قوله تعالى : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } .
تبيينا لما تقدم وتقريرا له ، وذلك لأن السخرية من الغير والعيب إن كان بسبب التفاوت في الدين والإيمان ، فهو جائز لما بينا أن قوله { لا يغتب بعضكم بعضا } وقوله { ولا تلمزوا أنفسكم } منع من عيب المؤمن وغيبته ، وإن لم يكن لذلك السبب فلا يجوز ، لأن الناس بعمومهم كفارا كانوا أو مؤمنين يشتركون فيما يفتخر به المفتخر غير الإيمان والكفر ، والافتخار إن كان بسبب الغنى ، فالكافر قد يكون غنيا ، والمؤمن فقيرا وبالعكس ، وإن كان بسبب النسب ، فالكافر قد يكون نسيبا ، والمؤمن قد يكون عبدا أسود وبالعكس ، فالناس فيما ليس من الدين والتقوى متساوون متقاربون ، وشيء من ذلك لا يؤثر مع عدم التقوى ، فإن كل من يتدين بدين يعرف أن من يوافقه في دينه أشرف ممن يخالفه فيه ، وإن كان أرفع نسبا أو أكثر نشبا ، فكيف من له الدين الحق وهو فيه راسخ ، وكيف يرجح عليه من دونه فيه بسبب غيره ، وقوله تعالى : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى } فيه وجهان ( أحدهما ) من آدم وحواء ( ثانيهما ) كل واحد منكم أيها الموجودون وقت النداء خلقناه من أب وأم ، فإن قلنا إن المراد هو الأول ، فذلك إشارة إلى أن لا يتفاخر البعض على البعض لكونهم أبناء رجل واحد ، وامرأة واحدة ، وإن قلنا إن المراد هو الثاني ، فذلك إشارة إلى أن الجنس واحد ، فإن كل واحد خلق كما خلق الآخر من أب وأم ، والتفاوت في الجنس دون التفاوت في الجنسين ، فإن من سنن التفاوت أن لا يكون تقدير التفاوت بين الذباب والذئاب ، لكن التفاوت الذي بين الناس بالكفر والإيمان كالتفاوت الذي بين الجنسين ، لأن الكافر جماد إذ هو كالأنعام ، بل أضل . والمؤمن إنسان في المعنى الذي ينبغي أن يكون فيه ، والتفاوت في الإنسان تفاوت في الحس لا في الجنس إذ كلهم من ذكر وأنثى ، فلا يبقى لذلك عند هذا اعتبار ، وفيه مباحث :
البحث الأول : فإن قيل هذا مبني على عدم اعتبار النسب ، وليس كذلك فإن للنسب اعتبارا عرفا وشرعا ، حتى لا يجوز تزويج الشريفة بالنبطي ، فنقول إذا جاء الأمر العظيم لا يبقى الأمر الحقير معتبرا ، وذلك في الحس والشرع والعرف ، أما الحس فلأن الكواكب لا ترى عند طلوع الشمس ، ولجناح الذباب دوي ولا يسمع عندما يكون رعد قوي ، وأما في العرف ، فلأن من جاء مع الملك لا يبقى له اعتبار ولا إليه التفات ، إذا علمت هذا فيهما ففي الشرع كذلك ، إذا جاء الشرف الديني الإلهي ، لا يبقى لأمر هناك اعتبار ، لا لنسب ولا لنشب ، ألا ترى أن الكافر وإن كان من أعلى الناس نسبا ، والمؤمن وإن كان من أدونهم نسبا ، لا يقاس أحدهما بالآخر ، وكذلك ما هو من الدين مع غيره ، ولهذا يصلح للمناصب الدينية كالقضاء والشهادة كل شريف ووضيع إذا كان دينا عالما صالحا ، ولا يصلح لشيء منها فاسق ، وإن كان قرشي النسب ، وقاروني النشب ، ولكن إذا اجتمع في اثنين الدين المتين ، وأحدهما نسيب ترجح بالنسب عند الناس لا عند الله لأن الله تعالى يقول { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } وشرف النسب ليس مكتسبا ولا يحصل بسعي .
البحث الثاني : ما الحكمة في اختيار النسب من جملة أسباب التفاخر ، ولم يذكر المال ؟ نقول الأمور التي يفتخر بها في الدنيا وإن كانت كثيرة لكن النسب أعلاها ، لأن المال قد يحصل للفقير فيبطل افتخار المفتخر به ، والحسن والسن ، وغير ذلك غير ثابت دائم ، والنسب ثابت مستمر غير مقدور التحصيل لمن ليس له فاختاره الله للذكر وأبطل اعتباره بالنسبة إلى التقوى ليعلم منه بطلان غيره بالطريق الأولى .
