شهادة بينكم : الشهادة ؛ قول صادر عن علم حصل ، بطريق البصر أو السمع ، أو بهما جميعا .
إن أنتم ضربتم في الأرض : أي : سافرتم فيها .
تحبسونهما : أي : تمسكونهما ، وتمنعونهما من الانطلاق والهرب .
إن ارتبتم : أي : شككتم في صدقهما فيما يقران به .
106- يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية إثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم . . . الآية .
لما بين الله تعالى – في الآية السابقة – أن المرجع إليه وحده بعد الموت ، وأنه هو الذي يتولى الحساب ، وجزاء المحسن والمسيء ، أرشدنا سبحانه – في هذه الآية – إلى أنه يلزم – في الوصية قبل الموت – الإشهاد عليها ، حفاظا على أداء الحقوق الموصى بها لمستحقيها .
عن ابن عباس رضي الله عنه قال : ( خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي ابن بداء ، فمات السهمي بأرض ليس بها مسلم . فلما قدما بتركته ، فقدوا جاما من فضة مخوصا بالذهب فأحلفهما رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، بالله تعالى : ما كتمتما ولا اطلعتما . ثم وجد الجام بمكة . فقيل اشتريناه من تميم وعدي . فقام رجلان من أولياء السهمى ، فحلفا بالله ، لشهادتنا أحق من شهادتهما . وإن الجام لصاحبهم .
وفيهم نزلت : يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم ( 36 ) .
يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوات عدل . . . الآية .
أعلم الله سبحانه المؤمنين : أن الشهادة المشروعة بينهم – حين الوصية – هي شهادة اثنين من أصحاب العدالة والتقوى : يشهدهما على وصيته ، فيتحملان هذه الشهادة ، لأدائها عند الحاجة .
( منكم ) : أي من المؤمنين ، وقيل : من أقارب الموصي .
أي : من غير المسلمين فكأنه قال : أو شهادة اثنين آخرين من غير المسلمين .
إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت .
أي : إن أنتم سافرتم في الأرض ، ونزلت بكم مصيبة الموت ، وأردتم الإيصاء . فأشهدوا عدلين من أقارب الموصى أو من المؤمنين أو آخرين من أهل الذمة . أي : فأشهدوا عدلين منكم معشر المؤمنين .
وقيل عدلين من أقارب الموصى . وذلك إذا تيسر وجودهما . فإن لم يتيسر وجودهما . فإن لم يتيسر وجودهما – بسبب السفر مثلا – فيجوز اختيار اثنين من أهل الذمة . وقيل من غير أقارب الموصى له .
تمنعونهما من الانصراف للتحليف بعد الصلاة . والمراد بالصلاة التي يحبسان بعدها ، صلاة العصر ؛ لأنه وقت اجتماع الناس ؛ ولأن الحكام كانوا يجلسون للقضاء في هذا الوقت بين الخصوم .
وقيل : بعد أي صلاة كانت ؛ لأن الصلاة داعية إلى النطق بالصدق ، وناهية عن الكذب لقوله تعالى : ( . . . إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر . . . ) . ( العنكبوت : 45 ) .
والمأثور عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه حلف عديا وتميما الدارى بعد العصر .
وقد جرى العمل على هذا بين المسلمين .
فيقسمان عند ارتياب الورثة وشكهم ، فإذا لم تكن ريبة . فيصدق الشاهدان ، لأمانتهما وعدم الارتياب فيهما .
لا نشري به ثمنا ولو كان ذا قربى .
أي : لا نستبدل بالقسم بالله عرضا زائلا من الدنيا . فلا نحلف بالله كاذبين ، ولو كان القسم يحقق مصلحة لبعض الأقارب ، طمعا في عرض الدنيا .
ولا نكتم شهادة الله . أي ويقول الحالفان – في يمينهما – ولا نكتم الشهادة التي أمر الله تعالى بإقامتها . كما قال تعالى : وأقيموا الشهادة لله . . . الآية . ( الطلاق : 2 ) وكقوله سبحانه :
ومن يكتمها فإنه آثم قلبه . . . الآية . ( البقرة : 283 ) .
