{ وإذ استسقى موسى لقومه } في التيه { فقلنا اضرب بعصاك الحجر } وكان حجرا خفيفا مربعا مثل رأس الرجل ، { فانفجرت } أي فضرب فانفجرت يعني فانشقت { منه اثنتا عشرة عينا } فكان يأتي كل سبط عينهم التي كانوا يشربون منها ، فذلك قوله تعالى : { قد علم كل أناس مشربهم } . وقلنا لهم { كلوا } من المن والسلوى { واشربوا } من الماء فهذا كله { من رزق الله } { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } أي لا تسعوا فيها بالفساد .
الأولى : قوله تعالى : " وإذ استسقى موسى لقومه " كسرت الذال لالتقاء الساكنين والسين سين السؤال مثل استعلم واستخبر واستنصر ، ونحو ذلك أي طلب وسأل السقيَ لقومه . والعرب تقول : سقيته وأسقيته لغتان بمعنى ، قال{[796]} :
سقى قومي بني مجدٍ وأسقَى *** نُمَيراً والقبائل من هلال
وقيل : سقيته من سقي الشفة وأسقيته دللته على الماء .
الثانية : الاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر ، وإذا كان كذلك فالحكم حينئذ إظهار العبودية والفقر والمسكنة والذلة مع التوبة النصوح . وقد استسقى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فخرج إلى المصلى متواضعا متذللا متخشعا مترسلا متضرعا وحسبك به ، فكيف بنا ولا توبة معنا إلا العناد ومخالفة رب العباد ، فأنَّى نسقى ، لكن قد قال صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر : ( ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا ) الحديث . وسيأتي بكماله إن شاء الله .
الثالثة : سنة الاستسقاء الخروج إلى المصلى - على الصفة التي ذكرنا - والخطبة والصلاة ، وبهذا قال جمهور العلماء . وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سنته صلاة ولا خروج ، وإنما هو دعاء لا غير . واحتج بحديث أنس الصحيح أخرجه البخاري ومسلم . ولا حجة له فيه فإن ذلك كان دعاء عجلت إجابته ، فاكتفي به عما سواه ولم يقصد بذلك بيان سنة ، ولما قصد البيان بين بفعله حسب ما رواه عبد الله بن يزيد المازني قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المصلى فاستسقى وحول رداءه ثم صلى ركعتين رواه مسلم . وسيأتي من أحكام الاستسقاء زيادة في سورة " هود{[797]} " إن شاء الله .
الرابعة : قوله تعالى : " فقلنا اضرب بعصاك الحجر " العصا : معروف وهو اسم مقصور مؤنث وألفه منقلبة عن واو ، قال{[798]} :
على عَصْوَيْهَا{[799]} سابِرِيٌّ مُشَبْرَقُ
والجمع عُصِيّ وعِصِيّ وهو فعول ، وإنما كسرت العين لما بعدها من الكسرة ، وأعص أيضا مثله مثل زمن وأزمن ، وفي المثل : " العصا من العصية " أي بعض الأمر من بعض ، وقولهم " ألقى عصاه " أي أقام وترك الأسفار وهو مَثَل . قال :
فألقت عصاها واستقر بها النوى *** كما قر عيناً بالإياب المسافر
وفي التنزيل : " وما تلك بيمينك يا موسى قال هي عصاي أتوكأ عليها " [ طه :17 - 18 ] وهناك{[800]} يأتي الكلام في منافعها إن شاء الله تعالى . قال الفراء : أول لحن سمع بالعراق هذه عصاتي ، وقد يعبر بالعصا عن الاجتماع والافتراق ، ومنه يقال في الخوارج : قد شقوا عصا المسلمين أي اجتماعهم وائتلافهم . وانشقت العصا أي وقع الخلاف قال الشاعر :
إذا كانت الهيجاء وانشقت العصا *** فحسبك والضحاك سيف مهند
أي يكفيك ويكفي الضحاك . وقولهم : لا ترفع عصاك عن أهلك براد به الأدب والله أعلم . والحجر معروف وقياس جمعه في أدنى العدد أحجار ، وفي الكثير حجار وحجارة ، والحجارة نادر . وهو كقولنا : جمل وجمالة ، وذكر وذكارة ، كذا قال ابن فارس والجوهري .
قلت : وفي القرآن " فهي كالحجارة " [ البقرة : 74 ] " وإن من الحجارة " [ البقرة : 74 ] " قل كونوا حجارة " [ الإسراء : 50 ] " ترميهم بحجارة " [ الفيل : 4 ] " وأمطرنا عليهم حجارة " [ الحجر : 74 ] فكيف يكون نادرا ، إلا أن يريدا أنه نادر في القياس كثير في الاستعمال فصيح . والله أعلم .