البحث الثالث : إذا كان ورود الآية لبيان عدم جواز الافتخار بغير التقوى فهل لقوله تعالى : { إنا خلقناكم } فائدة ؟ نقول نعم ، وذلك لأن كل شيء يترجح على غيره ، فإما أن يترجح بأمر فيه يلحقه ، ويترتب عليه بعد وجوده ، وإما أن يترجح عليه بأمر هو قبله ، والذي بعده كالحسن والقوة وغيرهما من الأوصاف المطلوبة من ذلك الشيء ، والذي قبله فإما راجع إلى الأصل الذي منه وجد ، أو إلى الفاعل الذي هو له أوجد ، كم يقال في إناءين هذا من النحاس وهذا من الفضة ، ويقال هذا عمل فلان ، وهذا عمل فلان ، فقال تعالى لا ترجيح فيما خلقتم منه لأنكم كلكم من ذكر وأنثى ، ولا بالنظر إلى جاعلين لأنكم كلكم خلقكم الله ، فإن كان بينكم تفاوت يكون بأمور تلحقكم وتحصل بعد وجودكم وأشرفها التقوى والقرب من الله تعالى .
ثم قال تعالى : { وجعلناكم شعوبا وقبائل } وفيه وجهان : ( أحدهما ) { جعلناكم شعوبا } متفرقة لا يدري من يجمعكم كالعجم ، وقبائل يجمعكم واحد معلوم كالعرب وبني إسرائيل ( وثانيهما ) { جعلناكم شعوبا } داخلين في قبائل ، فإن القبيلة تحتها الشعوب ، وتحت الشعوب البطون وتحت البطون الأفخاذ ، وتحت الأفخاذ الفصائل ، وتحت الفصائل الأقارب ، وذكر الأعم لأنه أذهب للافتخار ، لأن لأمر الأعم منها يدخله فقراء وأغنياء كثيرة غير محصورة ، وضعفاء وأقوياء كثيرة غير معدودة ، ثم بين فائدة ذلك وهي التعارف وفيه وجهان : ( أحدهما ) أن فائدة ذلك التناصر لا التفاخر ( وثانيهما ) أن فائدته التعارف لا التناكر ، واللمز والسخرية والغيبة تفضي إلى التناكر لا إلى التعارف وفيه معان لطيفة ( الأولى ) قال تعالى : { إنا خلقناكم } وقال : { وجعلناكم } لأن الخلق أصل تفرع عليه الجعل { شعوبا } فإن الأول هو الخلق والإيجاد ، ثم الاتصاف بما اتصفوا به ، لكن الجعل شعوبا للتعارف والخلق للعبادة كما قال تعالى : { وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } واعتبار الأصل متقدم على اعتبار الفرع ، فاعلم أن النسب يعتبر بعد اعتبار العبادة كما أن الجعل شعوبا يتحقق بعد ما يتحقق الخلق ، فإن كان فيكم عبادة تعتبر فيكم أنسابكم وإلا فلا ( الثانية ) قوله تعالى : { خلقناكم وجعلناكم } إشارة إلى عدم جواز الافتخار لأن ذلك ليس لسعيكم ولا قدرة لكم على شيء من ذلك ، فكيف تفتخرون بما لا مدخل لكم فيه ؟ فإن قيل الهداية والضلال كذلك لقوله تعالى : { إنا هديناه السبيل } { نهدي به من نشاء } فنقول أثبت الله لنا فيه كسبا مبنيا على فعل ، كم قال الله تعالى : { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا } .
ثم قال تعالى : { وما تشاءون إلا أن يشاء الله } وأما في النسب فلا ( الثالثة ) قوله تعالى : { لتعارفوا } إشارة إلى قياس خفي ، وبيانه هو أنه تعالى قال : إنكم جعلتم قبائل لتعارفوا وأنتم إذا كنتم أقرب إلى شريف تفتخرون به فخلقكم لتعرفوا ربكم ، فإذا كنتم أقرب منه وهو أشرف الموجودات كان الأحق بالافتخار هناك من الكل الافتخار بذلك ( الرابعة ) فيه إرشاد إلى برهان يدل على أن الافتخار ليس بالأنساب ، وذلك لأن القبائل للتعارف بسبب الانتساب إلى شخص فإن كان ذلك الشخص شريفا صح الافتخار في ظنكم ، وإن لم يكن شريفا لم يصح ، فشرف ذلك الرجل الذي تفتخرون به هو بانتسابه إلى فصيلة أو باكتساب فضيلة ، فإن كان بالانتساب لزم الانتهاء ، وإن كان بالاكتساب فالدين الفقيه الكريم المحسن صار مثل من يفتخر به المفتخر ، فكيف يفتخر بالأب وأب الأب على من حصل له من الحظ والخير ما فضل به نفسه عن ذلك الأب والجد ؟ اللهم إلا أن يجوز شرف الانتساب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن أحدا لا يقرب من الرسول في الفضيلة حتى يقول أنا مثل أبيك ، ولكن في هذا النسب أثبت النبي صلى الله عليه وسلم الشرف لمن انتسب إليه بالاكتساب ، ونفاه لمن أراد الشرف بالانتساب ، فقال : «نحن معاشر الأنبياء لا نورث » . وقال : «العلماء ورثة الأنبياء » أي لا نورث بالانتساب ، وإنما نورث بالاكتساب ، سمعت أن بعض الشرفاء في بلاد خراسان كان في النسب أقرب الناس إلى علي عليه السلام غير أنه كان فاسقا ، وكان هناك مولى أسود تقدم بالعلم والعمل ، ومال الناس إلى التبرك به فاتفق أنه خرج يوما من بيته يقصد المسجد ، فأتبعه خلق فلقيه الشريف سكران ، وكان الناس يطردون الشريف ويبعدونه عن طريقه ، فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ وقال له : يا أسود الحوافر والشوافر ، يا كافر ابن كافر ، أنا ابن رسول الله ، أذل وتجل ! وأذم وتكرم ! وأهان وتعان ! فهم الناس بضربه فقال الشيخ : لا هذا محتمل منه لجده ، وضربه معدود لحده ، ولكن يا أيها الشريف بيضت باطني وسودت باطنك ، فيرى الناس بياض قلبي فوق سواد وجهي فحسنت ، وأخذت سيرة أبيك وأخذت سيرة أبي ، فرآني الخلق في سيرة أبيك ورأوك في سيرة أبي فظنوني ابن أبيك وظنوك ابن أبي ، فعملوا معك ما يعمل مع أبي ، وعملوا معي ما يعمل مع أبيك !