أي : أننا إذا اشترينا بالقسم ثمنا . أو راعينا فيه قرابة . بأن كذبنا في الشهادة – ابتغاء المنفعة لأنفسنا أو لقرابتنا أو كتمنا الشهادة كلها أو بعضها – كنا من الواقعين في الإثم ، المستحقين للعقوبة من الله عليه .
ثم ختمت السورة حديثها الطويل المتنوع عن الأحكام الشرعية ببيان بعض أحكام المعاملات في المجتمع الإِسلامي فتحدثت عن التشريع الخاص بالإِشهاد على الوصية في حالة السفر ، وعن الضمانات التي شرعتها لكي يصل إلى أهله كاملا غير منقوص فقال - تعالى - :
{ يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ . . . }
ذكر المفسرون في سبب نزول هذه الآيات روايات مختلفة في تفاصيلها إلا أنها متقاربة في مغزاها .
ومن ذلك ما ذكره ابن كثير بقوله : روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس عن تميم الداري في هذه الآية { يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } قال : برئ الناس منها غيري وغير عدي بن بداء ، وكانا نصرانيين يختلفان إلى الشام قبل الإِسلام ، فأتيا الشام لتجارتهما ، وقدم عليهما مولى لبني سهم يقال له " بديل بن أبي مريم " بتجارة ، معه جام من فضة أي إناء من فضة - يريد به الملك ، وهو أعظم تجارته ؛ فمرض فأوصى إليهما ، وأمرهما أن يبلغا ما ترك إلى أهله - أي : يوصلا ما تركه من متاع لورثته .
قال تميم : فلما مات أخذنا ذلك الجام فبعناه بألف درهم ، واقتسمنا الثمن أنا وعدى ، فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا ، وفقدوا الجام فسألونا عنه ، فقلنا : ما ترك غير هذا ، وما دفع إلينا غيره .
قال تميم : فلما أسلمت بعد قدوم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة تأثمت من ذلك ، فأتبت أهله فأخبرتهم الخبر ، ودفعت إليهم خمسمائة درهم ، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها ، فوثبوا عليه ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يستحلفوه بما يحكم به على أهل دينه ، فحلف فنزلت : { يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ } الآيات فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفاه فنزعت الخمسمائة من عدي بن بداء .
وقال القرطبي : ولا أعلم خلافا أن هذه الآيات نزلت بسبب تميم الداري وعدي بن بداء ، روى البخاري والدارقطني وغيرهما عن ابن عباس قال : " كان تميم الداري ودي بن بداء يختلفان إلى مكة فخرج معهما فتى من بني سهم فتوفي بأرض ليس بها مسلم ، فأوصى إليهما فدفعا تركته إلى أهله وحبسا جاما من فضة مخوصاً بالذهب - أي عليه صفائح الذهب مثل خوص النخل - فاستحلفهما رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما كتمتما ولا اطلعتما " ثم وجد الجام بمكة فقالوا : اشتريناه من عدي وتميم ، فجاء رجلان من ورثة السهمي فحلفا أن الجام للسهمي ، ولشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا ، قال : فأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآيات " .
هذا ، والمعنى الإِجمالي لهذه الآيات : أن الله - تعالى - شرع لكم - أيها المؤمنون - الوصية في السفر فعلى من يحس منكم بدنو أجله وهو في السفر أن يحضر رجلا مسلما يوصيه بإيصال ماله لورثته فإذا لم يجد رجلا مسلما فليحضر كافرا ، والاثنان أحوط ، فإذا أوصلا ما عندهما إلى ورثة الميت . وارتاب الورثة في أمانة هذين الرجلين ، فعليهم في هذه الحالة أن يرفعوا الأمر للحاكم ، وعلى الحاكم أن يستحلف الرجلين بالله بعد الصلاة بأنهما ما كتما شيئاً من وصية وما خانا .