قوله تعالى : " فانفجرت منه " في الكلام حذف تقديره فضرب فانفجرت . وقد كان تعالى قادرا على تفجير الماء وفلق الحجر من غير ضرب لكن أراد أن بربط المسببات بالأسباب حكمة منه للعباد في وصولهم إلى المراد وليرتب على ذلك ثوابهم وعقابهم في المعاد . والانفجار : الانشقاق ومنه انشق الفجر . وانفجر الماء انفجارا : انفتح . والفجرة : موضع تفجر الماء . والانبجاس أضيق من الانفجار ، لأنه يكون انبجاسا ثم يصير انفجارا . وقيل : انبجس وتبجس وتفجر وتفتق بمعنى واحد حكاه الهروي وغيره .
الخامسة : قوله تعالى : " اثنتا عشرة عينا " " اثنتا " في موضع رفع ب " انفجرت " وعلامة الرفع فيها الألف وأعربت دون نظائرها ؛ لأن التثنية معربة أبدا لصحة معناها . " عينا " نصب على البيان . وقرأ مجاهد وطلحة وعيسى " عشرة " بكسر الشين وهي لغة بني تميم وهذا من لغتهم نادر ؛ لأن سبيلهم التخفيف . ولغة أهل الحجاز " عشْرة " وسبيلهم التثقيل . قال جميعه النحاس . والعين من الأسماء المشتركة يقال : عن الماء وعين الإنسان وعين الركبة{[801]} وعين الشمس . والعَيْن : سحابة تقبل من ناحية القبلة والعين : مطر يدوم خمسا أو ستا لا يقلع . وبلد قليل العَيْن : أي قليل الناس . وما بها عين ، محركة الياء{[802]} والعين : الثقب في المزادة والعَين من الماء مشبهة بالعين من الحيوان لخروج الماء منها كخروج الدمع من عين الحيوان . وقيل : لما كان عين الحيوان أشرف ما فيه شبهت به عين الماء ؛ لأنها أشرف ما في الأرض .
السادسة : لما استسقى موسى عليه السلام لقومه أمر أن يضرب عند استسقائه بعصاه حجرا ، قيل مربعا طوريا ( من الطور ) على قدر رأس الشاة يلقى في كسر جوالق ويرحل به ، فإذا نزلوا وضع في وسط محلتهم ، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى ، وهذا أعظم في الآية والإعجاز . وقيل : إنه أطلق له اسم الحجر ليضرب موسى أي حجر شاء وهذا أبلغ في الإعجاز . وقيل : إن الله تعالى أمره أن يضرب حجرا بعينه بينه لموسى عليه السلام ولذلك ذكر بلفظ التعريف . قال سعيد بن جبير : هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه لما اغتسل وفر بثوبه حتى برأه الله مما رماه به قومه . قال ابن عطية : ولا خلاف أنه كان حجرا منفصلا مربعا تطرد من كل جهة ثلاث عيون إذا ضربه موسى ، وإذا استغنوا عن الماء ورحلوا جفت العيون .
قلت : ما أوتي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من نبع الماء وانفجاره من يده وبين أصابعه أعظم في المعجزة ، فإنا نشاهد الماء يتفجر من الأحجار آناء الليل وآناء النهار ومعجزة نبينا عليه السلام لم تكن لنبي قبل نبينا صلى الله عليه وسلم يخرج الماء من بين لحم ودم . روى الأئمة الثقات والفقهاء الأثبات عن عبد الله قال : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فلم نجد ماء فأتي بتَوْرٍ{[803]} ، فأدخل يده فيه فلقد رأيت الماء يتفجر من بين أصابعه ويقول : ( حي على الطهور ) قال الأعمش : فحدثني سالم بن أبي الجعد قال : قلت لجابر : كم كنتم يومئذ ؟ قال ألفا وخمسمائة . لفظ النسائي .
السابعة : قوله تعالى : " قد علم كل أناس مشربهم " يعني أن لكل سبط منهم عينا قد عرفها لا يشرب من غيرها . والمشرب : موضع الشرب وقيل : المشروب . والأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في العرب ، وهم ذرية الاثني عشر أولاد يعقوب عليه السلام وكان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها . قال عطاء : كان للحجر أربعة أوجه يخرج من كل وجه ثلاث أعين لكل سبط عين لا يخالطهم سواهم . وبلغنا أنه كان في كل سبط خمسون ألف مقاتل سوى خيلهم ودوابهم . قال عطاء : كان يظهر على كل موضع من ضربة موسى مثل ثدي المرأة على الحجر فيعرق أولاً ثم يسيل .
الثامنة : قوله تعالى : " كلوا واشربوا من رزق الله " في الكلام حذف تقديره ، وقلنا لهم كلوا المن والسلوى واشربوا الماء المتفجر من الحجر المنفصل . .