قوله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } وفيه وجهان : ( أحدهما ) أن المراد من يكون أتقى يكون عند الله أكرم أي التقوى تفيد الإكرام ( ثانيهما ) أن المراد أن من يكون أكرم عند الله يكون أتقى أي الإكرام يورث التقوى كما يقال : المخلصون على خطر عظيم ، والأول أشهر والثاني أظهر لأن المذكور ثانيا ينبغي أن يكون محمولا على المذكور أولا في الظاهر فيقال الإكرام للتقي ، لكن ذوا العموم في المشهور هو الأول ، يقال ألذ الأطعمة أحلاها أي اللذة بقدر الحلاوة لا أن الحلاوة بقدر اللذة ، وهي إثبات لكون التقوى متقدمة على كل فضيلة ، فإن قيل التقوى من الأعمال والعلم أشرف ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : «لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد » نقول التقوى ثمرة العلم قال الله تعالى : { إنما يخشى الله من عباده العلماء } فلا تقوى إلا للعالم فالمتقي العالم أتم علمه ، والعالم الذي لا يتقي كشجرة لا ثمرة لها ، لكن الشجرة المثمرة أشرف من الشجرة التي لا تثمر بل هو حطب ، وكذلك العالم الذي لا يتقي حصب جهنم ، وأما العابد الذي يفضل الله عليه الفقيه فهو الذي لا علم له ، وحينئذ لا يكون عنده من خشية الله نصاب كامل ، ولعله يعبده مخافة الإلقاء في النار ، فهو كالمكره ، أو لدخول الجنة ، فهو يعمل كالفاعل له أجرة ويرجع إلى بيته ، والمتقي هو العالم بالله ، المواظب لبابه ، أي المقرب إلى جنابه عنده يبيت . وفيه مباحث :
البحث الأول : الخطاب مع الناس والأكرم يقتضي اشتراك الكل في الكرامة ولا كرامة للكافر ، فإنه أضل من الأنعام وأذل من الهوام . نقول ذلك غير لازم مع أنه حاصل بدليل قوله تعالى : { ولقد كرمنا بني ءادم } لأن كل من خلق فقد اعترف بربه ، كأنه تعالى قال من استمر عليه لو زاد زيد في كرامته ، ومن رجع عنه أزيل عنه أثر الكرامة ( الثاني ) ما حد التقوى ومن الأتقى ؟ تقول أدنى مراتب التقوى أن يجتنب العبد المناهي ويأتي بالأوامر ولا يقر ولا يأمن إلا عندهما فإن اتفق أن ارتكب منهيا لا يأمن ولا يتكل له بل يتبعه بحسنة ويظهر عليه ندامة وتوبة ، ومتى ارتكب منهيا وما تاب في الحال واتكل على المهلة في الأجل ومنعه عن التذاكر طول الأمل فليس بمتق ، أما الأتقى فهو الذي يأتي بما أمر به ويترك ما نهى عنه ، وهو مع ذلك خاش ربه لا يشتغل بغير الله ، فينور الله قلبه ، فإن التفت لحظة إلى نفسه أو ولده جعل ذلك ذنبه ، وللأولين النجاة لقوله تعالى : { ثم ننجي الذين اتقوا } وللآخرين السوق إلى الجنة لقوله تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } فبين من أعطاه السلطان بستانا وأسكنه فيه ، وبين من استخلصه لنفسه يستفيد كل يوم بسبب القرب من بساتين وضياعا بون عظيم .
قوله تعالى : { إن الله عليم خبير } أي عليم بظواهركم ، يعلم أنسابكم خبير ببواطنكم لا تخفى عليه أسراركم ، فاجعلوا التقوى عملكم وزيدوا في التقوى كما زادكم .
{ يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى } من آدم وحواء عليهما السلام فالكل سواء في ذلك فلا وجه للتفاخر بالنسب ومن هذا قوله :
الناس في عالم التمثيل أكفاء *** أبوهم آدم والأم حواء
وجوز أن يكون المراد هنا أنا خلقنا كل واحد منكم من أب وأم ، ويبعده عدم ظهور ترتب ذم التفاخر بالنسب عليه والكلام مساق له كما ينبئ عنه ما بعد ، وقيل : هو تقرير للأخوة المانعة عن الاغتياب وعدم ظهور الترتب عليه على حاله مع أن ملاءمة ما بعد له دون ملاءمته للوجه السابق لكن وجه تقريره للأخوة ظاهر .
{ وجعلناكم شُعُوباً وَقَبَائِلَ } الشعوب جمع شعب بفتح الشين وسكون العين وهم الجمع العظيم المنتسبون إلى أصل واحد ، وهو يجمع القبائل ، والقبيلة تجمع العمائر ، والعمارة بفتح العين وقد تكسر تجمع البطون ، والبطن تجمع الأفخاذ ، والفخذ تجمع الفصائل ، فخزيمة شعب وكنانة قبيلة وقريش عمارة وقصى بطن وهاشم فخذ والعباس فضيلة ؛ وسميت الشعوب لأن القبائل تشعبت منها ، وهذا هو الذي عليه أكثر أهل النسب واللغة ، ونظم ذلك بعض الأدباء فقال :
قبيلة فوقها شعب وبعدهما *** عمارة ثم بطن تلوه فخذ
وليس يؤوي الفتى إلا فصيلته *** ولا سداد لسهم ماله قذذ
وذكر بعضهم العشيرة بعد الفصيلة فقال :
اقصد الشعب فهو أكثر حي *** عدداً في الحساب ثم القبيلة
ثم يتلوهما العمارة ثم البطن *** ثم الفخذ وبعد الفصيلة
ثم من بعدها العشيرة لكن *** هي في جنب ما ذكرنا قليله
وحكى أبو عبيد عن ابن الكلبي عن أبيه تقديم الشعب ثم القبيلة ثم الفصيلة ثم العمارة ثم الفخذ فأقام الفصيلة مقام العمارة والعمارة مقام الفصيلة في ذكرها قبل الفخذ ولم يذكر ما يخالفه ، وقيل : الشعوب في العجم والقبائل في العرب والأسباط في بني إسرائيل ، وأيد كون الشعوب في العجم ما في حديث مسروق أن رجلاً من الشعوب أسلم فكانت تؤخذ منه الجزية ؛ فإن الشعوب فيه فسرت بالعجم لكن قيل : وجهه على ما تقدم أن الشعب ما تشعب منه قبائل العرب والعجم فخص بأحدهما ، ويجوز أن يكون جمع الشعوبي وهو الذي يصغر شأن العرب ولا يرى لهم فضلاً على غيرهم كيهود ومجوس في جمع المجوسي واليهودي ، ومنهم أبو عبيدة وكان خارجياً وقد ألف كتاباً في مثالب العرب ، وابن غرسية وله رسالة فصيحة في تفضيل العجم على العرب ، وقد رد عليه علماء الأندلس برسائل عديدة .
وقيل : الشعوب عرب اليمن من قحطان والقبائل ربيعة ومضر وسائر عدنان ، وقال قتادة . ومجاهد . والضحاك : الشعب النسب الأبعد والقبيلة الأقرب ، وقيل : الشعوب الموالي والقبائل العرب ، وقال أبو روق : الشعوب الذين ينتسبون إلى المدائن والقرى والقبائل العرب الذين ينتسبون إلى آبائهم { لتعارفوا } علة للجعل أي جعلناكم كذلك ليعرف بعضكم بعضاً فتصلوا الأرحام وتبينوا الأنساب والتوارث لا لتفاخروا بالآباء والقبائل ، والحصر مأخوذ من التخصيص بالذكر والسكوت في معرض البيان .
وقرأ الأعمش { لتتعارفوا } بتاءين على الأصل ، ومجاهد . وابن كثير في رواية . وابن محيصن بإدغام التاء في التاء ، وابن عباس . وأبان عن عاصم { وَقَبَائِلَ لتعارفوا } بكسر الراء مضارع عرف ، قال ابن جني : والمفعول محذوف أي لتعرفوا ما أنتم محتاجون إليه كقوله :
وما علم الإنسان إلا ليعلما *** أي ليعلم ما علمه وما أعذب هذا الحذف وما أغربه لمن يعرف مذهبه .
/ واختير في المفعول المقدر قرابة بعضكم من بعض ، وقوله تعالى : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } تعليل للنهي عن التفاخر بالأنساب المستفاد من الكلام بطريق الاستئناف الحقيقي كأنه قيل : إن الأكرم عند الله تعالى والأرفع منزلة لديه عز وجل في الآخرة والدنيا هو الأتقى فإن فاخرتم ففاخروا بالتقوى . وقرأ ابن عباس { أن } بفتح الهمزة على حذف لام التعليل كأنه قيل : لم لا تتفاخروا بالأنساب ؟ فقيل : لأن أكرمكم عند الله تعالى أتقاكم لا أنسبكم فإن مدار كمال النفوس وتفاوت الأشخاص هو التقوى فمن رام نيل الدرجات العلا فعليه بها .
