قوله تعالى : { واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون } .
ولنذكر في تفسير هذه الآية ما قيل وما يجوز أن يقال ، أما ما قيل فلنختر أحسنه وهو ما اختاره الزمخشري فإنه بحث في تفسير هذه الآية بحثا طويلا ، فقال قوله تعالى : { لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } ليس كلاما مستأنفا لأدائه إلى تنافر النظم ، إذ لا تبقى مناسبة بين قوله { واعلموا } وبين قوله { لو يطيعكم } ثم وجه التعلق هو أن قوله { لو يطيعكم } في تقدير حال من الضمير المرفوع في قوله { فيكم } كان التقدير كائن فيكم ، أو موجود فيكم ، على حال تريدون أن يطيعكم أو يفعل باستصوابكم ، ولا ينبغي أن يكون في تلك الحال ، لأنه لو فعل ذلك { لعنتم } أو لوقعتم في شدة أو أولمتم به .
قوله تعالى : { ولكن الله حبب إليكم الإيمان } خطابا مع بعض من المؤمنين غير المخاطبين بقوله { لو يطيعكم } قال الزمخشري اكتفى بالتغاير في الصفة واختصر ولم يقل حبب إلى بعضكم الإيمان ، وقال أيضا بأن قوله تعالى : { لو يطيعكم } دون أطاعكم يدل على أنهم كانوا يريدون استمرار تلك الحالة ، ودوام النبي صلى الله عليه وسلم على العمل باستصوابهم ، ولكن يكون ما بعدها على خلاف ما قبلها ، وهاهنا كذلك وإن لم يكن تحصل المخالفة بتصريح اللفظ لأن اختلاف المخاطبين في الوصف يدلنا على ذلك لأن المخاطبين أولا بقوله { لو يطيعكم } هم الذين أرادوا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يعمل بمرادهم ، والمخاطبين بقوله { حبب إليكم الإيمان } هم الذين أرادوا عملهم بمراد النبي صلى الله عليه وسلم ، هذا ما قاله الزمخشري واختاره وهو حسن ، والذي يجوز أن يقال وكأنه هو الأقوى أن الله تعالى لما قال : { إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا } أي فتثبتوا واكشفوا قال بعده : { واعلموا أن فيكم رسول الله } أي الكشف سهل عليكم بالرجوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم فإنه فيكم مبين مرشد ، وهذا كما يقول القائل عند اختلاف تلاميذ شيخ في مسألة : هذا الشيخ قاعد لا يريد بيان قعوده ، وإنما يريد أمرهم بالمراجعة إليه ، وذلك لأن المراد منه أنه لا يطيعكم في كثير من الأمر ، وذلك لأن الشيخ فيما ذكرنا من المثال لو كان يعتمد على قول التلاميذ لا تطمئن قلوبهم بالرجوع إليه ، أما إذا كان لا يذكر إلا من النقل الصحيح ، ويقرره بالدليل القوي يراجعه كل أحد ، فكذلك هاهنا قال استرشدوه فإنه يعلم ولا يطيع أحدا فلا يوجد فيه حيف ولا يروج عليه زيف ، والذي يدل على أن المراد من قوله { لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم } بيان أنه لا يطيعكم هو أن الجملة الشرطية في كثير من المواضع ترد لبيان امتناع لشرط لامتناع الجزاء كما في قوله تعالى :
{ لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } وقوله تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } فإنه لبيان أنه ليس فيهما آلهة وأنه ليس من عند غير الله .