فإذا ظهر بعد ذلك للحاكم أو لورثه الميت أن هذين الرجلين لم يكونا أمينين في أداء ما كلفهما الميت بأدائه ، فعندئذ يقوم رجلان من أقرب ورثة الميت ، ليحلفا بالله أن شهادتهما أحق وأولى من شهادة الرجلين الأولين ، وأن هذين الرجلين لم يؤديا الوصية على وجهها .
ثم بين - سبحانه - في الآية الثالثة أن ما شرعه الله لهم هو أضمن طريق لأداء الشهادة على وجهها الصحيح وعليهم أن يراقبوه ويتقوه لكي يكونوا من المؤمنين الصادقين :
هذا هو المعنى الإِجمالي للآيات الكريمة سقناه قبل تفصيل الفول في تفسيرها حتى يتهيأ الذهن لفهمها بوضوح .
قال الآلوسي : وقوله : { يِا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت حِينَ الوصية اثنان ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ } . . إلخ استئناف مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بأمور دنياهم ، إثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم وفيه من إظهار العناية بمضمونه ما لا يخفى .
وللشهادة معان منها ، الإِحضار والقضاء ، والحكم ، والحلف ، والعلم والإِيصاء ، والمراد بها هنا الأخير ، كما نص عليه جماعة من المفسرين .
وقوله : { شهادة } يصح أن يكون مبتدأ وخبره قوله : { اثنان } على حذف مضاف . أي : شهادة اثنين .
ويصح أن يكون مبتدأ والخبر محذوف . أي : فيما أمرتم به أن يشهد اثنان : ويكون قوله { اثنان } فاعلا لقوله { شهادة } وعليه تكون إضافة قوله { شهادة } إلى الظرف وهو { بينكم } على التوسع .
قال القرطبي : قوله { شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } قيل : معناه شهادة ما بينكم فحذفت " ما " وأضيفت الشهادة إلى الظرف ، واستعمل اسما على الحقيقية ، وهو المسمى عند النحويين بالمفعول على السعة . ومنه قوله - تعالى - { هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ } أي : ما بيني وبينك .
والمراد بقوله : { إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت } ظهور أماراته وعلاماته وهو ظرف متعلق بقوله : " شهادة " .
وقوله : { حِينَ الوصية } بدل من الظرف . وفي هذا الابدال تنبيه على أن الوصية لا ينبغي أن يتهاون فيها .
وقوله : { ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ } صفة لقوله { اثنان } .
وقوله : { أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ } صفة لقوله { اثنان } .
والمراد من غير المسلمين ، ويرى بعضهم أن المراد بقوله { منكم } أي : من قبيلتكم ، وبقوله : { مِنْ غَيْرِكُمْ } أي : من غير قبيلتكم .
وقوله : { إِنْ أَنتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرض فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الموت } بيان لمكان الوصية وزمانها .
والمراد بالضرب في الأرض السفر فيها وقيل للمسافر ضارب في الأرض لأنه يضربها برجليه أو بعصاه .
والمراد بقوله : { فَأَصَابَتْكُم مُّصِيبَةُ الموت } أي : فقاربتم نهاية أجلكم بأن أحسستم بدنو الموت منكم . فليس المراد الموت بالفعل وإنما المراد مشارفته ومقاربته .
وسمي - سبحانه - الموت مصيبة ، لأنه بطبيعته يؤلم ، أو يصحبه أو يقاربه أو يسبقه آلام نفسية .
قال القرطبي : " وفي الكلام حذف تقديره إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت ، فأوصيتم إلى اثنين عدلين في ظنكم ودفعتم إليها ما معكم من المال ، ثم متم وذهبا إلى ورثتكم بالتركة فارتابوا في أمرهما ، وادعو عليهما خيانة ، فالحكم أن تحبسوهما من بعد صلاة ، أي تستوثقوا منهما " .
