وأما قوله تعالى { نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه } .
فاعلم أن الكتاب ههنا هو القرآن ، وقد ذكرنا في أول سورة البقرة اشتقاقه ، وإنما خص القرآن بالتنزيل ، والتوراة والإنجيل بالإنزال ، لأن التنزيل للتكثير ، والله تعالى نزل القرآن نجما نجما ، فكان معنى التكثير حاصلا فيه ، وأما التوراة والإنجيل فإنه تعالى أنزلهما دفعة واحدة ، فلهذا خصهما بالإنزال ، ولقائل أن يقول : هذا يشكل بقوله تعالى : { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } [ الكهف : 1 ] وبقوله { وبالحق أنزلناه وبالحق نزل } [ الإسراء : 105 ] .
واعلم أنه تعالى وصف القرآن المنزل بوصفين :
الوصف الأول : قوله { بالحق } قال أبو مسلم : إنه يحتمل وجوها أحدها : أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم السالفة وثانيها : أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ، ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل وثالثها : أنه حق بمعنى أنه قول فصل ، وليس بالهزل ورابعها : قال الأصم : المعنى أنه تعالى أنزله بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية ، وشكر النعمة ، وإظهار الخضوع ، وما يجب لبعضهم على بعض من العدل والإنصاف في المعاملات وخامسها : أنزله بالحق لا بالمعاني الفاسدة المتناقضة ، كما قال : { أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا } وقال : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } [ النساء : 82 ] .
والوصف الثاني : لهذا الكتاب قوله { مصدقا لما بين يديه } والمعنى أنه مصدق لكتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، ولما أخبروا به عن الله عز وجل ، ثم في الآية وجهان الأول : أنه تعالى دل بذلك على صحة القرآن ، لأنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقا لسائر الكتب ، لأنه كان أميا لم يختلط بأحد من العلماء ، ولا تتلمذ لأحد ، ولا قرأ على أحد شيئا ، والمفتري إذا كان هكذا امتنع أن يسلم عن الكذب والتحريف ، فلما لم يكن كذلك ثبت أنه إنما عرف هذه القصص بوحي الله تعالى الثاني : قال أبو مسلم : المراد منه أنه تعالى لم يبعث نبيا قط إلا بالدعاء إلى توحيده ، والإيمان به ، وتنزيهه عما لا يليق به ، والأمر بالعدل والإحسان ، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان ، فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك ، بقي في الآية سؤالان :
السؤال الأول : كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه .
والجواب : أن تلك الأخبار لغاية ظهورها سماها بهذا الاسم .
السؤال الثاني : كيف يكون مصدقا لما تقدمه من الكتب ، مع أن القرآن ناسخ لأكثر تلك الأحكام ؟ .
والجواب : إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ، ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثه ، وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن ، كانت موافقة للقرآن ، فكان القرآن مصدقا لها ، وأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها ، لأن دلائل المباحث الإلهية لا تختلف في ذلك ، فهو مصدق لها في الأخبار الواردة في التوراة والإنجيل .
ثم قال الله تعالى : { وأنزل التوراة والإنجيل } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف » : التوراة والإنجيل اسمان أعجميان ، والاشتغال باشتقاقهما غير مفيد ، وقرأ الحسن { والأنجيل } بفتح الهمزة ، وهو دليل على العجمية ، لأن أفعيل بفتح الهمزة معدوم في أوزان العرب ، واعلم أن هذا القول هو الحق الذي لا محيد عنه ، ومع ذلك فننقل كلام الأدباء فيه .
أما لفظ { التوراة } ففيه أبحاث ثلاثة :
البحث الأول : في اشتقاقه ، قال الفراء التوراة معناها الضياء والنور ، من قول العرب وري الزند يري إذا قدح وظهرت النار ، قال الله تعالى : { فالموريات قدحا } [ العاديات : 2 ] ويقولون : وريت بك زنادي ، ومعناه : ظهر بك الخير لي ، فالتوراة سميت بهذا الاسم لظهور الحق بها ، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى : { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء } [ الأنبياء : 48 ] .
البحث الثاني : لهم في وزنه ثلاثة أقوال :
القول الأول : قال الفراء : أصل التوراة تورية تفعلة بفتح التاء ، وسكون الواو ، وفتح الراء والياء ، إلا أنه صارت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها . .
القول الثاني : قال الفراء : ويجوز أن تكون تفعلة على وزن توفية وتوصية ، فيكون أصلها تورية ، إلا أن الراء نقلت من الكسر إلى الفتح على لغة طيء ، فإنهم يقولون في جارية : جاراة ، وفي ناصية : ناصاة ، قال الشاعر :
فما الدنيا بباقاة لحي *** وما حي على الدنيا بباقي باق
والقول الثالث : وهو قول الخليل والبصريين : إن أصلها : وورية ، فوعلة ، ثم قلبت الواو الأولى تاء ، وهذا القلب كثير في كلامهم ، نحو : تجاه ، وتراث ، وتخمة ، وتكلان ، ثم قلبت الياء ألفا لتحركها وانفتاح ما قبلها ، فصارت توراة وكتبت بالياء على أصل الكلمة ، ثم طعنوا في قول الفراء ، أما الأول : فقالوا : هذا البناء نادر ، وأما فوعلة فكثير ، نحو : صومعة ، وحوصلة ، ودوسرة والحمل على الأكثر أولى ، وأما الثاني : فلأنه لا يتم إلا بحمل اللفظ على لغة طيء ، والقرآن ما نزل بها البتة .
