيع الأعراض .
14 . وجوب استئذان الخدم والأطفال دون البلوغ في ثلاثة أوقات : قبل صلاة الفجر ، عند الظهيرة ، بعد صلاة العشاء . فيجب أن يعود الإنسان أطفاله على هذه القاعدة ، ويربيهم عليها ، فإذا بلغ الأطفال سن البلوغ وجب أن يستأذنوا في جميع الأوقات .
15 . سمح للعجائز اللاتي لا أرب لهن في الرجال ، أن يتخففن من ثيابهن ، وأن يخلعن الخمر عن رءوسهن ووجوههن .
16 . جعل من حق الأقرباء الأدنين ، والأصدقاء الذين لا كلفة بينهم ، أن يأكل بعضهم من بيت بعض من دون إذنه ، وبهذا طوى ما بين أفراد المجتمع من التباعد والتحاسد ، وأزيلت الوحشة ليحل محلها الحب والإخلاص .
17 . أماطت السورة اللثام عن علامات المؤمنين والمنافقين ، واتجهت بكل قوتها إلى تربية المسلمين وتنظيم حياتهم ، وتهذيب سلوكهم ، وغرس مفاهيم الإيمان في قلوبهم ، وسد الطريق أمام فتن المنافقين وألاعيبهم .
18 . سلكت السورة سبيل الحكمة في تشريع الأحكام ، وخلت من المرارة التي قد تنشأ في الأذهان والقلوب ، عند رد الحملات الشنيعة ، واتسمت بالرزانة والتدبير المعتدل ، في معالجة أقسى الظروف المثيرة للعواطف ، إنها تشريع الحكيم العليم ، الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، وهو يشاهد أحوال الناس ومعاملاتهم دقيقها وجليلها من مقام رفيع ، ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون . ( المائدة : 50 ) .
يجري سياق سورة النور في خمس فقرات :
وفيها بيان حد الزنا ، وحد القذف ، وأحكام اللعان ، ثم حديث الإفك وقصته ، وتستغرق هذه الفقرة من أول السورة إلى الآية 26 .
وفيها وسائل الوقاية من الجريمة ، وتجنيب النفوس أسباب الإغراء والغواية ، وفيها آداب البيوت ، والاستئذان على أهلها ، والأمر بغض البصر ، والنهي عن إبداء الزينة لغير المحارم ، والحض على إنكاح الأيامى ، والتحذير من دفع الفتيات إلى البغاء ، وتستغرق هذه الفقرة الآيات من 27- 34 .
اشتملت على مجموعة من الآداب النفسية والقلبية ، فتحدثت عن تعمير بيوت الله ، وتسبيح الخلائق لله ، وإزجاء السحاب ، وتقليب الليل والنهار ، وخلق كل دابة من ماء ، ثم اختلاف أشكالها ووظائفها وأنواعها وأجناسها مما هو معروف في صفحة الكون للبصائر والأبصار ، وتستغرق هذه الفقرة الآيات من 35 – 46 .
تتحدث عن مجافاة المنافقين للأدب الواجب مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم في الطاعة والتحاكم ، وتصور أدب المؤمنين الخالص وطاعتهم لله والرسول ، وتعدهم على هذا بالاستخلاف في الأرض ، والتمكين في الدين ، والنصر على الكافرين ، وتستغرق هذه الفقرة الآيات من 47 – 57 .
تستأنف هذه الفقرة الحديث عن آداب الاستئذان والضيافة ، في محيط البيوت بين الأقارب والأصدقاء ، وتتحدث عن آداب الجماعة المسلمة كلها ، كأسرة واحدة مع رئيسها ومربيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، وتتم السورة بإعلان ملكية الله في السماوات والأرض ، وعلمه بواقع الناس ، وما تنطوي عليه حناياهم ، ورجعتهم إليه ، وحسابهم على ما يعلمه من أمرهم ، وهو بكل شيء عليم ، وتستغرق هذه الفقرة الآيات من 58 – 64 .
