اللباب في علوم الكتاب لابن عادل - ابن عادل  
{وَلَقَدۡ كُنتُمۡ تَمَنَّوۡنَ ٱلۡمَوۡتَ مِن قَبۡلِ أَن تَلۡقَوۡهُ فَقَدۡ رَأَيۡتُمُوهُ وَأَنتُمۡ تَنظُرُونَ} (143)

قوله تعالى : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ } قرأ البزي : بتشديد تاء " تَمَنَّوْنَ{[5997]} " ، ولا يمكن ذلك إلا في الوصل ، وقاعدته : أنه يصل ميم الجمع بواو ، وقد تقدم تحرير هذا عند قوله تعالى : { وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } [ البقرة : 267 ] .

قوله : " مِن قَبْلِ " الجمهور على كسر اللام ؛ لأنها مُعْربة ؛ لإضافتها إلى " أنْ " وصلتها .

وقرأ مجاهد وابنُ جبير : { مِنْ قَبْلُ } بضم اللام{[5998]} ، وقطعها عن الإضافة ، كقوله تعالى : { لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ } [ الروم : 4 ] وعلى هذا فَ " أنْ " وَصِلَتُها بدل اشتمال من " الْمَوْتَ " في محل نصب ، أي : تَمَنَّوْنَ لقاء الموت ، كقولك : رَهِبْتُ العَدُوَّ لقاءَه ، والضمير في " تَلْقَوْهُ " فيه وجهان :

أظهرهما : عوده على " الْمَوْتَ " .

والثاني : عوده على العدو ، وإن لم يجر له ذِكْر - لدلالة الحال عليه .

وقرأ الزُّهَرِيُّ ، والنخعيّ{[5999]} " تُلاَقُوه " ، ومعناه معنى " تَلْقَوْه " ؛ لأن " لقي " يستدعي أن يكون بين اثنين - بمادته - وإن لم يكن على المفاعلة .

قوله : { فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } الظاهر أن الرؤية بصرية ، فيكتفى بمفعول واحد .

وجوَّزوا أن تكون علمية ، فتحتاج إلى مفعولٍ ثانٍ ، هو محذوف ، أي : فقد علمتموه حاضراً - أي : الموت - .

إلا أن حَذْف أحد المفعولين في باب " ظن " ليس بالسَّهْل ، حتى إن بعضهم يَخُصُّه بالضرورة ، كقول عنترة : [ الكامل ]

وَلَقَدْ نَزَلْتِ ، فَلاَ تَظُنِّي غَيْرَهُ- *** -مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحَبِّ الْمُكْرَمِ{[6000]}

أي : فلا تظني غيره واقعاً مني .

قوله : { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } يجوز أن تكون جملة حالية - وهي حال مؤكِّدة - رفعت ما تحتمله الرؤية من المجاز ، أو الاشتراك بينها وبين رؤية القلب ، ويجوز أن تكون مستأنفة ، بمعنى : وأنتم تنظرون في فعلكم - الآن - بعد انقضاء الحرب ، هل وَفَّيْتُمْ ، أو خالفتم ؟

وقال ابنُ الأنْبَارِي : " رَأيْتُمُوهُ " ، أي : قابلتموه { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } بعيونكم ، ولهذه العلة ذكر النظر بعد الرؤية حيث اختلف معناهما ؛ لأن الأول بمعنى : المقابلة والمواجهة ، والثاني بمعنى : رؤية العين .

وهذا - أعني : إطلاق الرؤية على المقابلة والمواجهة - غير معروف عند أهل اللسان ، وعلى تقدير صحته ، فتكون الجملة من قوله : { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } جملة حالية مبيِّنة - لا مؤكِّدة - لأنها أفادت معنًى زائداً على معنى عاملها .

ويجوز أن يقدَّر لِ " تَنْظُرُونَ " مفعولاً ، ويجوز أن لا يُقَدَّر ؛ إذ المعنى : وأنتم من أهل النظر .

فصل

قال المفسرون : إنَّ قوماً من المسلمين تَمَنَّوا يوماً كيوم بدر ؛ ليقاتلوا ، وليستشهدوا ، فأراهم الله يومَ أُحُد .

وقوله : { تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ } أي : سبب الموت - وهو الجهاد - { مِن قَبْلِ أَن تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ } يعني : أسبابه ، وذكر النظر بعد الرؤية ؛ تأكيداً - كما قدمناه - .

وقيل : لأن الرؤية قد تكون بمعنى : العلم ، فقال : { وَأَنْتُمْ تَنظُرُونَ } ليعلم أن المراد بالرؤية : هي البصرية .

وقيل : وأنتم تنظرون إلى محمد صلى الله عليه وسلم .


[5997]:ينظر: الدر المصون 2/220.
[5998]:ينظر: الشواذ 22، والمحرر الوجيز 1/515، والبحر المحيط 3/73، والدر المصون 2/220، والصحيح نسبتها إلى مجاهد بن جبر حسب، ولكن المصنف هنا تحرف عليه "ابن جبر" إلى ابن جبير، فظن أنهما اثنان، والصواب كما قدمناه في "المحرر" و"البحر" و"الدرر".
[5999]:ينظر: الشواذ 22، والبحر المحيط 3/73، والمحرر الوجيز 1/515، والدر المصون 2/220، ونسبها القرطبي في تفسيره (4/142) إلى الأعمش.
[6000]:تقدم برقم 877.