فقوله : { تَحْبِسُونَهُمَا مِن بَعْدِ الصلاة فَيُقْسِمَانِ بالله } كلام مستأنف لبيان ما يجب على الحاكم أن يفعله عند الشك في أمانة الرجلين اللذين دفع إليهما الميت ما له ليوصلاه إلى أهله .
ومعنى { تَحْبِسُونَهُمَا } توقفونهما وتمكسونهما لأداء اليمين اللازمة عليهما والمراد بالصلاة : صلاة العصر . وقد روى ذلك عن ابن عباس وجماعة من التابعين .
قال الفخر الرازي : إنما عرف هذا التعيين بوجوه :
أحدها : أن هذا الوقت كان معروفا عندهم بالتحليف بعده ، فالتقييد بالمعروف المشهور أغنى عن التقييد باللفظ .
وثانيهما : ما روى أنه لما نزلت هذه الآية صلى النبي صلى الله عليه وسلم العصر ، ودعا بعدي وتميم فاستحلفهما عند المنبر فصار فعل الرسول دليلا على التقييد .
وثالثها : أن جميع أهل الأديان يعظمون هذا الوقت ويذكرون الله فيه ، ويحترزون عن الكلف الكاذب .
وقال الزهري : المراد بالصلاة ، الصلات مطلقاً : وإنما كان الحلف بعد الصلاة ، لأنها داعية إلى النطق بالصدق ، وناهية عن الكذب والزور .
أي : توقفون - أيها المسلمون - هذين الرجلين بعد الصلاة لأداء اليمين { فَيُقْسِمَانِ بالله } أي : فيحلفان بالله { إِنِ ارتبتم } في صدقهما ، بأن يقولا : { لاَ نَشْتَرِي بِهِ ثَمَناً وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } أي : لا نحصل بيمين الله عرضاً من أعراض الدنيا ، ولو كان من نقسم له ونشهد عليه قريبا لنا .
{ وَلاَ نَكْتُمُ شَهَادَةَ الله } أي : ولا نكتم الشهادة التي أمرنا الله بإظهارها وأدائها { إِنَّآ إِذَاً لَّمِنَ الآثمين } أي : إنا إذا لتكونن معدودين من المستقرين في الذنوب والآثام إن كتمناها وبدلناها عن وجهها الصحيح .
وقوله { إِنِ ارتبتم } شرط لا يتوجه الشاهدين إلا به ، ومتى لم يقع ريب ولا اختلاف فلا يمين .
وجواب الشرط محذوف للعلم به مما قبله . أي : إن ارتبتم فحلفوهما .
والضمير في قوله : { به } يعود إلى القسم المفهوم من قوله : { فيقسمان } أي : فيقسمان بالله لا نشتري بصحة القسم ثمنا مهما كان هذا الثمن .
وقوله : { وَلَوْ كَانَ ذَا قربى } تأكيد لتنزههما عن الحلف الكاذب .
قال صاحب الكشاف : والضمير في { به } للقسم وفي { كان } للقسم له . يعني : لا نستبدل بصحة القسم بالله عرضا من الدنيا . أي : لا نحلف كاذبين لأجل المال ، ولو كان من يقسم له قريباً منا ، على معنى : أن هذه عادتهم في صدقهم وأمانتهم أبداً ، وأنهم داخلون تحت قوله - تعالى - { كُونُواْ قَوَّامِينَ بالقسط شُهَدَآءَ للَّهِ وَلَوْ على أَنْفُسِكُمْ أَوِ الوالدين } فأنت ترى أن الله - تعالى - قد أكد هذا القسم بجملة من المؤكدات منها : أن الحالفين يحلفان بأنهما لا يحصلان بيمين الله ثمنا مهما كنت قيمته ، وبأنهما لن يحابيا إنسانا مهما بلغت درجة قرابته وبأنهما لن يبكتما الشهادة التي أمرهما الله بأدائها على وجهها الصحيح ، وبأنهما يقران على أنفسهما باستحقاق عقوبة الآثم المذنب إن كتما أو خانا أو حادا عن الحق ، وهذا كله لأجل أن تصل وصية الميت إلى أهله كاملة غير منقوصة .