وبصفة عامة فهي ، سورة النور ، نور يضيء القلب بتقوى الله ، ونور يرشد الفرد والمجتمع إلى أسباب العفة والتصون ، فهي سياج للفرد والمجتمع من الانحلال والتردي في الخطيئة ، وفيها أحكام فقهية ، وأحكام كونية ، ولمسات وجدانية ، وحث على التوبة والاستقامة والطهارة ، وبيان اطلاع الله على كل خافية ، وفي ختام السورة نجد هذه الآية الكريمة :
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ . ( النور : 64 ) .
{ سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ ( 1 ) الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 2 ) الزَّانِي لَا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ( 3 ) } .
1-سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ .
يقول تعالى : هذه سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا ، وفيه تنبيه على الاعتناء بها ولا ينفى ما عداها ، وَفَرَضْنَاهَا . أي : فرضنا أحكامها التي فيها .
قال مجاهد : أي بينا الحلال والحرام ، والأمر والنهي والحدود .
وقال البخاري : فرضناها عليكم وعلى من بعدكم . ونلمح من فرضية أحكام هذه السورة إشارة إلى أن ما تحتوي عليه من الآداب والأحكام في الحلال والحرام ، والأمر والنهي والحدود ؛ ليست بمثابة التوصيات بل إنها أحكام قاطعة لا بد أن تتبعوها ، وتكيفوا شئون حياتكم الفردية والاجتماعية على حسبها ، إن كنتم مؤمنين بالله واليوم الآخر .
وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ .
أي : مفسرات واضحات ليس فيها شيء من الالتباس والإبهام ، بل هي أحكام واضحة بينة لا يمكنكم أن تعتذروا عن العمل بها بأنكم لا تفهمونها .
لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ . لكي تتعظوا . فهذه الآية كأنها مقدمة لمرسوم ملكي ، وفيها التنبيه على مدى اهتمام الرب – سبحانه وتعالى – بما جاء في سورة النور من الأحكام والآداب ، ولا تساويها في هذا الشأن مقدمة أي سورة أخرى .
1- سورة النور من السور المدنية ، وعدد آياتها أربع وستون آية ، وكان نزولها بعد سورة النصر .
وقد اشتملت هذه السورة الكريمة ، على أحكام العفاف والستر . وهما قوام المجتمع الصالح . وبدونها تنحط المجتمعات . ويصير أمرها فرطا . ويصبح الفرد إلى الحيوان الأعجم ، أقرب منه إلى الإنسان العاقل .
قال الآلوسي : [ رُوي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " علموا رجالكم سورة المائدة ، وعلموا نساءكم سورة النور " .
وعن حارثة بن مضرب قال : كتب إلينا عمر بن الخطاب ، أن تعلموا سورة النساء والأحزاب والنور " ( {[1]} ) .
2- ونبدأ هذه السورة الكريمة ببدء فريد ، تقرر فيه وجوب الانقياد لما فيها من أحكام وآداب فتقول : [ سورة أنزلناها وفرضناها ، وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون ] .
ثم تقبح فاحشة الزنا تقبيحا يحمل النفوس على النفور منها ، وعلى نبذ مرتكبيها ، وعلى تنفيذ حدود الله –تعالى- فيهم بدون شفقة أو رأفة .
قال –تعالى- : [ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ] .
3- ثم تبين السورة الكريمة بعد ذلك ، حكم الذين يرمون النساء العفيفات بالفاحشة ، وحكم الذين يرمون أزواجهم بذلك ، ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم .
قال –تعالى- : [ والذين يرمون المحصنات ، ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ، ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا ، وأولئك هم الفاسقون* إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم* والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين ] .
4- ثم ذكر –سبحانه- في ست عشرة آية قصة الإفك ، على الصديقة بنت الصديق ، ومن بين ما اشتملت عليه هذه القصة : تنبيه المؤمنين إلى العذاب العظيم الذي أعده الله –تعالى- لمن أشاع هذا الإفك ، وحض المؤمنين على التثبت من صحة الأخبار ، وعلى وجوب حسن الظن بالمؤمنين ، وعلى تحذيرهم من اتباع خطوات الشيطان .
ثم ختمت القصة ببراءة السيدة عائشة من كل ما اتهمت به ، قال –تعالى- : [ أولئك مبرءون مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم ] .
