مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (14)

قوله تعالى : { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم } .

لما قال تعالى : { إن أكرمكم عند الله أتقاكم } والأتقى لا يكون إلا بعد حصول التقوى ، وأصل الإيمان هو الاتقاء من الشرك ، قالت الأعراب لنا النسب الشريف ، وإنما يكون لنا الشرف ، قال الله تعالى : ليس الإيمان بالقول ، إنما هو بالقلب . فما آمنتم لأنه خبير يعلم ما في الصدور ، { ولكن قولوا أسلمنا } أي انقدنا واستسلمنا ، قيل إن الآية نزلت في بني أسد ، أظهروا الإسلام في سنة مجدبة طالبين الصدقة ولم يكن قلبهم مطمئنا بالإيمان ، وقد بينا أن ذلك كالتاريخ للنزول لا للاختصاص بهم ، لأن كل من أظهر فعل المتقين وأراد أن يصير له ما للأتقياء من الإكرام لا يحصل له ذلك ، لأن التقوى من عمل القلب ، وقوله تعالى : { قل لم تؤمنوا } في تفسيره مسائل :

المسألة الأولى : قال تعالى : { ولا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا } وقال هاهنا { قل لم تؤمنوا } مع أنهم ألقوا إليهم السلام ، نقول إشارة إلى أن عمل القلب غير معلوم واجتناب الظن واجب ، وإنما يحكم بالظاهر فلا يقال لمن يفعل فعلا هو مرائي ، ولا لمن أسلم هو منافق ، ولكن الله خبير بما في الصدور ، إذا قال فلان ليس بمؤمن حصل الجزم ، وقوله تعالى : { قل لم تؤمنوا } فهو الذي جوز لنا ذلك القول ، وكان معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم حيث أطلعه الله على الغيب وضمير قلوبهم ، فقال لنا : أنتم لا تقولوا لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا لعدم علمكم بما في قلبه .

المسألة الثانية : لم ولما حرفا نفي ، وما وإن ولا كذلك من حروف النفي ، ولم ولما يجزمان وغيرهما من حروف النفي لا يجزم ، فما الفرق بينهما ؟ نقول لم ولما يفعلان بالفعل ما لا يفعل به غيرهما ، فإنهما يغيران معناه من الاستقبال إلى المضي ، تقول لم يؤمن أمس وآمن اليوم ، ولا تقول لا يؤمن أمس ، فلما فعلا بالفعل ما لم يفعل به غيرهما جزم بهما ، فإن قيل مع هذا لم جزم بهما غاية ما في الباب أن الفرق حصل ، ولكن ما الدليل على وجوب الجزم بهما ؟ نقول لأن الجزم والقطع يحصل في الأفعال الماضية ، فإن من قال قام حصل القطع بقيامه ، ولا يجوز أن يكون ما قام والأفعال المستقبلة إما متوقعة الحصول وإما ممكنة غير متوقعة ، ولا يحصل القطع والجزم فيه ، فإذا كان لم ولما يقلبان اللفظ من الاستقبال إلى المضي كانا يفيدان الجزم والقطع في المعنى فجعل لهما تناسبا بالمعنى وهو الجزم لفظا ، وعلى هذا نقول السبب في الجزم ما ذكرنا ، وهذا في الأمر يجزم كأنه جزم على المأمور أنه يفعله ولا يتركه ، فأي فائدة في أن اللفظ يجزم مع أن الفعل فيه لا بد من وقوعه وأن في الشرط تغير ، وذلك لأن إن تغير معنى الفعل من المضي إلى الاستقبال إن لم تغيره من الاستقبال إلى المضي ، تقول : إن جئتني جئتك ، وإن أكرمتني أكرمتك ، فلما كان إن مثل لم في كونه حرفا ، وفي لزوم الدخول على الأفعال وتغييره معنى الفعل صار جازما لشبه لفظي ، أما الجزاء فجزم لما ذكرنا من المعنى ، فإن الجزاء يجزم بوقوعه عند وجود الشرط ، فالجزم إذا إما لمعنى أو لشبه لفظي ، كما أن الجزاء كذلك في الإضافة وفي الجر بحرف .

