قوله تعالى : " يوم تبدل الأرض غير الأرض " أي اذكر يوم تبدل الأرض ، فتكون متعلقة بما قبله . وقيل : هو صفة لقول : " يوم يقوم الحساب " [ إبراهيم : 41 ] . واختلف في كيفية تبديل الأرض ، فقال كثير من الناس : إن تبدل الأرض عبارة عن تغير صفاتها ، وتسوية آكامها ، ونسف جبالها ، ومد أرضها ، ورواه ابن مسعود رضي الله عنه ، خرجه ابن ماجه في سننه وذكره ابن المبارك من حديث شهر بن حوشب ، قال : حدثني ابن عباس قال : إذا كان يوم القيامة مدت الأرض مد الأديم وزيد في سعتها كذا وكذا ، وذكر الحديث . وروي مرفوعا من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( تبدل الأرض غير الأرض فيبسطها ويمدها مد الأديم العكاظي{[9577]} لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، ثم يزجر الله الخلق زجرة فإذا هم في الثانية في مثل مواضعهم من الأولى من كان في بطنها ففي بطنها ومن كان على ظهرها كان على ظهرها{[9578]} ) ذكره الغزنوي . وتبديل السماء تكوير شمسها وقمرها ، وتناثر نجومها ، قاله ابن عباس . وقيل : اختلاف أحوالها ، فمرة كالمهل{[9579]} ومرة كالدهان{[9580]} ، حكاه ابن الأنباري ، وقد ذكرنا هذا الباب مبينا في كتاب { التذكرة } وذكرنا ما للعلماء في ذلك ، وأن الصحيح إزالة هذه الأرض حسب ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم . روى مسلم عن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كنت قائما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءه حبر من أحبار اليهود فقال : السلام عليك ، وذكر الحديث ، وفيه : فقال اليهودي أين يكون الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( في الظلمة دون الجسر ){[9581]} . وذكر الحديث . وخرج عن عائشة قالت : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله : " يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات " فأين الناس يومئذ ؟ قال : ( على الصراط ) . خرجه ابن ماجه بإسناد مسلم سواء ، وخرجه الترمذي عن عائشة وأنها هي لسائلة ، قال : هذا حديث حسن صحيح ، فهذه الأحاديث تنص على أن السماوات والأرض تبدل وتزال ، ويخلق الله أرضا أخرى يكون الناس عليها بعد كونهم على الجسر . وفي صحيح مسلم عن سهل بن سعد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصه النقي{[9582]} ليس فيها علم لأحد ) . وقال جابر : سألت أبا جعفر محمد بن علي عن قول الله عز وجل : " يوم تبدل الأرض غير الأرض " قال : تبدل خبرة يأكل منها الخلق يوم القيامة ، ثم قرأ : " وما جعلناهم جسدا لا يأكلون الطعام{[9583]} " [ الأنبياء : 8 ] . وقال ابن مسعود : إنه تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يعمل عليها خطيئة . وقال ابن عباس : بأرض من فضة بيضاء . وقال علي رضي الله عنه : تبدل الأرض يومئذ من فضة والسماء من ذهب وهذا تبديل للعين ، وحسبك . " وبرزوا لله الواحد القهار " أي من قبورهم ، وقد تقدم .
قوله : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) ( يوم ) ، منصوب على الظرف بالمصدر قبله وهو قوله : ( ذو انتقام ) أو منصوب على البدل من قوله : ( يوم يأتيهم العذاب ) {[2423]} وقيل : منصوب بفعل مقدر . أي واذكر يوم تبدل الأرض .
والمراد بالتبديل الذي يأتي على الأرض والسماوات يحتمل وجهين :
الوجه الأول : أن يكون ذلك في الذات ؛ أي تبدل الأرض التي عليها الناس في هذه الدنيا ، فتصير أرضا بيضاء نقية كالفضة ، وكذلك السماوات الحالية المعروفة تبدل سموات أخرى مختلفة اختلافا ذاتيا .
الوجه الثاني : المراد بالتبديل ما كان في الصفة وليس في الذات . قال ابن عباس في هذا المعنى : هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوّى ، فلا يُرى فيه عوج ولا أمت{[2424]} .
قوله : ( والسماوات ) أي تبدل السموات غير السموات . وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يقتل مؤمن كافر ولا ذو عهد في عهده " والمعنى : ولا ذو عهد في عهده بكافر . أما تبديل السماوات ، فهو بانفطارها وانتثار كواكبها وانكدار نجومها وتكوير شمسها وخسوف قمرها وتسجير بحارها . فلا جرم أن ذلك انقلاب كوني هائل مزلزل ، انقلاب يأتي على الكون كله وما حواه من خلائق وأشياء سواء في ذلك الأحياء على اختلاف أنواعها وأجناسها ، أو الكواكب والنجوم ومختلف الأجرام السابحة في أجواز الفضاء الرحيب ، أو ما حوته الأرض من بحار وأنهار ومعادن وبشر . كل أولئك سيأتي عليهم التبديل الكوني المذهل الذي تتغير فيه الصورة والصفات للأشياء جميعا ليصير الوجود إلى عوالم أخرى مختلفة وقد تبدل فيها الحال غير الحال ؛ بل تبدل فيها كل شيء تبديلا .
تلك هي القيامة بفظائعها وقواصمها ودواهيها الجسام . وحينئذ يؤتى بالبشرية جميعها لتناقش الحساب . وهو قوله : ( وبرزوا لله الواحد القهار ) أي في ذلك الزمان العصيب من أهوال القيامة حيث القوارع والشدائد والبلايا يظهر بنو آدم فردا فردا بين يدي الله ( الواحد القهار ) أي الغلاب الذي لا يغالب ، القهار الذي لا يقهر ؛ بل إنه هو الذي يقهر الخلق بما شاء وكيف شاء .
وإنهم يظهرون جميعا أمام الله مكشوفين صاغرين عرايا وقد غشيهم من اليأس والرعب ما تخوى منه القلوب ، وتنهار به الأبدان والأعصاب{[2425]} ، يظهرون جميعا ليناقشوا الحساب فلا استتار حينئذ ولا مناص ولا غياب ، إلا الوقوف بين يدي القاهر الدّيّان .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.