الوجيز في تفسير الكتاب العزيز للواحدي - الواحدي [إخفاء]  
{لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} (198)

{ ليس عليكم جناح } الآية كان قوم يزعمون أنه لا حج لتاجر ولا جمال فأعلم الله تعالى أنه لا حرج في ابتغاء الرزق بقوله { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } أي رزقا بالتجارة في الحج { فإذا أفضتم } أي دفعتم وانصرفتم من { من عرفات فاذكروا الله } بالدعاء والتلبية { عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم } أي ذكرا مثل هدايته إياكم أي يكون جزاء لهدايته إياكم { وإن كنتم من قبله } أي وما كنتم من قبل هداه إلا ضالين .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} (198)

ولما فهم {[8716]}من هذا{[8717]} الحث على الإكثار من الزاد تحركت نفوس أولي الهمم الزاكية القابلة للتجرد عن الأعراض الفانية إلى{[8718]} السؤال عن المتجر لإنفاقه في وجوه الخير هل يكره في زمان أو مكان{[8719]} لا سيما عند تذكر أن أناساً{[8720]} كانوا في الجاهلية يكرهون التجارة للحاج فأجيب{[8721]} بقوله معلماً أن قطع العلائق لمن صدق عزمه وشرفت همته أولى : { ليس عليكم جناح } أي إثم في { أن تبتغوا } أي تطلبوا بجد واجتهاد { فضلاً } أي إفادة بالمتجر في مواسم الحج وغيرها { من ربكم } المحسن إليكم في كل حال فلا تعتمدوا في الفضل{[8722]} إلا عليه ، وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : " كانت عكاظُ وَمَجِنَّةُ وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية فتأثموا أن يتَّجروا في المواسم فنزلت { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم{[8723]} } في مواسم الحج " .

ولما كان الاستكثار من المال إنما يكره للشغل عن ذكر الله سبب عنه الأمر{[8724]} بالذكر في قوله { فإذا } أي فاطلبوا الفضل من ربكم بالمتجر { أفضتم } {[8725]}أي أوقعتم الإفاضة ، ترك مفعوله للعلم به{[8726]} أي دفعتم ركابكم{[8727]} عند غروب الشمس ففاضت في تلك الوهاد كما يفيض الماء المنساب{[8728]} في منحدر الشعاب ، وأصل الإفاضة{[8729]} الدفع بكثرة{[8730]} { من عرفات } الجبل الذي وقفتم فيه بباب ربكم {[8731]}الموقف الأعظم الذي لا يدرك الحج إلا به{[8732]} من معنى التعرف لما تقدمته نكرة ، وليست{[8733]} {[8734]}تاؤه للتأنيث فتمنعه الصرف بل هي علامة جمع المؤنث{[8735]} ، قاصدي{[8736]} المبيت{[8737]} بالمزدلفة ، وهو {[8738]}علم {[8739]}على الموقف سمي بجمع{[8740]} { فاذكروا الله } ذا{[8741]} الجلال لذاته{[8742]} بأنواع الذكر { عند } {[8743]}أي قريباً من{[8744]} { المشعر } {[8745]}أي المعلم ولما كان{[8746]} بالحرم ، قال : { الحرام } وهو الجبل المسمى قزح{[8747]} ، وهو من الشعور وهو خفي الإدراك الباطن{[8748]} فالموقف الأول آية على نغوض{[8749]} الدنيا ومحوها وزوالها ، والثاني دال{[8750]} بفجره{[8751]} وشمسه{[8752]} على البعث لمجازاة{[8753]} الخلائق بأعمالها ؛ {[8754]}والتعبير بعند{[8755]} للإعلام بأن مزدلفة كلها موقف غير محسر{[8756]} فإنها كلها تقاربه{[8757]} ، ويفهم ذلك صحة الوقوف عليه بطريق الأولى . قال الحرالي : وذلك حظ من الوقوف هنيهة وقت في البلد الحرام عند إقبال النهار معادلة للوقوف بعرفة من الحل إلى إقبال الليل ليتثن{[8758]}ى الوقوف في الحل والحرم . فكان فيه موقف نهار{[8759]} ينتهي إلى الليل في عرفة وموقف ليل{[8760]} ينتهي إلى النهار في المشعر{[8761]} ؛ فوقف فيه صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الفجر وقبل{[8762]} طلوع الشمس ، وهو ذكره عنده ، لأن الذكر بحسب الذاكر ، فذكر اللسان القول ، وذكر البدن العمل ، وذكر النفس الحال والانفعال ، وذكر القلب المعرفة والعلم واليقين ونحو ذلك ، ولكل شيء{[8763]} ذكر بحسبه ؛ وفي جمع الموقفين في الحل والحرم في معلم الحج الذي هو آية الحشر إيذان وبشرى بأن أهل الموقف صنفان : صنف{[8764]} يقفون في موطن روع ومخافة وقوفاً طويلاً اعتباراً بوقوف الواقفين{[8765]} بعرفة من حين زوال الشمس إلى غروبها ست ساعات ، وصنف حظهم{[8766]} من الوقوف{[8767]} قرار في أمنة{[8768]} ظل العرش الذي هو حرم يوم القيامة وكعبته {[8769]}فتشعر خفة{[8770]} الوقوف بالمشعر الحرام أن أمد طول ذلك اليوم يمر على المستظلين بظل العرش فيه كأيسر مدة كما قال عليه الصلاة والسلام بمقدار صلاة مكتوبة ، فكان في ذلك فضل ما بين موقف الحرم على موقف الحل - انتهى .

