{ يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم } نزلت في قوم كانوا يتصدقون بشرار ثمارهم ورذالة أموالهم والمراد بالطيبات هاهنا الجياد الخيار مما كسبتم أي التجارة { ومما أخرجنا لكم من الأرض } يعني الحبوب التي يجب فيها الزكاة { ولا تيمموا } أي لا تقصدوا { الخبيث منه تنفقون } أي تنفقونه { ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا } أي بآخذي ذلك الخبيث لو أعطيتم في حق لكم إلا بالإغماض والتساهل وفي هذا بيان أن الفقراء شركاء رب المال والشريك لا يأخذ الرديء من الجيد إلا بالتساهل
ولما رغب في الفعل وتخليصه عن الشوائب أتبعه المال المنفق منه فأمر بطيبه فقال : { يا أيها الذين آمنوا } أي أقروا بالإيمان { أنفقوا } أي تصديقاً لإيمانكم { من طيبات ما كسبتم } وإنما قدم الفعل لأنه ألصق بالإنسان وتطييبه أعم نفعاً ، ولما ذكر {[12958]}ما أباحه سبحانه{[12959]} وتعالى من أرباح{[12960]} التجارات ونحوها أتبعه ما أباحه من منافع النباتات{[12961]} ونحوها منبهاً بذلك على أن كل ما يتقلب{[12962]} العباد فيه من أنفسهم وغيرها نعمة منه أنشأها من الأرض التي أبدعها من العدم ترغيباً في الجود به وفي جعله خياراً حلالاً وترهيباً من الشح به وجعله ديناً أو حراماً فقال : { ومما أخرجنا } أي بعظمتنا { لكم } نعمة منا عليكم { من الأرض } قال الحرالي : قدم{[12963]} خطاب المكتسبين بأعمالهم كأنهم المهاجرون وعطف عليهم المنفقين من الحرث والزرع كأنهم الأنصار - انتهى .
ولما أمر بذلك أكد الأمر به بالنهي عن ضده فقال : { ولا تيمموا } أي{[12964]} لا تتكلفوا أن تقصدوا { الخبيث منه } أي خاصة { تنفقون } قال الحرالي : الخبيث صيغة مبالغة بزيادة الياء من الخبث وهو ما ينافر{[12965]} حس النفس : ظاهره وباطنه ، في مقابله{[12966]} ما يرتاح إليه من الطيب الذي ينبسط{[12967]} إليه ظاهراً وباطناً{[12968]} ، وقال{[12969]} : ففي إلاحته معنى حصر{[12970]} كأنهم لا ينفقون إلا منه ليتجاوز النهي{[12971]} من ينفق من طيبه وخبيثه على غير قصد اختصاص النفقة من الخبيث - انتهى . ثم أوضح قباحة ذلك بقوله : { ولستم بآخذيه } أي إذا كان لكم على أحد حق فأعطاكموه { إلا أن تغمضوا } أي تسامحوا { فيه } {[12972]}بالحياء مع الكراهة{[12973]} . قال الحرالي : من الإغماض وهو الإغضاء عن العيب{[12974]} فيما يستعمل ، أصله من الغمض وهي نومة تغشي الحس ثم تنقشع ، وقال : ولما كان الآخذ هو الله سبحانه وتعالى ختم بقوله : { واعلموا } انتهى .
وعبر بالاسم الأعظم فقال : { أن الله }{[12975]} المستكمل لجميع صفات الكمال من الجلال والجمال { غني } يفضل{[12976]} على من أسلف خيراً رغبة{[12977]} فيما عنده وليست به حاجة تدعوه إلى أخذ الرديء ولا رغبكم{[12978]} في أصل الإنفاق لحاجة منه إلى شيء مما عندكم وإنما ذلك لطف منه بكم ليجري عليه {[12979]}الثواب والعقاب{[12980]} { حميد * } يجازي المحسن أفضل الجزاء على أنه لم يزل محموداً ولا يزال عذب أو أثاب . قال الحرالي{[12981]} : وهي صيغة مبالغة بزيادة ياء من الحمد الذي هو سواء أمر الله الذي لا تفاوت فيه من جهة إبدائه{[12982]} وافق الأنفس أو خالفها .
قوله : ( يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذين إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء والله يعدكم مغفرة منه وفضلا والله وسع عليم يؤتي الحكمة من يشاء ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا وما يذكر إلا أولوا الألباب ) يخاطب الله عباده المؤمنين أن ينفقوا من جيد ما يملكون من أموال . ويشمل الإنفاق كلا من الزكاة المفروضة وصدقة التطوع ، وعلى ذلك فإن مفهوم الآية يستفاد منه العموم .
والمراد بالكسب ما أمكن تحصيله من الأموال مما كان سبيله التجارة أو الإجارة أو الميراث أو غيره من سائر الأرزاق والمكاسب .
أما ما أخرجه الله لعباده من الأرض فإن مدلوله عام يتناول كل ما حوته الأرض ، سواء كان نباتا أو ركازا أو معدنا . فذلك كله مما امتن الله به على عباده فأخرجه لهم من الأرض لاستعماله والاستفادة منه في تحصيل مصالحهم .
قوله ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ) أي لا تقصدوا المال الرديء من أموالكم لتعطوه للفقراء والمحتاجين ، بل عليكم أن تقدموا من أموالكم ما كان جيدا أو وسطا ، أما الرديء فلا . فقد روي أن بعض الأنصار كانوا يخرجون من جذاذ نخيلهم قنو الحشف{[349]} وهو يظن أنه جائز ، فنزل فيمن فعل ذلك قوله : ( ولا تيمموا الخبيث ) {[350]} .
وقوله : ( ولستم بآخذين إلا أن تغمضوا فيه ) لو قدم إليكم مثل هذا المال الرديء لزهدتم فيه ولما أخذتموه إلا في إغماض ، والإغماض يراد به التساهل والتجاوز . وهو أن تتسامحوا في أخذه وتترخصوا فيه .
والمرء مفطور على حب الجيد من المال ، حتى إذا قدم إليه الرديء فإنه لا يأخذه إلا ونفسه تعافه أو تعزف عنه ؛ لانحطاط قيمته ومستواه . وذلك هو مدلول العبارة القرآنية الفذة التي لا يجزي عنها تعبير آخر ( إلا أن تغمضوا فيه ) فلا جرم أن ذلك إعجاز .
وعلى هذا فإن الآية تستنهض همم المؤمنين أن يؤتوا من أموالهم أحسنها أو أوسطها ، وألا يقصدوا الخبيث الدنيء منها فيتصدقوا به ؛ لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبا .
قوله : ( واعلموا أن الله غني حميد ) أي أن الله غني عنكم وعن صدقاتكم وأموالكم ، بل إن الناس جميعا فقراء إليه ، وهو سبحانه مالك الملك بيده مقاليد السموات والأرض ، وهو سبحانه حميد ، أي معظم محمود ، يحمده العباد والخلائق ويثنون عليه ثناء يليق بجلاله وكماله .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.