قوله تعالى : { ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم } إشارة إلى جواب سؤال يرد على قوله { فتبينوا } وهو أن يقع لواحد أن يقول إنه لا حاجة إلى المراجعة وعقولنا كافية بها أدركنا الإيمان وتركنا العصيان فكذلك نجتهد في أمورنا ، فقال ليس إدراك الإيمان بالاجتهاد ، بل الله بين البرهان وزين الإيمان حتى حصل اليقين ، وبعد حصول اليقين لا يجوز التوقف والله إنما أمركم بالتوقف عند تقليد قول الفاسق ، وما أمركم بالعناد بعد ظهور البرهان ، فكأنه تعالى قال : توقفوا فيما يكون مشكوكا فيه لكن الإيمان حببه إليكم بالبرهان فلا تتوقفوا في قبوله ، وعلى قولنا المخاطب بقوله { حبب إليكم } هو المخاطب بقوله { لو يطيعكم } إذا علمت معنى الآية جملة ، فاسمعه مفصلا ولنفصله في مسائل :
المسألة الأولى : لو قال قائل إذا كان المراد بقوله { واعلموا أن فيكم رسول الله } الرجوع إليه والاعتماد على قوله ، فلم لم يقل بصريح اللفظ فتبينوا وراجعوا النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وما الفائدة في العدول إلى هذا المجاز ؟ نقول الفائدة زيادة التأكيد وذلك لأن قول القائل فيما ذكرنا من المثال هذا الشيخ قاعد آكد في وجوب المراجعة إليه من قوله راجعوا شيخكم ، وذلك لأن القائل يجعل وجوب المراجعة إليه متفقا عليه ، ويجعل سبب عدم الرجوع عدم علمهم بقعوده ، فكأنه يقول : إنكم لا تشكون في أن الكاشف هو الشيخ ، وأن الواجب مراجعته فإن كنتم لا تعلمون قعدوه فهو قاعد فيجعل حسن المراجعة أظهر من أمر القعود كأنه يقول خفي عليكم قعوده فتركتم مراجعته ، ولا يخفى عليكم حسن مراجعته ، فيجعل حسن مراجعته أظهر من الأمر الحسي ، بخلاف ما لو قال راجعوه ، لأنه حينئذ يكون قائلا بأنكم ما علمتم أن مراجعته هو الطريق ، وبين الكلامين بون بعيد ، فكذلك قوله تعالى : { واعلموا أن فيكم رسول الله } يعني لا يخفى عليكم وجوب مراجعته ، فإن كان خفي عليكم كونه فيكم ، فاعلموا أنه فيكم فيجعل حسن المراجعة أظهر من كونه فيهم حيث ترك بيانه وأخذ في بيان كونه فيهم ، وهذا من المعاني العزيزة التي توجد في المجازات ولا توجد في الصريح .
المسألة الثانية : إذا كان المراد من قوله { لو يطيعكم } بيان كونه غير مطيع لأحد بل هو متبع للوحي فلم لم يصرح به ؟ نقول بيان نفي الشيء مع بيان دليل النفي أتم من بيانه من غير دليل ، والجملة الشرطية بيان النفي مع بيان دليله فإن قوله ( ليس فيهما آلهة ) لو قال قائل : لم قلت إنه ليس فيهما آلهة يجب أن يذكر الدليل فقال : { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } فكذلك هاهنا لو قال لا يطيعكم ، وقال قائل لم لا يطيع لوجب أن يقال لو أطاعكم لأطاعكم لأجل مصلحتكم ، لكن لا مصلحة لكم فيه لأنكم تعنتون وتأثمون وهو يشق عليه عنتكم ، كما قال تعالى : { عزيز عليه ما عنتم } فإن طاعتكم لا تفيده شيئا فلا يطيعكم ، فهذا نفي الطاعة بالدليل وبين نفي الشيء بدليل ونفيه بغير دليل فرق عظيم .
المسألة الثالثة : قال { في كثير من الأمر } ليعلم أنه قد يوافقهم ويفعل بمقتضى مصلحتهم تحقيقا لفائدة قوله تعالى : { وشاورهم في الأمر } .
المسألة الرابعة : إذا كان المراد بقوله تعالى { حبب إليكم الإيمان } ، فلا تتوقفوا فلم لم يصرح به ؟ قلنا لما بيناه من الإشارة إلى ظهور الأمر يعني أنتم تعلمون أن اليقين لا يتوقف فيه ، إذ ليس بعده مرتبة حتى يتوقف إلى بلوغ تلك المرتبة لأن من بلغ إلى درجة الظن فإنه يتوقف إلى أن يبلغ درجة اليقين ، فلما كان عدم التوقف في اليقين معلوما متفقا عليه لم يقل فلا تتوقفوا بل قال حبب إليكم الإيمان ، أي بينه وزينه بالبرهان اليقيني .
