الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{وَٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ} (3)

قلت : { وَالشَّفْعِ } قال : خَلْقه ، يقول الله سبحانه :

{ وَخَلَقْنَاكُمْ أَزْوَاجاً } [ النبأ : 8 ] ، قلت : { وَالْوَتْرِ } قال : الله وتر ، قلت له : هل تروي هذا الحديث عن أحد من أصحاب النبيّ صلى الله عليه وسلم قال : نعم ، قلت : عمّن ؟ قال : عن أبي سعيد الخدري عن النبيّ صلى الله عليه وسلم .

وأخبرني ابن فنجويه قال : حدّثنا ابن نصرويه قال : حدّثنا ابن وهب قال : حدّثنا أحمد بن يحيى بن سعيد القطان وعبدة بن عبد الله بن النعمان قالا : حدّثنا أبو الحسين زيد بن الحبّاب العكلي قال : حدّثنا عبّاس بن عقبة قال : حدّثني حسين بن نعيم الحضرمي عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في قول الله سبحانه : { وَالْفَجْرِ * وَلَيالٍ عَشْرٍ } قال : " عشر النحر ، والوتر يوم عرفة ، والشفع يوم النحر " .

وبه عن ابن وهب قال : حدّثنا يوسف بن عبد الرحمن قال : حدّثنا سعيد بن مسلمة الأُموي قال : حدّثنا واصل بن السائب الرقاشي قال : حدّثني أبو سودة قال : حدّثني أبو أيّوب الأنصاري قال : " سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله سبحانه وتعالى : { وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ } قال : " الشفع يوم عرفة ويوم الأضحى ، والوتر ليلة النحر " .

وأخبرنا أبو الحسن بن أبي الفضل الفهندري قال : حدّثنا أبو الطاهر المحمد آبادي قال : حدّثنا عثمان بن سعيد قال : حدّثنا مسلم بن إبراهيم قال : حدّثنا خالد بن قيس وهمام بن يحيى قالا : حدّثنا قتادة عن عمران بن عاصم عن عمران بن حصين

" أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم سُئل عن الشفع والوتر فقال : " هي الصلاة منها الشفع ومنها الوتر " .

وأخبرني ابن فنجويه قال : حدّثنا ابن لؤلؤ قال : حدّثنا الهيثم قال : حدّثنا الدوّرقي قال : حدّثنا حجّاج عن ابن جريح قال : أخبرني محمد بن المرتفع أنّه سمع ابن الزبير يقول : والشفع النفر الأوّل والوتر [ يوم ] النفر الآخر .

وأخبرني الحسن قال : حدّثنا محمّد بن علي بن الحسن الصوفي قال : حدّثنا أحمد بن كثير القيسي قال : حدّثنا محمد بن عبد الله المقرئ قال : حدّثنا مروان بن معاوية الفزاري عن أبي سعيد بن عوف قال : سمعت عبد الله بن الزبير يقول على المنبر : يا معشر الحاجّ إنّكم جئتم من القريب والبعيد على الضعيف والشديد ، فأسهرتم الأعين وأنصبتم الأنفس وأتعبتم الأبدان ، فلا يبطلنّ أحدكم حجّه وهو لا يشعر ، ينظر نظرة بعينه أو يبطش بطشة بيده ، أو يمشي مشية برجله .

يا أهل مكّة وسّعوا عليهم ما وسّع الله عليكم وأعينوهم ما استعانوكم عليه ، فإنّهم وفد الله وحاجّ بيت الله ولهم عليكم حقّ ، فاسألوني فعلينا كان التنزيل ، ونحن حصرنا التأويل ، فقام إليه رجل من ناحية زمزم فقال : دخلت فأرة جرابي وأنا محرم ؟ فقال : اقتلوا الفويسقة ، فقام آخر فقال : أخبرنا بالشفع والوتر والليالي العشر فقال : أمّا الشفع والوتر فقول الله سبحانه :

{ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ } [ البقرة : 203 ] فهما الشفع والوتر ، وأمّا الليالي العشرة فالثمان وعرفة والنحر ، فقام آخر فقال : أخبرنا عن يوم الحجّ الأكبر ؟ فقال : هو يوم النحر ثلاث تتلوها .