المسألة الثالثة : قوله تعالى : { ولكن قولوا } يقتضي قولا سابقا مخالفا لما بعده ، كقولنا لا تقدموا آمنا ولكن قولوا أسلمنا وفي ترك التصريح به إرشاد وتأديب كأنه تعالى لم يجز النهي عن قولهم { آمنا } فلم يقل لا تقولوا آمنا وأرشدهم إلى الامتناع عن الكذب فقال : { لم تؤمنوا } فإن كنتم تقولون شيئا فقولوا أمرا عاما ، لا يلزم منه كذبكم وهو كقولهم { أسلمنا } فإن الإسلام بمعنى الانقياد حصل .

المسألة الرابعة : المؤمن والمسلم واحد عند أهل السنة ، فكيف يفهم ذلك مع هذا ؟ نقول بين العام والخاص فرق ، فالإيمان لا يحصل إلا بالقلب وقد يحصل باللسان ، والإسلام أعم لكن العام في صورة الخاص متحد مع الخاص ولا يكون أمرا آخر غيره ، مثاله الحيوان أعم من الإنسان لكن الحيوان في صورة الإنسان ليس أمرا ينفك عن الإنسان ولا يجوز أن يكون ذلك الحيوان حيوانا ولا يكون إنسانا ، فالعام والخاص مختلفان في العموم متحدان في الوجود ، فكذلك المؤمن والمسلم ، وسنبين ذلك في تفسير قوله تعالى : { فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين * فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين } إن شاء الله تعالى .

المسألة الخامسة : قوله تعالى : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } هل فيه معنى قوله تعالى : { قل لم تؤمنوا } ؟ نقول نعم وبيانه من وجوه الأول : هو أنهم لما قالوا آمنا وقيل لهم { لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا } قالوا إذا أسلمنا فقد آمنا ، قيل لا فإن الإيمان من عمل القلب لا غير والإسلام قد يكون عمل اللسان ، وإذا كان ذلك عمل القلب ولم يدخل في قلوبكم الإيمان لم تؤمنوا الثاني : لما قالوا آمنا وقيل لهم لم تؤمنوا قالوا جدلا قد آمنا عن صدق نية مؤكدين لما أخبروا فقال : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } لأن لما يفعل يقال في مقابلة قد فعل ، ويحتمل أن يقال بأن الآية فيها إشارة إلى حال المؤلفة إذا أسلموا ويكون إيمانهم بعده ضعيفا قال لهم { لم تؤمنوا } لأن الإيمان إيقان وذلك بعد لم يدخل في قلوبكم وسيدخل باطلاعكم على محاسن الإسلام { وإن تطيعوا الله ورسوله } يكمل لكم الأجر ، والذي يدل على هذا هو أن لما فيها معنى التوقع والانتظار ، والإيمان إما أن يكون بفعل المؤمن واكتسابه ونظره في الدلائل ، وإما أن يكون إلهاما يقع في قلب المؤمن فقوله { قل لم تؤمنوا } أي ما فعلتم ذلك ، وقوله تعالى : { ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } أي ولا دخل الإيمان في قلبكم إلهاما من غير فعلكم فلا إيمان لكم حينئذ . ثم إنه تعالى عند فعلهم قال : { لم تؤمنوا } بحرف ليس فيه معنى الانتظار لقصور نظرهم وفتور فكرهم ، وعند فعل الإيمان قال لما يدخل بحرف فيه معنى التوقع لظهور قوة الإيمان ، كأنه يكاد يغشي القلوب بأسرها .

قوله تعالى : { وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم } أي لا ينقصكم والمراد أنكم إذا أتيتم بما يليق بضعفكم من الحسنة فهو يؤتيكم ما يليق به من الجزاء ، وهذا لأن من حمل إلى ملك فاكهة طيبة يكون ثمنها في السوق درهما ، وأعطاه الملك درهما أو دينارا ينسب الملك إلى قلة العطاء بل البخل ، فليس معناه أنه يعطي مثل ذلك من غير نقص ، بل المعنى يعطي ما تتوقعون بأعمالكم من غير نقص . وفيه تحريض على الإيمان الصادق ، لأن من أتى بفعل من غير صدق نية يضيع عمله ولا يعطي عليه أجرا فقال : { وإن تطيعوا } وتصدقوا لا ينقص عليكم ، فلا تضيعوا أعمالكم بعدم الإخلاص ، وفيه أيضا تسلية لقلوب من تأخر إيمانه ، كأنه يقول غيري سبقني وآمن حين كان النبي وحيدا وآواه حين كان ضعيفا ، ونحن آمنا عندما عجزنا عن مقاومته وغلبنا بقوته ، فلا يكون لإيماننا وقع ولا لنا عليه أجر ، فقال تعالى إن أجركم لا ينقص وما تتوقعون تعطون ، غاية ما في الباب أن التقدم يزيد في أجورهم ، وماذا عليكم إذا أرضاكم الله أن يعطي غيركم من خزائن رحمته رحمة واسعة ، وما حالكم في ذلك إلا حال ملك أعطى واحدا شيئا وقال لغيره ماذا تتمنى ؟ فتمنى عليه بلدة واسعة وأموالا فأعطاه ووفاه ، ثم زاد ذلك الأول أشياء أخرى من خزائنه فإن تأذى من ذلك يكون بخلا وحسدا ، وذلك في الآخرة لا يكون ، وفي الدنيا هو من صفة الأرازل ، وقوله تعالى : { إن الله غفور رحيم } أي يغفر لكم ما قد سلف ويرحمكم بما أتيتم به .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{۞قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (14)

