الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّـٰزِقِينَ} (114)

قال عيسى عند ذلك { اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآئِدَةً مِّنَ السَّمَآءِ تَكُونُ } حال ردّ إلى الاستقبال أي كائنة ، وذلك كقوله

{ فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً * يَرِثُنِي } [ مريم : 5-6 ] يعني يصدقني في قراءة من رفع .

وقرأ عبد اللّه والأعمش : تكن لنا بالجزم على جواب الدعاء .

{ عِيداً لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } أي عائداً من علينا وحجة وبرهاناً والعيد اسم لما اعتد به وعاد إليك من كل شيء ، ومنه قيل : أيام الفطر والأضحى عيد لأنهما يعودان كل سنة .

ويقال : لطيف الخيال عيد .

قال الشاعر :

يا عيد مالك من شوق وإيراق *** ومرّ طيف على الأهوال طراق

فقال آخر :

اعتاد قلبك من جبينك عود *** شق عناك فأنت عنه تذود

وأنشد الفراء :

فوا كبدي من لاعج الحب والهوى *** إذا اعتاد قلبي من أميمة عيدها

وأصله عود بالواو ولأنه من عاد يعود إذا رجع فقلبت الواو بالكسرة ما قبلها مثل النيران والميقات والميعاد .

قال السدي : معناه نتخذ اليوم الذي نزلت فيه عيداً نعظمه نحن ومن بعدنا .

وقال سفيان : نصلي فيه .

وقال الخليل بن أحمد : العيد كل يوم مجمع كأنهم عادوا إليه .

وقال ابن الأنصاري : سمي العيد عيداً للعود من الترح إلى الفرح ، فهو يوم سرور للخلق كلهم ، ألا ترى أن المسجونين لا يطالبون ولا يعاقبون ولا تصطاد فيه الوحوش والطيور ولا ينفذ الصبيان إلى المكتب ، وقيل : سمي عيداً لأن كل إنسان يعود إلى قدر منزلته ، ألا ترى اختلاف ملابسهم وأحوالهم وأفعالهم ، فمنهم من يضيف ، ومنهم من يضاف ، ومنهم من يظلم ، ومنهم من يرحم ، وقيل : سمي بذلك لأنه يوم شريف فاضل تشبيهاً بالعيد ، وهو فحل نجيب كريم ومشهور في العرب وينسبون إليه فيقال : إبل عيدية . قال الراعي :

عيد به طويت على زفراتها *** طي القناطر قد نزلن نزولا

وقوله { لأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا } يعني قبل زماننا ولمن يجيء بعدنا .

وقرأ زيد بن ثابت : لأولنا وآخرنا على الجميع .

وقال ابن عباس : يعني نأكل منها آخر الناس كما أكل أولهم .

{ وَآيَةً مِّنْكَ } دلالة وحجة ، { وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ قَالَ اللَّهُ } مجيباً لعيسى { إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ } .