{ قل إنما حرم ربي الفواحش } الكبائر والقبائح { ما ظهر منها وما بطن } سرها وعلانيتها { والإثم } يعني المعصية التي توجب الإثم { والبغي } ظلم الناس وهو أن يطلب ما ليس له { وأن تشركوا بالله } تعدلوا به في العبادة { ما لم ينزل به سلطانا } لم ينزل كتابا فيه حجة { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } من أنه حرم الحرث والأنعام وأن الملائكة بنات الله
قال الكلبي : لما لبس المسلمون الثياب وطافوا بالبيت غيرهم المشركون ، فنزلت هذه الآية . والفواحش : الأعمال المفرطة في القبح ، ما ظهر منها وما بطن . وروى روح بن عبادة عن زكريا بن إسحاق عن ابن أبي نجيح عن مجاهد قال : " ما ظهر منها " نكاح الأمهات في الجاهلية . " وما بطن " الزنى . وقال قتادة : سرها وعلانيتها . وهذا فيه نظر ؛ فإنه ذكر الإثم والبغي فدل أن المراد بالفواحش . بعضها ، وإذا كان كذلك فالظاهر من الفواحش الزنى . والله أعلم . " والإثم " قال الحسن : الخمر . قال الشاعر :
شربت الإثمَ حتى ضلَّ عَقْلِي *** كذاك الإثمُ تذهبُ بالعُقُولِ وقال آخر :
نشرب الإثم بالصواع جهارا *** وترى المسك بيننا مستعارا{[7117]}
" والبغي " الظلم وتجاوز الحد فيه . وقد تقدم . وقال ثعلب : البغي أن يقع الرجل في الرجل فيتكلم فيه ، ويبغي عليه بغير الحق ، إلا أن ينتصر منه بحق . وأخرج الإثم والبغي من الفواحش وهما منه لعظمهما وفحشهما ، فنص على ذكرهما تأكيدا لأمرهما وقصدا للزجر عنهما . وكذا وقد أنكر جماعة أن يكون الإثم بمعنى الخمر . قال الفراء : الإثم ما دون الحد والاستطالة على الناس . قال النحاس : فأما أن يكون الإثم الخمر فلا يعرف ذلك ، وحقيقة الإثم أنه جميع المعاصي ، كما قال الشاعر :
إني وجدت الأمرَ أرشَدُه *** تقوى الإله وشَرُّهُ الإِثْمُ
قلت : وأنكره ابن العربي أيضا وقال : " ولا حجة في البيت{[7118]} ؛ لأنه لو قال : شربت الذنب أو شربت الوزر لكان كذلك ، ولم يوجب قول أن يكون الذنب والوزر اسما من أسماء الخمر كذلك الإثم . والذي أوجب التكلم بمثل هذا الجهل باللغة وبطريق الأدلة في المعاني " .
قلت : وقد ذكرناه عن الحسن . وقال الجوهري في الصحاح : وقد يسمى الخمر إثما ، وأنشد :
وأنشده الهروي في غريبيه ، على أن الخمر الإثم . فلا يبعد أن يكون الإثم يقع على جميع المعاصي وعلى الخمر أيضا لغة ، فلا تناقض . والبغي : التجاوز في الظلم ، وقيل : الفساد .
قوله : { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن } ما في موضع نصب على البدل من الفواحش{[1388]} أي أن الله لم يحرم عليكم الزينة والطيبات مما حلقه لكم وأنعمه عليكم فجعلتموه أنتم حراما على أنفسكم ، ولكن الله حرم { الفواحش ما ظهر منها وما بطن } أي حرم عليكم القبائح من الأشياء مما تفعلونه علانية أو خفية . وقيل : ما ظهر منها يعني طواف أهل الجاهلية بالبيت عراة . وما بطن يعني الزنا . وقيل : غير ذلك .
قوله : { والإثم والبغي بغير الحق } الإثم المعصية أو يوجبه من الذنوب . والبغي : التعدي والظلم وكل مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حد الشيء{[1389]} .
قوله : { وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا } وأن تشركوا ، المصدر من هذه الجملة في موضع نصب معطوف على الفواحش . وكذلك قوله بعدها : { وأن تقولوا على الله } {[1390]} أي كذلك الله حرم عليكم أن تعبدوا معه إلها غيره . والإشراك بالله يأتي في قمة الموبقات والخطايا العظيمات وهو ما لم يجعل الله فيه للمشركين سلطانا ؛ أي حجة وبرهانا .
قوله : { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } أي حرم الله عليكم أن تفتروا الكذب كاتخاذكم الأوثان آلهة مع الله ، وتجردكم من الثياب عند الطواف بالبيت فتطوفون عراة ، وتحريمكم ما أحله الله لكم مما خلقه لكم كتحريم البحائر والسوائب والوصائل والحوامي وغير ذلك مما تزعمون وتفترون وانتم جاهلون لا تعلمون{[1391]} .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.