الكشاف عن حقائق التنزيل للزمخشري - الزمخشري  
{إِنَّ مَعَ ٱلۡعُسۡرِ يُسۡرٗا} (6)

فإن قلت : { إِنَّ مَعَ } للصحبة ، فما معنى اصطحاب اليسر والعسر ؟ قلت : أراد أن الله يصيبهم بيسر بعد العسر الذي كانوا فيه بزمان قريب ، فقرّب اليسر المترقب حتى جعله كالمقارن للعسر ، زيادة في التسلية وتقوية القلوب .

فإن قلت : ما معنى قول ابن عباس وابن مسعود رضي الله عنهما : لن يغلب عسر يسرين ، وقد روي مرفوعاً : أنه خرج صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو يضحك ويقول : « لن يغلب عسر يسرين » قلت : هذا عمل على الظاهر ، وبناء على قوّة الرجاء ، وأن موعد الله لا يحمل إلا على أوفى ما يحتمله اللفظ وأبلغه ، والقول في أنه يحتمل أن تكون الجملة الثانية تكريراً للأولى كما كرر قوله : { وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لّلْمُكَذّبِينَ } [ الطور : 11 ] لتقرير معناها في النفوس وتمكينها في القلوب ، وكما تكرر المفرد في قولك : جاءني زيد زيد ، وأن تكون الأولى عدّة بأنّ العسر مردوف بيسر لا محالة ، والثانية عدة مستأنفة بأنّ العسر متبوع بيسر ، فهما يسران على تقدير الاستئناف ، وإنما كان العسر واحداً لأنه لا يخلو ، إما أن يكون تعريفه للعهد ، وهو العسر الذي كانوا فيه ، فهو هو ؛ لأنّ حكمه حكم زيد في قولك : إن مع زيد مالاً ، إن مع زيد مالاً . وإما أن يكون للجنس الذي يعلمه لك كل أحد فهو هو أيضاً . وأما اليسر فمنكر متناول لبعض الجنس ، فإذا كان الكلام الثاني مستأنفاً غير مكرّر فقد تناول بعضاً غير البعض الأوّل بغير إشكال .

فإن قلت : فما المراد باليسرين ؟ قلت : يجوز أن يراد بهما ما تيسر لهم من الفتوح في أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تيسر لهم في أيام الخلفاء ، وأن يراد يسر الدنيا ويسر الآخرة ، كقوله تعالى : { قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلا إِحْدَى الحسنيين } [ التوبة : 52 ] وهما حسنى الظفر وحسنى الثواب .

فإن قلت : فما معنى هذا التنكير ؟ قلت : التفخيم ، كأنه قيل : إن مع العسر يسراً عظيماً وأيّ يسر ، وهو في مصحف ابن مسعود مرة واحدة .

فإن قلت : فإذا ثبت في قراءته غير مكرر ، فلم قال : والذي نفسي بيده ، لو كان العسر في جحر لطلبه اليسر حتى يدخل عليه ، إنه لن يغلب عسر يسرين ؟ قلت : كأنه قصد باليسرين : ما في قوله : { يُسْراً } من معنى التفخيم ، فتأوله بيسر الدارين ، وذلك يسران في الحقيقة .