المسألة الخامسة : ما المعنى في قوله { حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم } نقول قوله تعالى : { حبب إليكم } أي قربه وأدخله في قلوبكم ثم زينه فيها بحيث لا تفارقونه ولا يخرج من قلوبكم ، وهذا لأن من يحب أشياء فقد يمل شيئا منها إذا حصل عنده وطال لبثه والإيمان كل يوم يزداد حسنا ، ولكن من كانت عبادته أكثر وتحمله لمشاق التكليف أتم ، تكون العبادة والتكاليف عنده ألذ وأكمل ، ولهذا قال في الأول : { حبب إليكم } وقال ثانيا : { وزينه في قلوبكم } كأنه قربه إليهم ثم أقامه في قلوبهم .
المسألة السادسة : ما الفرق بين الأمور الثلاثة وهي الكفر والفسوق والعصيان ؟ فنقول هذه أمور ثلاثة في مقابلة الإيمان الكامل لأن الإيمان الكامل المزين ، هو أن يجمع التصديق بالجنان والإقرار باللسان والعمل بالأركان ( أحدها ) قوله تعالى : { وكره إليكم الكفر } وهو التكذيب في مقابلة التصديق بالجنان والفسوق هو الكذب ( وثانيها ) هو ما قبل هذه الآية وهو قوله تعالى : { إن جاءكم فاسق بنبإ } سمي من كذب فاسقا فيكون الكذب فسوقا ( ثالثها ) ما ذكره بعد هذه الآية ، وهو قوله تعالى : { بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } فإنه يدل على أن الفسوق أمر قولي لاقترانه بالاسم ، وسنبين تفسيره إن شاء الله تعالى ( ورابعها ) وجه معقول وهو أن الفسوق هو الخروج عن الطاعة على ما علم في قول القائل : فسقت الرطبة إذا خرجت ، وغير ذلك لأن الفسوق هو الخروج زيد في الاستعمال كونه الخروج عن الطاعة ، لكن الخروج لا يكون له ظهور بالأمر القلبي ، إذ لا اطلاع على ما في القلوب لأحد إلا لله تعالى ، ولا يظهر بالأفعال لأن الأمر قد يترك إما لنسيان أو سهو ، فلا يعلم حال التارك والمرتكب أنه مخطئ أو متعمد ، وأما الكلام فإنه حصول العلم بما عليه حال المتكلم ، فالدخول في الإيمان والخروج منه يظهر بالكلام فتخصيص الفسوق بالأمر القولي أقرب ، وأما العصيان فترك الأمر وهو بالفعل أليق ، فإذا علم هذا ففيه ترتيب في غاية الحسن ، وهو أنه تعالى كره إليكم الكفر وهو الأمر الأعظم كما قال تعالى : { إن الشرك لظلم عظيم } .
قوله تعالى : { والفسوق } يعني ما يظهر لسانكم أيضا ، ثم قال : { والعصيان } وهو دون الكل ولم يترك عليكم الأمر الأدنى وهو العصيان ، وقال بعض الناس الكفر ظاهر والفسوق هو الكبيرة ، والعصيان هو الصغيرة ، وما ذكرناه أقوى .
ثم قال تعالى : { أولئك هم الراشدون } .
خطابا مع النبي صلى الله عليه وسلم وفيه معنى لطيف : وهو أن الله تعالى في أول الأمر قال : { واعلموا أن فيكم رسول الله } أي هو مرشد لكم فخطاب المؤمنين للتنبيه على شفقته بالمؤمنين ، فقال في الأول كفى النبي مرشدا لكم ما تسترشدونه فأشفق عليهم وأرشدهم ، وعلى هذا قوله { الراشدون } أي الموافقون للرشد يأخذون ما يأتيهم وينتهون عما ينهاهم .
{ واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله } عطف على ما قبله ، و { أن } بما في حيزها سادّ مسدّ مفعولي { اعلموا } باعتبار ما قيد به من الحال وهو قوله عز وجل : { لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مّنَ الامر لَعَنِتُّمْ } أي لوقعتم في الجهد والهلاك فإنه حال من أحد الضميرين في { فيكُمْ } الضمير المستتر المرفوع وهو ضمير الرسول أو البارز المجرور وهو ضمير المخاطبين ، وتقديم خبر أن للحضر المستتبع زيادة التوبيخ ، وصيغة المضارع للاستمرار فلو لامتناع استمرار طاعته عليه الصلاة والسلام لهم في كثير مما يعن لهم من الأمور ، وكون المراد استمرار الامتناع نظير ما قيل في قوله تعالى : { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [ البقرة : 38 ] من أن المراد استمرار النفي ليس بذاك ، وفي الكلام إشعار بأنهم زينوا بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم الإيقاع بالحرث وقومه وقد أريد أن ينعى عليهم ذلك بتنزيلهم منزلة من لا يعلم أنه عليه الصلاة والسلام بين أظهرهم . فقيل : واعلموا أنه فيكم لا في غيركم كأنهم حسبوه لعدم تأدبهم وما بدر منهم الفرطة بين أظهر أقوام آخرين كائناً على حال يجب عليكم تغييرها أو وأنتم على كذلك وهو ما تريدون من استتباع رأيه لرأيكم وطاعته لكم مع أن ذلك تعكيس وموجب لوقوعكم في العنت ، وفيه مبالغات من أوجه : أحدها : إيثار { لَوْ } ليدل على الفرض والتقدير وأن ما بدر من من التزيين كان من حقه أن يفرض كما يفرض الممتنعات ، والثاني : ما في العدول إلى المضارع من تصوير ما كانوا عليه وتهجينه مع التوبيخ بإرادة استمرار ما حقه أن يكون مفروضاً فضلاً عن الوقوع ، والثالث : ما في العنت من الدلالة على أشد المحذور فإنه الكسر بعد الجبر والرمز الخفي على أنه ليس بأول بادرة . والرابع : ما في تعميم الخطاب والحري به غير الكمل من التعريض ليكون أردع لمرتكبه وأزجر لغيره كأنه قيل : يا أيها الذين آمنوا تبينوا إن جاءكم فاسق ولا تكونوا أمثال هؤلاء ممن استفزه النبأ قبل تعرف صدقه ثم لا يقنعه ذلك حتى يريد أن يستتبع رأي من هو المتبوع على الإطلاق فيقع هو ويقع غيره في العنت والإرهاق واعلموا جلالة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفادوا عن أشباه هذه الهنات ، وقوله عز وجل :
{ ولكن الله حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الايمان وَزَيَّنَهُ فِى قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان } استدراك على ما يقتضيه الكلام فإن { لَوْ يُطِيعُكُمْ } خطاب كما سمعت للبعض الغير الكمل عمم للفوائد المذكورة والمحبب إليهم الإيمان هم الكمل فكأنه قيل : ولكن الله حبب إلى بعضكم الإيمان وعدل عنه لنداء الصفة به ، وعليه قول بعض المفسرين هم الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ، والإشارة بقوله تعالى : { أُوْلَئِكَ هُمُ الرشدون } إليهم ، وفيه نوع من الالتفات ، والخطاب فيه للرسول صلى الله عليه وسلم كأنه تعالى يبصره عليه الصلاة والسلام ما هم فيه من سبق القدم في الرشاد أي إصابة الطريق السوي ، فحاصل المعنى أنتم على الحال التي ينبغي لكم تغييرها وقد بدر منكم ما بدر ولكن ثم جمعا عما أنتم عليه من تصديق الكاذب وتزيين الإيقاع بالبرىء وإرادة أن يتبع الحق أهواءكم برآء لأن الله تعالى حبب إليهم الإيمان الخ ، وهذا أولى من جعل { لَوْ يُطِيعُكُمْ } الخ في معنى ما حبب إليهم الإيمان تغليظاً لأن من تصدى للإيقاع بالبرىء بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم وجسر على ارتكاب تلك العظيمة لم يكن محبوباً إليه الإيمان وإن كان ذلك أيضاً سديد الشيوع التصرف في الأواخر في مثله ، وجعله بعضهم استدراكاً ببيان عذرهم فيما بدر منهم ، ومآل المعنى لم يحملكم على ما كان منكم اتباع الهوى ومحبة متابعة النبي صلى الله عليه وسلم لآرائكم بل محبة الإيمان وكراهة الكفر هي الداعية لذلك ، والمناسب لما بعد ما ذكرناه .
