اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَأَلۡقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلۡقَفۡ مَا صَنَعُوٓاْۖ إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيۡدُ سَٰحِرٖۖ وَلَا يُفۡلِحُ ٱلسَّاحِرُ حَيۡثُ أَتَىٰ} (69)

قوله : { وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ } وها هنا سؤال ، وهو أنه لم{[25515]} يقل وألق عصاك ؟

والجواب : جاز{[25516]} أن يكون تصغيراً لهما ، أي : لا تبالِ بكثرة{[25517]} حِبالِهِمْ وعِصِيهم ، وألق العُوَيد الفرد الصغير الجرم الذي بيمينك ، فإنَّه بقدرة الله يتلقفها{[25518]} على وحدته وكثرتها ، وصغره وعظمها .

وجاز{[25519]} أن يكون تعظيماً لها أي لا تُخيفك هذه{[25520]} الأجرام الكثيرة فإن في يمينك شيئاً أعظم منها كلها ، وهذه{[25521]} على كثرتها أقل شيء عندها ، فألقه يتلقفها بإذن الله ويمحقها{[25522]} . قوله : { تَلْقَفْ } أي : تَلْقَمْ وتبتلع " مَا{[25523]} صَنَعُوا " بسرعة .

قرأ العامة بفتح اللام وتشديد القاف وجزم الفاء{[25524]} على جواب الأمر{[25525]} ، وقد تقدم أن حفصاً يقرأ " تَلْقَفْ " بسكون اللام وتخفيف القاف{[25526]} ، وقرأ ابن ذكوان هنا " تَلَقَّفُ " بالرفع{[25527]} إما على الحال{[25528]} ، وإما على الاستئناف{[25529]} ، وأنّث الفعل في " تَلْقَفْ " حملاً على معنى " ما " لأن معناها العصا{[25530]} ، ولو ذكَّر ذهاباً إلى لفظها لجاز ولم يقرأ به .

وقال أبو البقاء : إنه يجوز أن يكون فاعل " تَلْقَفْ " ضمير موسى{[25531]} فعلى هذا يجوز أن يكون " تَلْقَفْ " في قراء الرفع حالاً من موسى ، وفيه{[25532]} بُعْد{[25533]} . و ( " صَنَعُوا " ههنا : اختلفوا وزّوَرُوا ){[25534]} والعرب تقول في الكذب : هو{[25535]} كلام مصنوع{[25536]} . قوله : { إِنَّمَا صَنَعُواْ كَيْدُ سَاحِرٍ }{[25537]} العامة على رفع " كَيْد " على أنه خبر " إنَّ " و " مَا " موصولة ، و " صَنَعُوا " صلتها ، والعائد محذوف ، والموصول هو الاسم ، والتقدير : إنَّ الذي صنعوه كَيْدَ سَاحِرٍ{[25538]} .

ويجوز أن تكون " مَا " مصدرية فلا{[25539]} حاجة إلى العائد ، والإعراب بحاله والتقدير : ( إنَّ صُنْعَهُمْ ){[25540]} كيدُ ساحر{[25541]} .

( وقرأ مجاهد وحميد وزيد بن عليّ " كَيْدَ " بالنصب على أنه مفعول به و " مَا " مزيدة مهيئة{[25542]} . وقرأ الأخوان : " كَيْدَ سِحْرٍ " {[25543]} على أن ){[25544]} المعنى{[25545]} : كَيْدُ ذُوِي سِحْرٍ{[25546]} ، ( أو جعلوا نفس السحر مبالغةً وتبييناً للكيد ، أي حيلةَ سحر ، لأنه يكون سحراً وغير سحر ){[25547]} كما تميز{[25548]} سائر الأعداد بما يفسره{[25549]} نحو{[25550]} مائة درهم ، وألف دينار ، ومثله علم فقهٍ وعلمُ نحوٍ{[25551]} . وقال أبو البقاء : " كَيْدُ سَاحِرٍ " {[25552]} إضافة المصدر إلى الفاعل ، و " كَيْدُ سِحْرٍ " إضافة الجنس من النوع{[25553]} . والباقون : ( " سَاحِرٍ " {[25554]} ){[25555]} .

وأفرد{[25556]} ساحِراً وإن كان المراد به جماعة ، قال الزمخشري : لأن القصد في{[25557]} هذا الكلام إلى{[25558]} معنى الجنسية لا إلى{[25559]} معنى العدد ( فلو جمع لَخُيِّلَ أنَّ المقصود هو العدد{[25560]} ){[25561]} . وقرئ{[25562]} " سَاحِرَاً " {[25563]} بالنصب على أن " مَا " كافة{[25564]} . ثم قال : { وَلاَ يُفْلِحُ الساحر حَيْثُ أتى } من الأرض . قال ابن عباس : لا يسعد حيث كان . وقيل معناه : حيث احتال{[25565]} .