قوله تعالى : " ولا تعثوا في الأرض " أي لا تفسدوا والعيث : شدة الفساد ، نهاهم عن ذلك . يقال : عث يعث عثيا وعثا يعثو عُثُوًّا ، وعاث يعيث عَيْثًا وعُيُوثًا ومَعَاثًا والأول لغة القرآن . ويقال : عث يعث في المضاعف أفسد ومنه العثة ، وهي السوسة التي تلحس الصوف .
قوله تعالى : " مفسدين " حال وتكرر المعنى تأكيدا لاختلاف اللفظ . وفي هذه الكلمات إباحة النعم وتعدادها والتقدم في المعاصي والنهي عنها . .
قوله تعالى : ( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصاك الحجر فافجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) وتلك نعمة عظيمة أخرى أنعمها الله على بني إسرائيل إذ فجرت لهم من الصخر الصلد ينابيع تفيض بالماء فقال : ( وإذ استسقى موسى لقومه ) السين الأولى تفيد الطلب أي أن موسى طلب السقاية لقومه حال كونهم في التيه ، فأوحى الله إليه أن يضرب الحجر بعصاه ، وليس لنا هنا أن نخوض في حقيقة الحجر لنعلم أصله وموضعه وغير ذلك من وجوه المعرفة التي لا تزيد من أهمية القضية شيئا ، فثمة روايات يخالطها الغلو والإفراط ولا تستند إلى الدليل الصحيح الموثوق مما يثير في الذهن الشك وعدم التصديق فمن قائل بأن الحجر كان مربعا طوريا ، نسبة إلى جبل الطور وأنه على قدر رأس الشاة ، وقائل بأنهم لم يكونوا يحملون الحجر لكنهم كانوا يجدونه في كل مرحلة في منزلته من المرحلة الأولى وقائل بأن الله تعالى أمر موسى أن يضرب حجرا بعينه بعد أن بينه له ، وقائل بأنه هو الحجر الذي وضع عليه موسى ثوبه لما اغتسل حتى برأه الله مما رماه به قومه ، الى غير ذلك من الروايات المستمدة في غالبها من الإسرائيليات التي كثيرا ما يعوزها الدليل ، ويخالطها الشك ، وعلى هذا فكل الذي نركن إليه في هذا الصدد أن نبي الله موسى عليه السلام قد ضرب الحجر بعصاه بناء على تكليف من ربه ، فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا من غير أن نخوض في ذلك تفصيلا يقود إلى التكلف .
قوله : ( قد علم كل أناس مشربهم ) كان بنو إسرائيل في التيه كثيرين ، فقضت مشيئة الله المنان أن تتدفق لهم المياه بغزارة ليشربوا في سهولة ويسر ولئلا يتضايقوا أو يتزاحموا فانفجرت من الحجر اثنتا عشرة عينا وفي ذلك ما يسد حاجة بني إسرائيل وزيادة ، وفيه ما يدرأ عنهم حرارة العطش ويفيض عليهم ببركة العيش الهانيء الرخي .
ويبدو أن عدد العيون الدافقة بالماء جاء كفاء لعدد أسباط بني إسرائيل وهم أسباط قد انحروا من نسيل أبيهم يعقوب وكانوا اثني عشر فردا قد تناسلوا وتكاثروا حتى آلوا إلى خلق كثير قارب المليون من النسمات كما يظهر من الأخبار التي تروي مثل هذه القضايا ، وقد علم كل سبط من هؤلاء الأسباط ( مشربهم ) أي موضع شربهم الذي يستقون منه دون تجاوز لغيره ، ليكون في ذلك نظام لهم مطرد تستقيم فيه طريقتهم في الشرب ، فلا يتزاحمون أو يفتاتون .
وقوله : ( كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعتوا في الأرض مفسدين ) يأمرهم أمر إباحة بأن يأخذوا بنصيبهم من خير الله وفضله في المأكل والمشرب ، فيأكلوا المن والسلوى وهما طعامان نافعان جيدان كان اليهود ، يتناولون منهما ما شاؤوا دون تعب ، ويشربون الماء العذب المتفجر من الحجر بإذن الله ، وهو سبحانه نهاهم لذلك عن أن يعيثوا في الأرض مفسدين .
وذلك من الغيث وهو الشدة الفساد ، وكأن العيث في الأرض بالفساد بات ديدنا تصطبغ به طبيعة بني إسرائيل الذين آلوا إلا أن يجحدوا النعم التي تهاطلت عليهم طيلة حياتهم مع أنبيائهم وفي طليعتهم موسى عليه السلام ، وكذلك أن يصموا آذانهم عن كلمات الخير يرددها لهم أنبياؤهم وعلماؤهم ، لكن ذلك كله لم يؤثر في هذه الطبيعة الفاسدة المعطلة إلا تأثيرا هينا ، حتى بقي سوادهم الأعظم يجتر في دخيلته الغش والخداع فانطلقوا في الأرض يعيثون فسادا .