ولما - {[8771]}علم من ذكر الاسم الأعظم أن التقدير : كما هو مستحق للذكر{[8772]} لذاته ، عطف عليه قوله { واذكروه } أي عند المشعر وغيره { كما{[8773]} } {[8774]}أي على ما ولأجل ما{[8775]} { هداكم } أيها الناس كافة للإسلام وأيها الحمس خاصة لترك{[8776]} الوقوف به والوقوف مع الناس في موقف أبيكم إبراهيم عليه الصلاة والسلام . {[8777]}ولما كان التقدير : فإنه بين لكم بياناً لم يبينه لأحد كان قبلكم ووفقكم للعمل عطف عليه قوله : { وإن } أي فإنكم{[8778]} { كنتم }{[8779]} ولما كانوا قبل عمرو بن لُحَيّ على هدى فكان{[8780]} منهم بعد ذلك المهتدي كزيد ابن عمرو و{[8781]} ورقة بن نوفل فلم يستغرق زمانهم بالضلال أثبت الجار فقال : { من قبله } أي الهدى الذي جاءكم به محمد صلى الله عليه وسلم { لمن الضآلين{[8782]} * } عن سنن الهدى ومواقف الأنبياء علماً وعملاً حيث كنتم تفيضون من المشعر الحرام{[8783]} .