وفي «البحر » أن ابن عباس قرأ { وَأَن أَكْرَمَكُمْ } بفتح الهمزة فاحتمل أن يكون { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ } الخ معمولاً { لتعارفوا } وتكون اللام في { لتعارفوا } لام الأمر وهو أجود من حيث المعنى ، وأما إن كانت لام كي فلا يظهر المعنى إذ ليس جعلهم شعوباً وقبائل لأن يعرفوا أن أكرمهم عند الله تعالى أتقاهم فإن جعلت مفعولاً { لتعارفوا } محذوفاً أي لتعرفوا الحق لأن أكرمكم عند الله أتقاكم ساغ في اللام أن تكون لام كي اه وهو كما ترى .
{ إِنَّ الله عَلِيمٌ } بكم وبأعمالكم { خَبِيرٌ } بباطن أحوالكم . روي أنه لما كان يوم فتح مكة أذن بلال على الكعبة فغضب الحرث بن هشام . وعتاب بن أسيد وقالا : أهذا العبد الأسود يؤذن على ظهر الكعبة فنزلت .
وعن ابن عباس سبب نزولها قول ثابت بن قيس لرجل لم يفسح له عند النبي صلى الله عليه وسلم يا ابن فلانة فوبخه النبي عليه الصلاة والسلام وقال : إنك لا تفضل أحداً إلا في الدين والتقوى ونزلت . وأخرج أبو داود في مراسيله . وابن مردويه . والبيهقي في سننه عن الزهري قال : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بني بياضة أن يزوجوا أبا هند امرأة منهم فقالوا : يا رسول الله أنزوج بناتنا موالينا ؟ فأنزل الله تعالى : { رَّحِيمٌ يأَيُّهَا الناس إِنَّا خلقناكم مّن ذَكَرٍ وأنثى } الآية .
قال الزهري : نزلت في أبي هند خاصة وكان حجام النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية ابن مردويه من طريق الزهري عن عروة عن عائشة أنه عليه الصلاة والسلام قال : أنكحوا أبا هند وأنكحوا إليه ونزلت : { يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس } الآية في ذلك ، وعن يزيد بن شجرة مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في سوق المدينة فرأى غلاماً أسود يقول : من اشتراني فعلى شرط لا يمنعني عن الصلوات الخمس خلف رسول الله عليه الصلاة والسلام فاشتراه رجل فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يراه عند كل صلاة ففقده فسأل عنه صاحبه فقال : محموم فعاده ثم سأل عنه بعد أيام فقال : هو لما به فجاءه وهو في ذمائه فتولى غسله ودفنه فدخل على المهاجرين والأنصار أمر عظيم فنزلت ، وفي القلب من صحة هذا شيء والله تعالى أعلم .
وقد دلت على أنه لا ينبغي التفاخر بالأنساب وبذلك نطقت الأخبار . أخرج ابن مردويه . والبيهقي في «شعب الإيمان » . وعبد بن حميد . والترمذي . وغيرهم عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم طاف يوم الفتح على راحلته يستلم الأركان بمحجنه فلما خرج لم يجد مناخاً فنزل على أيدي الرجال فخطبهم فحمد الله تعالى وأثنى عليه ، وقال : الحمد لله الذي أذهب عنكم عبية الجاهلية وتكبرها يا أيها الناس الناس رجلان بر تقي كريم على الله وفاجر شقي هين على الله الناس كلهم بنو آدم وخلق الله آدم من تراب قال الله تعالى : { يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأثنى } إلى قوله تعالى : { خَبِيرٌ } ثم قال : أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ، وأخرج البيهقي . وابن مردويه عن جابر بن عبد الله قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في وسط أيام التشريق خطبة الوداع فقال : يا أيها الناس ألا إن ربكم واحد لا فضل لعربي على عجمي ولا لعجمي على عربي ولا لأسود على أحمر ولا لأحمر على أسود إلا بالتقوى { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم } ألا هل بلغت ؟ قالوا : بلى يا رسول الله قال : فليبلغ الشاهد الغائب ، وأخرج البيهقي عن أبي أمامة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الله أذهب نخوة الجاهلية وتكبرها بابآئها كلكم لآدم وحواء كطف الصاع بالصاع وإن أكرمكم عند الله أتقاكم فمن أتاكم ترضون دينه وأمانته فزوجوه " وأخرج أحمد . وجماعة نحوه لكن ليس فيه { فَمَنْ * ءاتاكم } الخ .
وأخرج البزار عن حذيفة قال : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كلم بنو آدم وآدم خلق من تراب ولينتهين قوم يفخرون بآبائهم أو ليكونن أهون على الله من الجعلان " وأخرج الطبراني . وابن مردويه عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :
" يقول الله يوم القيامة أيها الناس إني جعلت نسباً وجعلتم نسباً فجعلت أكرمكم عند الله أتقاكم فأبيتم إلا أن تقولوا : فلان بن فلان وفلان أكرم من فلان وإني اليوم أرفع نسبي واضع نسبكم ألا إن أوليائي المتقون " وأخرج الخطيب عن علي كرم الله تعالى وجهه نحوه مرفوعاً .