/ وجوز غير واحد من المعربين أن { لَوْ يُطِيعُكُمْ } استئناف على معنى أنه لما قيل { واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله } دالاً على أنهم جاهلون بمكانه عليه الصلاة والسلام مفرطون فيما يجب من تعظيم شأنه أعلى الله تعالى شأنه اتجه لهم أن يسألوا ماذا فعلوا حتى نسبوا إلى التفريط وماذا ينتج من المضرة ؟ فأجيبوا بما يصرح بالنتيجة لخفائها ويومىء إلى ما فيها من المعرة من وقوعهم في العنت بسبب استتباع من هو في علو المنصب اقتداء يتخطى أعلى المجرة ، وهو حسن لولا أن { واعلموا } كلام من تتمة الأول كما يؤذن به العطف لا وارد تقريعاً على الاستقلال فيأبى التقدير المذكور لتعين موجب التفريط ، وأيضاً يفوت التعريض وأن ذلك بادرة من بعضهم في قصة ابن عقبة ويتنافر الكلام ، هذا { وَكَرَّهَ } يتعدى بنفسه إلى واحد وإذا شدد زاد له آخر لكنه ضمن في الآية معنى التبغيض فعومل معاملته وحسنه مقابلته لحبب أو نزل { إِلَيْكُمْ } منزلة مفعول آخر ، و { الكفر } تغطية نعم الله تعالى بالجحود ، و { الفسوق } الخروج عن القصد ومأخذه ما تقدم ، { والعصيان } الامتناع عن الانقياد ، وأصله من عصت النواة صلبت واشتدت ، والكلام أعني قوله تعالى : { ولكن الله } الخ ثناء عليهم بما يردف التحبيب المذكور والتكريه من فعل الأعمال المرضية والطاعات والتجنب عن الأفعال القبيحة والسيآت على سبيل الكناية ليقع التقابل موقعه على ما سلف آنفاً ، وقيل : الداعي لذلك ما يلزم على الظاهر من المدح بفعل الغير مع أن الكلام مسوق للثناء عليهم وهو في إيثارهم الإيمان وإعراضهم عن الكفر وأخويه لا في تحبيب الله تعالى الإيمان لهم وتكريهه سبحانه الكفر وما معه إليهم . وأنت تعلم أن الثناء على صفة الكمال اختيارية كانت أولاً شائع في عرف العرب والعجم ، والمنكر معاند على أن ذلك واقع على الجماد أيضاً ، والمسلم الضروري أنه لا يمدح الرجل بما لم يفعله على أنه فعله ، وإليه الإشارة في قوله تعالى : { وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ } [ آل عمران : 188 ] أما أنه لا يمدح به على أنه صفة له فليس بمسلم فلا تغفل .
ومن باب الإشارة : { واعلموا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ الله } [ الحجرات : 7 ] الخ يشير إلى رسول الإلهام الرباني في الأنفس بلهم فجورها وتقواها
{ 7-8 } { وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ * فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ }
أي : ليكن لديكم معلومًا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، بين أظهركم ، وهو الرسول الكريم ، البار ، الراشد ، الذي يريد بكم الخير وينصح لكم ، وتريدون لأنفسكم من الشر والمضرة ، ما لا يوافقكم الرسول عليه ، ولو يطيعكم في كثير من الأمر لشق عليكم وأعنتكم ، ولكن الرسول يرشدكم ، والله تعالى يحبب إليكم الإيمان ، ويزينه في قلوبكم ، بما أودع الله في قلوبكم من محبة الحق وإيثاره ، وبما ينصب على الحق من الشواهد ، والأدلة الدالة على صحته ، وقبول القلوب والفطر له ، وبما يفعله تعالى بكم ، من توفيقه للإنابة إليه ، ويكره إليكم الكفر والفسوق ، أي : الذنوب الكبار ، والعصيان : هي ما دون ذلك من الذنوب{[796]} بما أودع في قلوبكم من كراهة الشر ، وعدم إرادة فعله ، وبما نصبه من الأدلة والشواهد على فساده ، وعدم قبول الفطر له ، وبما يجعله الله من الكراهة في القلوب له{[797]} .
{ أُولَئِكَ } أي : الذين زين الله الإيمان في قلوبهم ، وحببه إليهم ، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان { هُمُ الرَّاشِدُونَ } أي : الذين صلحت علومهم وأعمالهم ، واستقاموا على الدين القويم ، والصراط المستقيم .
وضدهم الغاوون ، الذين حبب إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، وكره إليهم الإيمان ، والذنب ذنبهم ، فإنهم لما فسقوا طبع الله على قلوبهم ، ولما { زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } ولما لم يؤمنوا بالحق لما جاءهم أول مرة ، قلب الله أفئدتهم .