[8716]:ليس في ظ.
[8717]:ليس في ظ.
[8718]:من م وظ ومد، وفي الأصل: في.
[8719]:العبارة من هنا إلى "للحاج" ليست في ظ.
[8720]:في م ومد: ناسا.
[8721]:في ظ: فاحببت وفي م ومد: فأجيبت.
[8722]:من م ومد وظ، وفي الأصل: فضل.
[8723]:ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما نهى عن الجدال، والتجارة قد تفضي إلى المنازعة ناسب أن يتوقف فيها لأن ما أفضى إلى المنهي عنه منهي عنه، ولأن التجارة كانت محرمة عند أهل الجاهلية إذ من يبشتغل بالعبادة يناسبه أن لا يشغل نفسه بالأكساب الدنيوية، أو لأن المسلمين لما صار كثير من المباحات محرما عليهم في الحج كانوا بصدد أن تكون التجارة من هذا القبيل عندهم فأباح الله ذلك وأخبرهم أنه لا درك عليهم فيه في أيام الحج، ويؤيد ذلك قراءة من قرأ في مواسم الحج – البحر المحيط 2 / 94.
[8724]:من م ومد وظ وفي الأصل: للأمر.
[8725]:ليست في ظ.
[8726]:ليست في ظ.
[8727]:من م ومد وظ، وفي الأصل: زكاتكم.
[8728]:في م وظ: المتساب.
[8729]:الإفاضة الانخراط والاندفاع والخروج من المكان بكثرة شبه بفيض الماء والدمع، فأفاض من الفيض لا من فوض وهو اختلاط الناس بلا سائس يسوسهم – البحر المحيط 2 / 83.
[8730]:من ظ وم ومد ، وفي الأصل: لكثيرة.
[8731]:العبارة من هنا إلى "جميع المؤنث" ليست في ظ.
[8732]:ليست في م.
[8733]:ليست في م.
[8734]:ليست في م وظ.
[8735]:ليست في م وظ.
[8736]:من ظ، وفي بقية الأصول: قاصدين.
[8737]:من م ومد وظ، وفي الأصل: البيت.
[8738]:زيد في ظ: اسم وفي البحر المحيط 2 / 83: علم على الجبل الذي يقفون عليه في الحج، فقيل: ليس بمشتق، وقيل: هو مشق من المعرفة وذلك سبب تسميته بهذا الاسم، وفي تعيين المعرفة أقاويل...وقيل: من العرف وهو الرائحة الطيبة، وقيل: من العرف وهو الصبر، وقيل: العرب تسمى ما علا عرفات وعرفة، ومنه عرف الديك لعلوه، وعرفات مرتفع على جميع جبال الحجاز، وعرفات إن كان اسم جبل فهو مؤنث.
[8739]:في ظ: في معنى التعرف لما تقدمته نكرة.
[8740]:في ظ: في معنى التعرف لما تقدمته نكرة.
[8741]:من ظ وفي بقية الأصول: ذو.
[8742]:ليس في ظ.
[8743]:ليست في ظ.
[8744]:ليست في ظ.
[8745]:العبارة من هنا إلى "قال" ليست في م.
[8746]:زيد من مد.
[8747]:في الأصل وم ومد: فزح، وفي ظ: فرح – راجع لسان العرب.
[8748]:من م ومد وظ، وفي الأصل: لباطن.
[8749]:في مد وظ: نقوض، وفي م: نقوص.
[8750]:في الأصل: وإن والتصحيح من م ومد وظ.
[8751]:من ظ، وفي م: لفجره، وفي مد: يفجره، وفي الأصل: يتجره
[8752]:في الأصل: سميته، والتصحيح من م ومد وظ.
[8753]:من م ومد وظ، وفي الأصل: بمجازاة.
[8754]:العبارة من هنا إلى "بطريق" الأولى" ليست في ظ.
[8755]:ومعنى العندية هنا القرب منه وكونه يليه، ومزدلفة كلها موقف إلا وادي محسر، وجعلت كلها موقفا لكونها في حكم المشعر ومتصلة به- البحر المحيط 2/97.
[8756]:في الأصل: محر، وفي م: محشر، والتصحيح من مد.
[8757]:من م ومد وفي الأصل: مقاربة.
[8758]:من م ومد وفي الأصل: ليلتي، وفي ظ: لينثي .
[8759]:من ظ ومد وفي الأصل: نهارا.
[8760]:في م ومد: لليل.
[8761]:زيد في م: الحرام.
[8762]:من م ومد وظ، وفي الأصل: قيل.
[8763]:زيد في الأصل: "و" ولم تكن الزيادة في م ومد وظ فحذفناها.
[8764]:زيد من م ومد وظ.
[8765]:في الأصل: المواقفين، والتصحيح من م ومد وظ.
[8766]:في م ومد وظ: حطهم وفي الأصل: خطهم.
[8767]:من م ومد وظ، وفي الأصل: قرارا في أمنه.
[8768]:من م ومد وظ وفي الأصل: قرارا في أمنه.
[8769]:من مد وظ، وفي الأصل: فيشعر خفة، وفي م: فتشعر حضر.
[8770]:من مد وظ، وفي الأصل: فيشعر خفة، وفي م: فتشعر حضر.
[8771]:ليس في م ومد وفي الأصل: كما، والتصحيح من ظ.
[8772]:من م وظ ومد، وفي الأصل: الذكر.
[8773]:وفي البحر المحيط: والكاف في "كما" للتشبيه، وهي في موضع نصب إما على النعت لمصدر محذوف وإما على الحال...والمعنى أوجدوا الذكر على أحسن أحواله من مماثلته لهداية الله لكم إذ هدايته إياكم أحسن ما أسدى إليكم من النعم فليكن الذكر من الحضور والديمومة في الغاية حتى تماثل إحسان الهداية ولهذا المعنى قال الزمخشري: اذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة – انتهى.
[8774]:ليست في ظ.
[8775]:ليست في ظ.
[8776]:في الأصل: الترك، والتصحيح من بقية الأصول.
[8777]:ليست في ظ.
[8778]:في م وظ: وإنكم.
[8779]:العبارة من هنا إلى "فقال" ليست في ظ.
[8780]:في م ومد: وكان.
[8781]:زيد من م ومد.
[8782]:والظاهر في الضلال أنه ضلال الكفر كما أن الظاهر في الهداية هداية الإيمان، وقيل: من الضالين عن مناسك الحج أو عن تفضيل شعائره – البحر المحيط 2 / 98.
[8783]:ليست في ظ.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَن تَبۡتَغُواْ فَضۡلٗا مِّن رَّبِّكُمۡۚ فَإِذَآ أَفَضۡتُم مِّنۡ عَرَفَٰتٖ فَٱذۡكُرُواْ ٱللَّهَ عِندَ ٱلۡمَشۡعَرِ ٱلۡحَرَامِۖ وَٱذۡكُرُوهُ كَمَا هَدَىٰكُمۡ وَإِن كُنتُم مِّن قَبۡلِهِۦ لَمِنَ ٱلضَّآلِّينَ} (198)