وأخرج أحمد . والبخاري في تاريخه . وأبو يعلى . والبغوي . وابن قانع . والطبراني . والبيهقي في «شعب الإيمان » عن أبي ريحانة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزاً وكبراً فهو عاشرهم في النار " وأخرج البخاري . والنسائي عن أبي هريرة قال : " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أي الناس أكرم ؟ قال : أكرمهم عند الله أتقاهم قالوا : ليس عن هذا نسألك قال : فأكرم الناس يوسف نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله قالوا : ليس عن هذا نسألك قال : فعن معادن العرب تسألوني ؟ قالوا : نعم قال : خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا " والأحاديث في هذا الباب أكثر من أن تحصى . وفي الآية إشارة إلى وجه رد التفاخر بالنسب حيث أفادت أن شرف النسب غير مكتسب { وَأَن لَّيْسَ للإنسان إِلاَّ مَا سعى } [ النجم : 39 ] وأنه لا فرق بين النسيب وغيره من جهة المادة لاتحاد ما خلقا منه ، ولا من جهة الفاعل لأنه هو الله تعالى الواحد ، فليس للنسب شرف يعول عليه ويكون مداراً للثواب عند الله عز وجل ، ولا أحد أكرم من أحد عنده سبحانه إلا بالتقوى وبها نكمل النفس وتتفاضل الأشخاص ، وهذا لا ينافي كون العرب أشرف من العجم وتفاوت كل من العرب والعجم في الشرف ، فقد ذكروا أن الفرس أشرف من النبط ، وبنو إسرائيل أفضل من القبط . وأخرج مسلم . وغيره عن واثلة بن الأسقع قال : " قال صلى الله عليه وسلم إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم " لأن ذلك ليس إلا باعتبار الخصال الحميدة ، فشرف العرب على العجم مثلاً ليس إلا باعتبار أن الله تعالى امتازهم على من سواهم بفضائل جمة وخصال حميدة كما صحت به الأحاديث ، وقد جمع الكثير منها العلامة ابن حجر الهيتمي في كتابه مبلغ الإرب في فضائل العرب ، ولا نعني بذلك أن كل عربي ممتاز على كل عجمي بالخصال الحميدة بل إن المجموع ممتاز على المجموع ، ثم إن أشرف العرب نسباً أولاد فاطمة رضي الله تعالى عنها لأنهم ينسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم كما صرح به جمع من الفقهاء . وأخرج الطبراني عن فاطمة رضي الله تعالى عنها قالت : " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كل بني آدم ينتمون إلى عصبة إلا ولد فاطمة فأنا وليهم وأنا عصبتهم " وفي رواية له عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه «كل ابن أنثى كان عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فأنا عصبتهم وأنا أبوهم » ونوزع في صحة ذلك ، ورمز الجلال السيوطي للأول بأنه حسن ، وتعقب وليس الأمر موقوفاً على ما ذكر لظهور دليله . وقد أخرج أحمد . والحاكم في «المستدرك » عن المسور بن مخرمة ولا كلام فيه قال : " قال صلى الله عليه وسلم فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها وأن الأنساب كلها تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري " وحديث بضعية فاطمة رضي الله تعالى عنها مخرج في «صحيح البخاري » أيضاً ، قال الشريف السمهودي : ومعلوم أن أولادها بضعة منها فيكونون بواسطتها بضعة منه صلى الله عليه وسلم ، وهذا غاية الشرف لأولادها ، وعدم انقطاع نسبه صلى الله عليه وسلم جاء أيضاً في حديث أخرجه ابن عساكر عن عمر رضي الله تعالى عنه مرفوعاً بلفظ " كل نسب وصهر ينقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري " والذهبي وإن تعقبه بقوله : فيه ابن وكيع لا يعتمد لكن استدرك ذلك بأنه ورد فيه مرسل حسن ، ويعلم مما ذكر ونحوه كما قال المناوي عظيم نفع الانتساب إليه صلى الله عليه وسلم ، ولا يعارضه ما في أخبار أخر من حثه عليه الصلاة والسلام لأهل بيته على خشية الله تعالى واتقائه سبحانه وأنه عليه الصلاة والسلام لا يغني عنهم من الله تعالى شيئاً حرصاً على إرشادهم وتحذيراً لهم من أن يتكلوا على النسب فتقصر خطاهم عن اللحوق بالسابقين من المتقين ، وليجتمع لهم الشرفان شرف التقوى وشرف النسب ، ورعاية لمقام التخويف خاطبهم عليه الصلاة والسلام بقوله : " لا أغني عنكم من الله شيئاً " والمراد لا أغنى عنكم شيئاً بمجرد نفسي من غير ما يكرمني الله تعالى به من نحو شفاعة فيكم ومغفرة منه تعالى لكم ، وهو عليه الصلاة والسلام لا يملك لأحد نفعاً ولا ضراً إلا بتمليك الله تعالى ، والله سبحانه يملكه نفع أمته والأقربون أولى بالمعروف .