{ قَالَتِ الاعراب ءامَنَّا } قال مجاهد : نزلت في بني إسد بن خزيمة قبيلة تجاور المدينة أظهروا الإسلام وقلوبهم دغلة إنما يحبون المغانم وعرض الدنيا ، ويروى أنهم قدموا المدينة في سنة جدبة فأظهروا الشهادتين وكانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم : جئناك بالأثقال والعيال ولم نقاتلك كما قاتلك بنو فلان يريدون بذكر ذلك الصدقة ويمنون به على النبي عليه الصلاة والسلام ، وقيل : هم مزينة . وجهينة . وأسلم . وأشجع . وغفار قالوا : آمنا فاستحقينا الكرامة فرد الله تعالى عليهم ، وأياً ما كان فليس المراد بالأعراب العموم كما قد صرح به قتادة . وغيره ، وإلحاق الفعل علامة التأنيث لشيوع اعتبار التأنيث في الجموع حتى قيل :

لا تبالي بجمعهم *** كل جمع مؤنث

والنكتة في اعتباره ههنا الإشارة على قلة عقولهم على عكس ما روعي في قوله تعالى : { وَقَالَ نِسْوَةٌ } [ يوسف : 30 ] { قُل لَّمْ تُؤْمِنُواْ } إكذاب لهم بدعوى الإيمان إذ هو تصديق مع الثقة وطمأنينة القلب ولم يحصل لهم وإلا لما منوا على الرسول صلى الله عليه وسلم بترك المقاتلة كما دل عليه آخر السورة { ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } فإن الإسلام انقياد ودخول في السلم وهو ضد الحرب وما كان من هؤلاء مشعر به ، وكان الظاهر لم تؤمنوا ولكن أسلمتم أو لا تقولوا آمنا ولكن قولوا أسلمنا لتحصل المطابقة لكن عدل عن الظاهر اكتفاء بحصولها من حيث المعنى مع إدماج فوائد زوائد ، بيان ذلك أن الغرض المسوق له الكلام توبيخ هؤلاء في منهم بإيمانهم بأنهم خلوا عنه أولاً وبأنهم الممتنون إن صدقوا ثانياً ، فالأصل في الإرشاد إلى جوابهم قل كذبتم ولكن أخرج إلى ما هو عليه المنزل ليفيد عدم المكافحة بنسبة الكذب ، وفيه حمل له عليه الصلاة والسلام على الأدب في شأن الكل ليصير ملكة لأتباعه وأن لا يلبسوا جلد النمر لمن يخاطبهم به وتلخيص ما كذبوا فيه .