وقوله تعالى : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم فإذا أفضتم من عرفت فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم ) كان الناس في أشهر الحج يتقون البيوع والتجارة تحرجا أن يكون فيها إثم فأنزل الله قوله : ( ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم ) {[277]} والجناح معناه الإثم . والفضل يراد به التجارة من أجل الارتزاق والعيش . وعلى هذا فليس من جناح أو بأس على من أحرم بالحج أو العمرة إن عمل في المتاجرة بيعا أو شراء . مع أن الانقطاع للعبادة وأعمال الحج أفضل ؛ لما في ذلك من تخليص للقلب والذهن والجوارح من أوضار الدنيا ومغريات الحياة .

وقوله : ( فإذا أفضتم من عرفات ) أي انصرفتم مندفعين من عرفات وذلك عقيب الغروب لهذا اليوم المشهود . واسم عرفات يطلق على البقعة من الأرض في الحرم التي يجتمع فيها الحجاج جميعا . وهو وقوف أساسي ومفروض لا يتم لأحد حج من دونه . وهو ركن للحج بإجماع العلماء وفيه يقول الرسول ( ص ) : " الحج عرفات- ثلاثا- فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك " .

وكذلك فإن من وقف بعرفة يوم عرفة قبل الزوال ثم أفاض منها قبل الزوال لا يعتد بوقوفه ذلك ما وقع عليه الإجماع وذهب جمهور العلماء أيضا إلى تمام الحج لمن وقف بعرفة بعد الزوال ثم أفاض في النهار من ذلك اليوم قبل الليل ، لكن الإمام مالكا خالف في ذلك واشترط لتمام الحج أن يأخذ الواقف في عرفة من الليل شيئا .

وإذا أفاض الحاج من عرفات قبل غروب الشمس ولم يرجع فما حكمه ؟ ثمة خلاف في ذلك . فقد ذهب الثوري والشافعي وأحمد وأبو ثور وأصحاب الرأي وغيرهم إلى أن عليه دما يقدمه جبرا لهذا الخلل ؟ وقال الحسن البصري : إن عليه هديا من شاة أو بقرة أو بعير .

وقال الإمام مالك ، إن عليه حجا من قابل والهدي ينحره في حج قابل وهو كمن فاته الحج .

ومن جهة أخرى فإن يوم عرفة عظيم الفضل والشأن ، فإن فيه يغفر الله للمؤمنين الذنوب ، ويتجاوز لهم عن الخطايا والسيئات ، ويضاعف لهم فيه الأجور والحسنات . وفي ذلك يقول الرسول ( ص ) فيما روته عائشة : " ما من يوم أكثر أن يعتق الله فيه عددا من النار من يوم عرفة ، وإنه ليدنو عز وجل ثم يباهي بهم الملائكة يقول : ما أراد هؤلاء ؟ " .

وجاء في الموطأ أن النبي ( ص ) قال : " ما رؤي الشيطان يوما هو في أصغر ولا أحقر ولا أدحر ولا أغيظ منه في يوم عرفة ، وما ذاك إلا لما رأى من تنزل الرحمة وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر " قيل : وما رأى يوم بدر يا رسول الله ؟ قال : " إما أنه قد رأى جبريل يزع الملائكة " .

