ولما أنكر سبحانه أن يكون للمشركين غير المستثنين عهد ، بين السبب الموجب للإنكار مكرراً أداة الإنكار تأكيداً للمعنى فقال : { كيف } أي{[35652]} يكون لهم عهد ثابت { وإن } أي والحال أنهم مضمرون لكم الغدر والخيانة فهم إن { يظهروا عليكم } أي إن يعل{[35653]} أمر لهم على أمركم{[35654]} بأن يظفروا بكم بعد العهد والميثاق { لا يرقبوا } أي لا ينظروا ويرعوا { فيكم } أي في أذاكم بكل جليل وحقير { إلاًّ } أي قرابة محققة { ولا ذمة } أي عهداً ، يعني أن الأمر المبيح للنبذ خوف الخيانة ، وعلام الغيوب يخبركم أنهم في غاية الخيانة لكم ، والإل{[35655]} هذا : القرابة - وهو قول ابن عباس ، والمادة تدور على الألة وهي حربة{[35656]} في نصلها عرض ، ويلزمها الصفاء والرقة والبريق ، ويشبه به الإسراع في العدو ، والثبات في نفسها ، ومنه القرابة والعهد والتغير في وصفها ، ومنه تغير رائحة الإناء وفساد الأسنان والصوت ، ومنه الأنين والجؤار في الدعاء مع البكاء و{[35657]}خرير الماء{[35658]} والطعن والقهر-{[35659]} ، ومنه : إن هذا - أي كلام{[35660]} مسيلمة - ما يخرج من إل ، أي من ربوبية ، وفي إل الله ، أي قدرته وإلهيته .
ولما كان ذلك مظنة لأن يقال : قد أكدوا لنا الأيمان وأوثقوا العهود ، ولم يدعوا باباً من أبواب الاستعطاف ، قال معللاً لما مضى مجيباً لمن استبعده : { يرضونكم } وعبر بأقصى ما يمكن الكلام به من القلوب تحقيقاً لأنهم ليس في قلوبهم شيء منه فقال : { بأفواههم } أي بذلك التأكيد ، وصرح بالمقصود بقوله : { وتأبى قلوبهم } أي العمل بما أبدته ألسنتهم ، وقليل منهم من يحمله الخوف ونحوه على الثبات أو{[35661]} يرجع عن هذا الفسق ويؤمن { وأكثرهم فاسقون* } أي راسخو الأقدام في الفسق خارجون - لمخالفة الفعل للقول - عما تريدونه ، وإذا نقض الأكثر{[35662]} اضطر الأقل إلى موافقتهم .
قوله تعالى : { كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلا ولا ذمة يرضونكم بأفواههم وتأبي قلوبهم وأكثرهم فاسقون 8 اشتروا بآيات الله ثمنا قليلا فصدوا عن سبيله إنهم ما كانوا يعلمون } أعاد التعجيب والاستفهام الإنكاري في قوله ك { كيف } بما يدل على استبعاد ثبات المشركين على العهد ؛ أي كيف يعطي هؤلاء الناكثون المتربصون عهدا ، وحالهم من الخبث والغدر أنهم إن ظهروا عليكم بالغلبة أو الاستعلاء فسوف لا يرعون فيكم ولا يحفظون لكم { إلا } والإل معناه القرابة . وقيل : الحلف{[1731]} . { ولا ذمة } وهي العهد . وهم مع ذلك كله إنما يصانعوكم مصانعة ويداهنونكم مداهنة تتدلى منها حلاوة الكلام المراوغ الملفق لخداعهم ، ولكي ترضوا عنهم { وتأبي قلوبهم } أي ما في قلوبهم مخالف تماما لا يظهرونه من معسول الكلام وملق الحديث المخادع . فقلوبهم إنما تنثني على الحقد والاضطغان وتفيض بالكراهية بالبالغة للإسلام والمسلمين .
قوله : { وأكثرهم فاسقون } أكثر المشركين راضون عن الكيد لكم والنكث بعدوهم معكم والانقضاض عليكم لاستئصالكم . فديدن المشركين النكث ونقض العهود والتحلل من كل التزام ميلا منهم للغدر والباطل ورغبة في الطمع والإيذاء .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.