ومن الدليل على أنه الأصل قوله تعالى في الآية التالية : { أُوْلَئِكَ هُمُ الصادقون } [ الحجرات : 15 ] تعريضاً بأن الكذب منحصر فيهم ، وأوثر على لا تقولوا آمنا لاستهجان ذلك لاسيما من النبي صلى الله عليه وسلم المبعوث للدعوة إلى الإيمان ، على أن إفادة { لَّمْ تُؤْمِنُواْ } لمعنى كذبتم أظهر من إفادة لا تقولوا آمنا كما لا يخفى ، ثم قوبل بقوله سبحانه : { ولكن قُولُواْ أَسْلَمْنَا } كأنه قيل : قل لم تؤمنوا فلا تكذبوا ولكن قولوا أسلمنا لتفوزوا بالصدق إن فاتكم الإيمان والتصديق ولو قيل : ولكن أسلمتم لم يؤد هذا المعنى ، وفيه تلويح بأن إسلامهم وهو خلو عن التصديق غير معتد به ولو قيل ولكن أسلمتم لكان ذلك موهماً أن ذلك معتد به والمطلوب كماله بالإيمان ولا يحتاج هذا إلى أن يقال : القول في المنزل مستعمل في معنى الزعم ، وقيل : في الآية احتباك والأصل لم تؤمنوا فلا تقولوا آمنا ولكن أسلمتم فقولوا أسلمنا فحذف من كل من الجملتين ما أثبت في الأخرى والأول أبلغ وألطف { وَلَمَّا يَدْخُلِ الايمان فِى قُلُوبِكُمْ } حال من ضمير { قُولُواْ } كأنه قيل : قولوا أسلمنا ما دمتم على هذه الصفة ، وفيه إشارة إلى توقع دخول الإيمان في قلوبهم بعد فليس هذا النفي مكرراً مع قوله تعالى : { لَّمْ تُؤْمِنُواْ } وقيل : الجملة مستأنفة ولا تكرار أيضاً لأن لما تفيد النفي الماضي المستمر إلى زمن الحال بالإجماع وتفيد أن منفيها متوقع خلافاً لأبي حيان و لم لا تفيد شيئاً من ذلك بلا خلاف فلا حاجة في دفع التكرار إلى القول بالحالية وجعل الجملة توقيتاً للقول المأمور به { وَإِن تُطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ } بالإخلاص وترك النفاق { لاَ يَلِتْكُمْ مّنْ أعمالكم } لا ينقصكم { شَيْئاً } من أجورها أو شيئاً من النقص يقال لاته يليته ليتاً إذا نقصه ، ومنه ما حكى الأصمعي عن أم هشام السلولية الحمد لله الذي لا يفات ولا يلات ولا تصمه الأصوات .

وقرأ الحسن . والأعرج . وأبو عمرو { لا } من ألت يألت بضم اللام وكسرها ألتاً وهي لغة أسد وغطفان ، قال الحطيئة :

أبلغ سراة بني سعد مغلغلة *** جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا

والأولى لغة الحجاز والفعل عليها أجوف وعلى الثانية مهموز الفاء ، وحكى أبو عبيدة ألات يليت { واعلموا أَنَّ الله غَفُورٌ } لما فرط من المطيعين { رَّحِيمٌ } بالتفضل عليهم .

ومن باب الإشارة : { قَالَتِ الاعراب ءامَنَّا } [ الحجرات : 14 ] إلى آخره فيه إشارة إلى أنه ينبغي ترك رؤية الأعمال والعلم بأن المنة في الهداية لله الملك المتعال ، وفيه إرشاد إلى كيفية مخاطبة الجاهلين والرد على المحجوبين كما سلفت الإشارة إليه ، هذا ونسأل الله تعالى التوفيق لما يرضاه يوم العرض عليه .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{۞قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (14)

{ 14-18 } { قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم * يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ }

يخبر تعالى عن مقالة الأعراب ، الذين دخلوا في الإسلام في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، دخولاً من غير بصيرة ، ولا قيام بما يجب ويقتضيه الإيمان ، أنهم ادعوا مع هذا وقالوا : آمنا أي : إيمانًا كاملاً ، مستوفيًا لجميع أموره هذا موجب هذا الكلام ، فأمر الله رسوله ، أن يرد عليهم ، فقال : { قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا } أي : لا تدعوا لأنفسكم مقام الإيمان ، ظاهرًا ، وباطنًا ، كاملاً .

{ وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا } أي : دخلنا في الإسلام ، واقتصروا على ذلك .

{ و } السبب في ذلك ، أنه { لَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } وإنما آمنتم خوفًا ، أو رجاء ، أو نحو ذلك ، مما هو السبب في إيمانكم ، فلذلك لم تدخل بشاشة الإيمان في قلوبكم ، وفي قوله : { وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } أي : وقت هذا الكلام ، الذي صدر منكم فكان فيه إشارة إلى أحوالهم بعد ذلك ، فإن كثيرًا منهم ، من الله عليهم بالإيمان الحقيقي ، والجهاد في سبيل الله ، { وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } بفعل خير ، أو ترك شر { لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا } أي : لا ينقصكم منها ، مثقال ذرة ، بل يوفيكم إياها ، أكمل ما تكون لا تفقدون منها ، صغيرًا ، ولا كبيرًا ، { إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } أي : غفور لمن تاب إليه وأناب ، رحيم به ، حيث قبل توبته .