وفي فضل الصوم يوم عرفة يقول الرسول ( ص ) : " صوم يوم يكفر السنة الماضية والباقية " .

وفي فضل الدعاء وتقبله في يوم عرفة يقول عليه الصلاة والسلام : " أفضل الدعاء دعاء يوم عرفة ، وأفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له " .

وقوله : ( فاذكروا الله عند المشعر الحرام ) ( المشعر ) من الشعار وهو العلامة أو المعْلَم باعتباره أحد معالم الحج . ويراد بالمشعر الحرام المزدلفة . وسميت بذلك ؛ لاجتماع آدم وحواء فيها إذْ ازدلف آدمُ منها ازدلافا أي دنا منها دنوا . ويأمر الله الحجاج أن يكثروا من ذكره وذلك بالدعاء والتلبية عند المشعر الحرام . وهم يأتون المشعر الحرام ( المزدلفة ) بعد الإفاضة من عرفات عقب الغروب . وفي المزدلفة يصلّون المغرب والعشاء جمع تأخير وذلك بأذان واحد وإقامتين ، مثلما يجمعون في عرفات بين الظهر والعصر إلا أنه جميع تقديم بأذان واحد وإقامتين اثنتين ، وذلك على سبيل السنة والاستحباب لا الفرض{[278]} .

أما المبيت بالمزدلفة أو الوقوف بها من حيث الحكم فليس بركن ولا فرض . وذلك الذي عليه جمهور العلماء فقد ذهب الإمام مالك وسفيان الثوري وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي إلى أنه سنة مؤكدة ، وأن من قام بها أكثر ليله فليس عليه شيء .

وقال الشافعي : إن خرج الحاج من مزدلفة بعد نصف الليل فليس عليه من شيء ، وإن خرج قبل نصف الليل ولم يعد إليها افتدى بشاة .

وذهب الشعبي والنخعي والحسن البصري إلى أن الوقوف بمزدلفة فرض . وأن من لم يقف بها فقد فاته الحج ويحوّل إحرامه إلى عمرة .

والراجح هو قول الجمهور بسنية الوقوف بمزدلفة ؛ إذ ليس من دليل صريح أو ظاهرة يبين فرضيته ، أما الآية الواردة في هذا الصدد فليس فيها ما يوجب الوقوف بمزدلفة ولا المبيت ، وليس في الآية سوى مجرد الذكر لله . وقد أجمعوا على أنه لو وقف الحاج بمزدلفة ولم يذكر الله فإن حجه تام وصحيح . مع أن الذكر هو المأمور به في الآية . وعلى هذا فإن الوقوف أو المبيت ليس مفروضا .

واستدلوا كذلك بحديث الرسول ( ص ) : " الحج عرفات فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك ، وأيام منى ثلاثة فمن تعجّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه " ولو كان الوقوف بمزدلفة أو المبيت بها مفروضا لبيّنة مع أنه واقع بين مذكورين وهما الوقوف بعرفة ثم منى{[279]} .

قوله : ( واذكروه كما هداكم ) الكاف في ( كما ) نعت مصدر محذوف . ما مصدرية أو كافة . ( هداكم ) فعل ماض وكاف المخاطب في محل نصب مفعول به ، والميم للجمع . وتقدير المعنى : واذكروه ذكرا حسنا كما هداكم هداية حسنة . وقد كرر الأمر بالذكر للتأكيد تنبيها للناس على ما أنعم الله به عليهم من الهداية ، وإرشادهم إلى مناسك الحج التي هدى إليها إبراهيم عليه السلام من قبل . وقد كان ذلك بعد ضلالهم في الجاهلية وما كانوا عليه من تخبط وجهالة وإشراك ؛ لذلك قال سبحانه : ( وإن كنتم من قبله لمن الضالين ) إن مخففة من الثقيلة . والهاء في ( قبله ) ضمير مبني على الكسر في محل جر بالإضافة ، يعود على الهدى . وقيل على القرآن . وقيل على الرسول ( ص ) .


[277]:- أسباب النزول للنيسابوري ص 37.
[278]:- تفسير القرطبي جـ 2 ص 415- 421 وبداية المجتهد جـ 1 ص 295 والثمر الداني ص 372.
[279]:- بداية المجتهد جـ 1 ص 297 والثمر الداني ص 373 وتفسير الطبري جـ 2 ص 167 -169.