5- وبعد أن أفاضت السورة الكريمة في بيان قبح فاحشة الزنا ، وفي عقوبة من يقذف المحصنات الغافلات . . أتبعت ذلك بحديث مستفيض ، عن آداب الاستئذان ، وعن وجوب غض البصر بالنسبة للرجال والنساء على السواء ، وعن تعليم الناس الآداب القويمة ، والأخلاق المستقيمة ، حتى يحيا المجتمع المسلم حياة يسودها الطهر والعفاف والنقاء .
قال –تعالى- [ يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم ، حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ، ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون ] .
وقال –سبحانه- : [ قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ، ذلك أزكى لهم ، إن الله خبير بما يصنعون ، وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن . . . ] .
6- ثم حببت السورة الكريمة إلى المؤمنين والمؤمنات الزواج من أهل الدين والصلاح ، دون أن يمنعهم من ذلك الفقر أو قلة ذات اليد ، فإنهم [ إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله ، والله واسع عليم ] وعلى الذين لم يتيسر لهم وسائل الزواج ، أن يعتصموا بالعفاف ، حتى يغنيهم الله –تعالى- من فضله .
قال –تعالى- : [ وأنكحوا الأيامى منكم ] –أي زوجوا من لا زوج له من الأحرار والحرائر [ والصالحين من عبادكم وإمائكم ، إن يكونوا فقراء ، يغنهم الله من فضله ، والله واسع عليم ، وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ] .
7- وبعد أن ساقت السورة الكريمة تلك التوجيهات السامية ، التي من شأنها أن تسلح الأفراد والجماعات ، بسلاح الطهر والعفاف والتستر والآداب الحميدة . . أتبعت ذلك ببيان أن الله –تعالى- هو نور العالم كله علويه وسفليه ، وهو منوره بآياته التكوينية والتنزيلية الدالة على وحدانيته وقدرته ، وأن أشرف البيوت في الأرض ، هي بيوته التي يذكر فيها اسمه والتي يسبح له فيها بالغدو والآصال [ رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة . يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار . ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله ، والله يرزق من يشاء بغير حساب ] .
تلك هي عاقبة المؤمنين الصادقين . الذين " لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله " أما الكافرون فأعمالهم " كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء ، حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ، ووجد الله عنده فوفاه حسابه ، والله سريع الحساب ] .
8- ثم انتقلت السورة بعد ذلك إلى الحديث عن مظاهر قدرة الله –تعالى- في هذا الكون ، وأن المتأمل في هذا الوجود ، يرى مظاهر قدرته –سبحانه- ظاهرة في هذا السحاب الذي يتحول إلى مطر لا غنى للناس عنه ، وفي تقلب الليل والنهار . وفي خلق الدواب على أشكال مختلفة .
قال –تعالى- : [ يقلب الله الليل والنهار ، إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار* والله خلق كل دابة من ماء فمنهم من يمشي على بطنه . ومنهم من يمشي على رجليه ، ومنهم من يمشي على أربع ، يخلق الله ما يشاء إن الله على كل شيء قدير ] .
9- ثم كشفت السورة الكريمة للمؤمنين عن جانب من رذائل المنافقين ، لكي يحذروهم . فقال –تعالى- : [ ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا ، ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك وما أولئك بالمؤمنين* وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم ، إذا فريق منهم معرضون* وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين* أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا ، أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله ، بل أولئك هم الظالمون ] .
10- وبعد هذا التوبيخ للمنافقين على سلوكهم الذميم ، وعلى نكوصهم عن حكم الله –تعالى- ورسوله صلى الله عليه وسلم جاء وعد الله –تعالى- للمؤمنين ، بالاستخلاف في الأرض ، وبالتمكين في الدين ، وبتبديل خوفهم أمنا ، فقال –تعالى- : [ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ، ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم . وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعيدونني لا يشركون بي شيئا ، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون ] .
11- ثم عادت السورة مرة أخرى إلى الحديث عن آداب الاستئذان ، فأمرت المؤمنين أن يعودوا مماليكهم وصبيانهم الذين لم يبلغوا الحلم ، على الاستئذان في الدخول عليهم ثلاث مرات من قبل صلاة الفجر ، وعند وقت الظهيرة ، ومن بعد صلاة العشاء ، فإن هذه الأوقات قد تكون المرأة أو الرجل فيها ، بحالة لا يصح الاطلاع عليها . .