فعلى هذا لا بأس بقول الرجل : أنا من ذرية رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجه التحدث بالنعمة أو نحو ذلك من المقاصد الشرعية . وقد نقل المناوي عن ابن حجر أنه قال نهيه صلى الله عليه وسلم عن التفاخر بالأنساب موضعه مفاخرة تقتضي تكبراً واحتقار مسلم ، وعلى ما ذكرناه أولاً جاء قوله عليه الصلاة والسلام : " إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل " الحديث ، وقوله صلى الله عليه وسلم : " أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب " إلى غير ذلك ، ومع شرف الانتساب إليه عليه الصلاة والسلام لا ينبغي لمن رزقه أن يجعله عاطلاً عن التقوى ويدنسه بمتابعة الهوى ، فالحسنة في نفسها حسنة وهي من بيت النبوة أحسن ، والسيئة في نفسها سيئة وهي من أهل بيت النبوة أسوأ ، وقد يبلغ اتباع الهوى بذلك النسيب الشريف إلى حيث يستحي أن ينسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وربما ينكر نسبه . وعليه قيل لشريف سيء الأفعال :
قال النبي مقال صدق لم يزل *** يحلو لدى الأسماع والأفواه
إن فاتكم أصل امرىء ففعاله *** تنبيكم عن أصله المتناهي
وأراك تسفر عن فعال لم تزل *** بين الأنام عديمة الأشباه
وتقول إني من سلالة أحمد *** أفأنت تصدق أم رسول الله
ولا يلومن الشريف إلا نفسه إذا عومل حينئذٍ بما يكره وقدم عليه من هو دونه في النسب بمراحل ، كما يحكي أن بعض الشرفاء في بلاد خراسان كان أقرب الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أنه كان فاسقاً ظاهر الفسق وكان هناك موسى أسود تقدم في العلم والعمل فأكب الناس على تعظيمه فاتفق أن خرج يوماً من بيته يقصد المسجد فاتبعه خلق كثير يتبركون به فلقيه الشريف سكران فكان الناس يطردونه عن طريقه فغلبهم وتعلق بأطراف الشيخ وقال : يا أسود الحوافر والمشافر يا كافر أنا ابن كافر ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذل وأنت تجل وأهان وأنت تعان فهم الناس بضربه فقال الشيخ : لا تفعلوا هذا محتمل منه لجده ومعفو عنه وإن خرج عن حده ، ولكن أيها الشريف بيضت باطني وسودت باطنك فرؤي بياض قلبي فوق سواد وجهي فحسنت وسواد قلبك فوق بياض وجهك فقبحت ؛ وأخذت سيرة أبيك وأخذت سيرة أبي فرآني الخلق في سيرة أبيك ورأوك في سيرة أبي فظنوني ابن أبيك وظنوك ابن أبي فعملوا معك ما يعمل مع أبي وعملوا معي ما يعمل مع أبيك ، ولهذا ونحو قيل :
ولا ينفع الأصل من هاشم *** إذا كانت النفس من باهلة
أي لا ينفع في الامتياز على ذوي الخصال السنية إذا كانت النفس في حد ذاتها باهلية ردية ومن الكمالات عرية ، فإن باهلة في الأصل اسم امرأة من همدان كانت تحت معن بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان فنسب ولده إليها ، وقيل : بنو باهلة وهم قوم معروفون بالخساسة ، قيل : كانوا يأكلون بقية الطعام مرة ثانية وكانوا يأخذون عظام الميتة يطبخونها ويأخذون دسوماتها فاستنقصتهم العرب جداً حتى قيل لعربي أترضى أن تكون باهلياً وتدخل الجنة فقال : لا إلا بشرط أن لا يعلم أهل الجنة أني باهلي ، وقيل :
إذا قيل للكلب يا باهلي *** عوى الكلب من شؤم هذا النسب
ولم يجعلهم الفقهاء لذلك أكفاء لغيرهم من العرب لكن لا يخلو ذلك من نظر ، فإن النص أعني «إن العرب بعضهم أكفاء لبعض » لم يفصل مع أنه صلى الله عليه وسلم كان أعلم بقبائل العرب وأخلاقهم وقد أطلق ؛ وليس كل باهلي كما يقولون بل فيهم الأجواد ، وكون فصيلة منهم أو بطن صعاليك فعلوا ما فعلوا لا يسري في حق الكل اللهم إلا أن يقال : مدار الكفاءة وعدمها على العار وعدمه في المعروف بين الناس فمتى عدوا الباهلية عاراً وشاع استنقاصها فيما بينهم وأبتها نفوسهم اعتبر ذلك وإن لم يكن عن أصل أصيل ، وهذا نظير ما ذكروا فيما إذا اشترى الشخص داراً فتبين أن الناس يستشئمونها أنه بالخيار مع قول الجل من العلماء بنفي الشؤم