وقال مجاهد ومسروق وأبو صالح : الشفع الخلق كلّه ، قال الله سبحانه :

{ وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } [ الذاريات : 49 ] الكفر والإيمان والشقاوة والسعادة والهدى والضلالة والليل والنهار والسماء والأرض والبرّ والبحر والشمس والقمر والجنّ والإنس ، والوتر الله سبحانه ، قال الله تعالى :

{ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } [ الإخلاص : 1 ] .

الحسن وابن زيد : أراد بالشفع والوتر الخلق كلّه ، منه شفع ووتر .

عطية عن ابن عبّاس : الشفع صلاة الغداة والوتر صلاة المغرب . قتادة عن الحسن : هو العدد منه شفع ومنه وتر . مقاتل : الشفع هو آدم وحواء ، والوتر هو الربّ تبارك وتعالى ، وقيل : الوتر آدم شفّعه الله بزوجته حواء .

إبراهيم والقرظي : الزوج والفرد . الربيع عن أبي العالية : الشفع ركعتان من صلاة المغرب والوتر الركعة الثالثة ، وقيل : الشفع الصفا والمروة والوتر البيت ، الحسين بن الفضل : الشفع درجات الجنان ؛ لأنّها ثمان والوتر دركات النار ؛ لأنّها سبع ، كأنّه الله - سبحانه وتعالى - أقسم بالجنّة والنار .

مقاتل بن حيان : الشفع الأيّام والليالي ، والوتر اليوم الذي لا ليلة بعده وهو يوم القيامة .

وسمعت أبا القاسم بن حبيب يقول : سمعت أبا عبد الله محمد بن نافع الشجري يقول : سمعت أبا زيد حاتم بن محبوب السامي يقول : سمعت عبد الجبّار بن العلاء العطّار يقول : سمعت سفيان بن عيينة يقول : الوتر هو الله عزّوجلّ وهو الشفع أيضاً ؛ لقوله :

{ مَا يَكُونُ مِن نَّجْوَى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ } [ المجادلة : 7 ] وسمعت أبا القاسم يقول : سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن محمد ابن يزيد يقول : سمعت أبا عبد الله بن أبي بكر الورّاق يقول : سُئل أبو بكر عن الشفع والوتر فقال : الشفع تضاد أوصاف المخلوقين العزّ والذلّ والقدرة والعجز والقوّة والضعف والعلم والجهل والبصر والعمى ، والوتر انفراد صفات الله سبحانه عزٌّ بلا ذلّ ، وقدرة بلا ضعف ، وعِلم بلا جهل ، وبصر بلا عمى وحياة بلا موت وما إزاءها .

وقيل : الشفع مسجد مكّة والمدينة ، والوتر مسجد بيت المقدس ، وقيل : الشفع القرآن في الحجّ والتمتّع فيه ، والوتر الإفراد فيه ، وقال ابن عطاء { وَالْفَجْرِ } محمّد صلّى الله عليه ؛ لأنّ به تفجّرت أنوار الإيمان وغابت ظُلَم الكفر .

{ وَلَيالٍ عَشْرٍ } ليالي موسى التي أكمل بها ميعاده بقوله تعالى :

{ وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } [ الأعراف : 142 ] ، والشفع : الخلق والوتر : الحقّ ، وقيل : الشفع الفرائض والوتر السنن ، وقيل : الشفع الأفعال والوتر النيّة ، وهو الإخلاص ، وقيل : الشفع العبادة التي تتكرّر ، كالصلاة والصوم والزكاة ، والوتر : العبادة التي لا تتكرّر كالحجّ ، وقيل : الشفع النفس والروح إذا كانتا معاً ، والوتر الروح بلا نفس والنفس بلا روح ، فكأنّ الله سبحانه أقسم بها في حالتي الاجتماع والافتراق .

واختلف القرّاء في الوتر ، فقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وخلف : بكسر الواو ، وهو اختيار أبي عبيد ، قال : لأنّها أكثر في العامّة وأفشى ، ومع هذا إنّا تدبّرنا الآثار التي جاء فيها ذكر وتر الصلاة فوجدنا كلّها بهذه اللغة ولم نسمع في شيء منه الوتر بالفتح ، ووجدنا المعنى في الوتر جميعاً الذي في الصلاة والذي في السورة ، وإن تفرّقا في الفرع فإنّهما في الأصل واحد إنّما تأويله الفرد الذي هو ضدّ الشفع ، وقرأ الباقون بفتح الواو ، وهي لغة أهل الحجاز واختيار أبي حاتم وهما لغتان مستفيضتان .