قال –تعالى- [ يأيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم ، والذين لم يبلغوا الحلم منكم ثلاث مرات ، من قبل صلاة الفجر ، وحين تضعون ثيابكم من الظهيرة . ومن بعد صلاة العشاء ، ثلاث عورات لكم ليس عليكم ولا عليهم جناح بعدهن ، طوافون عليكم بعضكم على بعض ، كذلك يبين الله لكم الآيات والله عليم حكيم ] .
12- ثم ختم –سبحانه- السورة الكريمة ببيان صفات المؤمنين الصادقين ، ويحضهم على تكريم رسولهم صلى الله عليه وسلم وتعظيمه وتوقيره . وببيان أن هذا الكون كله ملك لله –تعالى- وتحت قبضته وعلمه ، فقال –سبحانه- : [ ألا إن لله ما في السموات والأرض ، قد يعلم ما أنتم عليه ، ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا ، والله بكل شيء عليم ] .
13- وبعد : فهذا عرض إجمالي للمقاصد التي اشتملت عليها سورة النور ، ومنها نرى أن السورة الكريمة زاخرة بالأحكام الشرعية ، وبالآداب الإسلامية وبالتربية الدينية وبالوسائل الوقائية التي من شأنها أن تغرس الأخلاق الكريمة في نفوس الأفراد والجماعات . وأن تجعلهم يرغبون في اعتناق الفضيلة . وينفرون من مقاربة الرذيلة . ويسعدون في دينهم ودنياهم .
وصلى الله على سيدنا محمد ، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين .
افتتحت سورة النور بافتتاح لم تشترك معها فيه سورة أخرى من سور القرآن الكريم .
وقوله - سبحانه - : { سُورَةٌ } خبر لمبتدأ محذوف ، أى : هذه سورة .
والسورة القرآنية : هى مجموعة من الآيات المسرودة ، لها مبدأ ولها نهاية ، وجمعها : سُوَر .
وكلمة سورة مأخوذة من سور المدينة ، وكأن السورة القرآنية سميت بهذا الاسم لإحاطتها بآياتها إحاطة السور بما يكون بداخله .
أو أنها فى الأصل تطلق على المنزلة السامية ، والسورة القرآنية سميت بذلك لرفعتها وعلو شأنها .
قال القرطبى : والسورة فى اللغة : اسم للمنزلة الشريفة ، ولذلك سميت السورة من القرآن سورة . قال النابغة :
ألم تر أن الله أعطاك سُورَة . . . ترى كلّ مَلْكٍ دونَها يتذبذب
وقوله - تعالى - : { وَفَرَضْنَاهَا } من الفرض بمعنى القطع . وأصله قطع الشىء الصُّلْب والتأثير فيه .
والمراد به هنا : تنفيذ أحكام الله - تعالى - على أتم وجه وأكمله .
والمعنى هذه سورة قرآنية . أنزلناها عليك - أيها الرسول الكريم - ، وأوجبنا ما فيها من أحكام ، وآداب وتشريعات ، إيجابا قطيعا ، وأنزلنا فيها آيات بينات واضحات الدلالة على وحدانيتنا ، وقدرتنا ، وعلى صحة الأحكام التى وردت فيها ، لتتذكرها وتعتبروا بها وتعتقدوا صحتها وتنفذوا ما اشتملت عليه من أمر أو نهى .
وجمع - سبحانه - بين الإنزال والفرضية فقال : { أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا } لبيان أن الغرض منها ليس مجرد الإنزال وإنما الإنزال المصحوب بوجوب تنفيذ الأحكام والآداب التى اشتملت عليها ، والتى أنزلت من أجلها .
ومعلوم أن إنزال السورة كلها . يستلزم إنزال هذه الآيات منها فيكون التكرار فى قوله - تعالى - { وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ } لكمال العناية بشأنها ، كما هى الحال فى ذكر بالخاص بعد العام .
و " لعل " فى قوله - تعالى - { لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } للتعليل . أى : لعلكم تتذكرون ما فيها من آيات دالة على وحدانيتنا وقدرتنا ، وعلى سمو تشريعاتنا ، فيؤدى بكم هذا التذكر إلى عبادتنا وطاعتنا .