المتعارف بين الناس اعتباراً لكون ذلك مما ينقص الثمن بين الناس وإن لم يكن له أصل فتأمله ، وبالجملة شرف النسب مما اعتبر جاهلية وإسلاماً ، أما جاهلية فأظهر من أن يبرهن عليه ، وأما إسلاماً فيدل عليه اعتبار الكفاءة في النسب في باب النكاح على الوجه المفصل في كتب الفقه ، ولم يخالف في ذلك فيما نعلم إلا الإمام مالك . والثوري . والكرخي من الحنفية ، وبعض ما تقدم من الأخبار يؤيد كلامهم لكن أجيب عنه في محله ، وكذا يدل عليه ما ذكروه في بيان شرائط الإمامة العظمى من أنه يشترط فيها كون الإمام قرشياً ، وقد أجمعوا على ذلك كما قال الماوردي ، ولا اعتبار بضرار . وأبي بكر الباقلاني حيث شذا فجوزاها في جميع الناس ، وقال الشافعية : فإن لم يوجد قرشي أي مستجمع لشروط الإمامة اعتبر كون الإمام كنانياً من ولد كنانة بن خزيمة ، فإن تعذر اعتبر كونه من بني إسماعيل عليه السلام ، فإن تعذر اعتبر كونه من جرهم لشرفهم بصهارة إسماعيل عليه السلام إلى غير ذلك ، ومع هذا كله فالتقوى التقوى فالاتكال على النسب وترك النفس وهواها من ضعف الرأي وقلة العقل ، ويكفي في هذا الفصل قوله تعالى لنوح عليه السلام في ابنه كنعان : { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح } [ هود : 46 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : " سلمان منا أهل البيت " فالحزم اللائق بالنسيب أن يتقي الله تعالى ويكتسب من الخصال الحميدة ما لو كانت في غير نسيب لكفته ليكون قد زاد على الزبد شهداً وعلق على جيد الحسناء عقداً ؛ ولا يكتفي بمجرد الانتساب إلى جدود سلفوا ليقال له : نعم الجدود ولكن بئس ما خلفوا ، وقد ابتلى كثير من الناس بذلك فترى أحدهم يفتخر بعظم بال وهو عري كالإبرة من كل كمال . ويقول : كان أبي كذا وكذا وذاك وصف أبيه فافتخاره به نحو افتخار الكوسج بلحية أخيه ، ومن هنا قيل :
واعجب شيء إلى عاقل *** أناس عن الفضل مستأخره
إذا سئلوا ما لهم من علا *** أشاروا إلى أعظم ناخره
وقال الفاضل السري عبد الباقي أفندي العمري :
أقول لمن غدا في كل وقت *** يباهينا بأسلاف عظام
أتقنع بالعظام وأنت تدري *** بأن الكلب يقنع بالعظام
لم يجدك الحسب العالي بغير تقى *** مولاك شيئاً فحاذر واتق الله
وابغ الكرامة في نيل الفخار به *** فأكرم الناس عند الله أتقاها
وأكثر ما رأينا ذلك الافتخار البارد عند أولاد مشايخ الزوايا الصوفية فإنهم ارتكبوا كل رذيلة وتعروا عن كل فضيلة ومع ذلك استطالوا بآبائهم على فضلاء البرية واحتقروا أناساً فاقوهم حسباً ونسباً وشرفوهم أماً وأباً وهذا هو الضلال البعيد والحمق الذي ليس عليه مزيد ، ولولا خشية السأم لأطلقنا في هذا الميدان عنان كميت القلم على أن فيما ذكرنا كفاية لمن أخذت بيده العناية والله تعالى أعلم .
{ 13 } { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ }
يخبر تعالى أنه خلق بني آدم ، من أصل واحد ، وجنس واحد ، وكلهم من ذكر وأنثى ، ويرجعون جميعهم إلى آدم وحواء ، ولكن الله [ تعالى ] بث منهما رجالاً كثيرا ونساء ، وفرقهم ، وجعلهم شعوبًا وقبائل أي : قبائل صغارًا وكبارًا ، وذلك لأجل أن يتعارفوا ، فإنهم لو استقل كل واحد منهم بنفسه ، لم يحصل بذلك ، التعارف الذي يترتب عليه التناصر والتعاون ، والتوارث ، والقيام بحقوق الأقارب ، ولكن الله جعلهم شعوبًا وقبائل ، لأجل أن تحصل هذه الأمور وغيرها ، مما يتوقف على التعارف ، ولحوق الأنساب ، ولكن الكرم بالتقوى ، فأكرمهم عند الله ، أتقاهم ، وهو أكثرهم طاعة وانكفافًا عن المعاصي ، لا أكثرهم قرابة وقومًا ، ولا أشرفهم نسبًا ، ولكن الله تعالى عليم خبير ، يعلم من يقوم منهم بتقوى الله ، ظاهرًا وباطنًا ، ممن يقوم بذلك ، ظاهرًا لا باطنًا ، فيجازي كلا ، بما يستحق .
وفي هذه الآية دليل على أن معرفة الأنساب ، مطلوبة مشروعة ، لأن الله جعلهم شعوبًا وقبائل ، لأجل ذلك .