[25515]:في الأصل: لو وسقط من ب: لم.
[25516]:في ب: جائز.
[25517]:في ب: لا تمال لكثرة. وهو تحريف.
[25518]:في ب: يلتقفها. وهو تحريف.
[25519]:في ب: وجائز.
[25520]:في الأصل: بهذه. وهو تحريف.
[25521]:في ب: وهي.
[25522]:نظر الكشاف 2/440، الفخر الرازي 22/84.
[25523]:في ب: لما.
[25524]:في ب: الفاعل. وهو تحريف.
[25525]:انظر مشكل إعراب القرآن 2/72، البيان 2/148، البحر المحيط 6/260.
[25526]:في سورة الأعراف عند قوله تعالى: {فإذا هي تلقف ما يأفكون} [الأعراف: 17] وذكر ابن عادل هناك: وقرأ حفص: "تلقف" بتخفيف القاف من لَقِفَ كعلم وركب، يقال: لقفت الشيء ألقفه لقفا ً وتلقفته أتلقفه تلفقا إذا أخذته بسرعة فأكلته أو ابتلعته، ويقال: لقف ولقم بمعنى واحد قاله أبو عبيد. انظر اللباب 4/83.
[25527]:السبعة (420- 421) الحجة لابن خالويه (244) ، الكشف 2/101، النشر 2/321، الإتحاف (305).
[25528]:قال مكي: (قوله: "تلقف" قرأه ابن ذكوان بالرفع، وجزمه الباقون، وخففه حفص وشدده الباقون. وحجة من رفعه أنه جعله حالا من الملقى) الكشف 2/101، وانظر أيضا مشكل إعراب القرآن 2/72، الكشاف 2/440.
[25529]:انظر الكشاف 2/440.
[25530]:انظر البيان 2/148، التبيان 2/896، وجوز ابن الأنباري أن تكون التاء للمخاطب، وتقديره: تلقف أنت. وذكر ذلك أبو البقاء حين جوز أن يكون فاعل "تلقف" ضمير موسى، كما سيأتي.
[25531]:نظر التبيان 2/896.
[25532]:ي الأصل: وبعد.
[25533]:لأن المعنى للعصا وليس لموسى.
[25534]:ا بين القوسين سقط من ب.
[25535]:هو: سقط من ب.
[25536]:انظر الفخر الرازي 22/84.
[25537]:ساحر: سقط من ب.
[25538]:انظر مشكل إعراب القرآن 2/72، البيان 2/148، التبيان 2/897 البحر المحيط 6/260.
[25539]:ي ب: ولا.
[25540]:ا بين القوسين في ب: الذين صنعوا. وهو تحريف.
[25541]:انظر التبيان 2/897، البحر المحيط 6/260.
[25542]:انظر مشكل إعراب القرآن 2/73، تفسير ابن عطية 10/55، التبيان 2/897، البحر المحيط 6/260.
[25543]:وهما حمزة والكسائي. السبعة (421)، الكشف 2/102 النشر 2/321، الإتحاف (305).
[25544]:ما بين القوسين سقط من ب.
[25545]:ي ب: ويجوز أن يكون المعنى.
[25546]:أي: على حذف مضاف.
[25547]:ما بين القوسين سقط من ب.
[25548]:في ب: يفسر.
[25549]:في ب: يميزه.
[25550]:في ب: كـ.
[25551]:نظر الكشاف 2/440، البحر المحيط 6/260.
[25552]:ساحر: سقط من الأصل.
[25553]:التبيان 2/897.
[25554]:السبعة (421)، الكشف 2/102، النشر 2/321، الإتحاف (305).
[25555]:ما بين القوسين سقط من ب.
[25556]:في ب: أفردوا.
[25557]:في ب: إلى. وهو تحريف.
[25558]:في ب: و. وهو تحريف.
[25559]:إلى : سقط من ب.
[25560]:الكشاف 2/440.
[25561]:ما بين القوسين سقط من ب.
[25562]:في ب: و.
[25563]:لم أجد من ذكر هذه القراءة فيمن تيسر لي الرجوع إلى مؤلفاتهم وقرئ "كيد ساحر" بنصب "كيد" وهي قراءة مجاهد وحميد وزيد بن علي كما تقدم.
[25564]:نظر القرطبي 11/224.
[25565]:في ب: خان. وهو تحريف.