البحث الثالث : في التوراة قراءتان : الإمالة والتفخيم ، فمن فخم فلأن الراء حرف يمنع الإمالة لما فيه من التكرير ، والله اعلم .
وأما الإنجيل ففيه أقوال الأول : قال الزجاج : إنه افعيل من النجل ، وهو الأصل ، يقال : لعن الله ناجليه ، أي والديه ، فسمي ذلك الكتاب بهذا الاسم ، لأن الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين والثاني : قال قوم : الإنجيل مأخوذ من قول العرب : نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته ويقال للماء الذي يخرج من البئر : نجل ، ويقال : قد استنجل الوادي ، إذا خرج الماء من النز فسمي الإنجيل إنجيلا لأنه تعالى أظهر الحق بواسطته والثالث : قال أبو عمرو الشيباني : التناجل التنازع ، فسمي ذلك الكتاب بالإنجيل لأن القوم تنازعوا فيه والرابع : أنه من النجل الذي هو سعة العين ، ومنه طعنة نجلاء ، سمي بذلك لأنه سعة ونور وضياء أخرجه لهم .
وأقول : أمر هؤلاء الأدباء عجيب كأنهم أوجبوا في كل لفظ أن يكون مأخوذا من شيء آخر ، ولو كان كذلك لزم إما التسلسل وإما الدور ، ولما كانا باطلين وجب الاعتراف بأنه لا بد من ألفاظ موضوعة وضعا أولا : حتى يجعل سائر الألفاظ مشتقة منها ، وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يجوز في هذا اللفظ الذي جعلوه مشتقا من ذلك الآخر أن يكون الأصل هو هذا ، والفرع هو ذاك الآخر ومن الذي أخبرهم بأن هذا فرع وذاك أصل ، وربما كان هذا الذي يجعلونه فرعا ومشتقا في غاية الشهرة ، وذاك الذي يجعلونه أصلا في غاية الخفاء ، وأيضا فلو كانت التوراة إنما سميت توراة لظهورها ، والإنجيل إنما سمي إنجيلا لكونه أصلا وجب في كل ما ظهر أن يسمى بالتوراة فوجب تسمية كل الحوادث بالتوراة ، ووجب في كل ما كان أصلا لشيء آخر أن يسمى بالإنجيل ، والطين أصل الكوز ، فوجب أن يكون الطين إنجيلا والذهب أصل الخاتم والغزل أصل الثوب فوجب تسمية هذه الأشياء بالإنجيل ، ومعلوم أنه ليس كذلك ، ثم أنهم عند إيراد هذه الالزامات عليهم لا بد وأن يتمسكوا بالوضع ، ويقولوا : العرب خصصوا هذين اللفظين بهذين الشيئين على سبيل الوضع ، وإذا كان لا يتم المقصود في آخر الأمر إلا بالرجوع إلى وضع اللغة ، فلم لا نتمسك به في أول الأمر ونريح أنفسنا من الخوض في هذه الكلمات ، وأيضا فالتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية ، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقها على أوزان لغة العرب ، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى هذه المباحث ، والله اعلم .
{ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب } أي القرآن الجامع للأصول والفروع ولما كان وما يكون إلى يوم القيامة ، وفي التعبير عنه باسم الجنس إيذان بتفوقه على بقية الأفراد في الانطواء على كمالات/ الجنس كأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه كما يلوح إليه التصريح باسم «التوراة » و «الإنجيل » ، وفي الإتيان بالظرف وتقديمه على المفعول الصريح واختيار ضمير الخطاب ، وإيثار ( على ) على إلى ما لا يخفى من تعظيمه صلى الله عليه وسلم والتنويه برفعة شأنه عليه الصلاة والسلام ، والجملة إما مستأنفة أو خبر آخر للاسم الجليل أو هي الخبر ، وما قبل كله اعتراض أو حال ، و { الحي القيوم } [ آل عمران : 2 ] صفة أو بدل ، وقرأ الأعمش { نَزَّلَ } بالتخفيف ، ورفع الكتاب والجملة حينئذٍ منقطعة عما قبلها ، وقيل : متعلقة به بتقدير من عنده { بالحق } أي بالصدق في أخباره أو بالعدل كما نص عليه الراغب أو بما يحقق أنه من عند الله تعالى من الحجج القطعية وهو في موضع الحال أي متلبساً بالحق أو محقاً ، وفي «البحر » يحتمل أن يكون الباء للسببية أي بسبب إثبات الحق { مُصَدّقاً } حال من الكتاب إثر حال أو بدل من موضع الحال الأول أو حال من الضمير في المجرور وعلى كل حال فهي حال مؤكدة { لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } أي الكتب السالفة والظرف مفعول ( مصدقاً ) واللام لتقوية العمل وكيفية تصديقه لما تقدم تقدمت { وَأَنزَلَ } ذكرهما تعييناً ( لما بين يديه ) وتبييناً لرفعة محله بذلك تأكيد لما قبل وتمهيد لما بعد ولم يذكر المنزل عليه فيهما لأن الكلام في الكتابين لا فيمن نزلا عليه والتعبير بأنزل فيهما للإشارة إلى أنه لم يكن لهما إلا نزول واحد وهذا بخلاف القرآن فإن له نزولين ، نزول من اللوح المحفوظ إلى بيت العزة من سماء الدنيا جملة واحدة ، ونزول من ذلك إليه صلى الله عليه وسلم منجماً في ثلاث وعشرين سنة على المشهور ، ولهذا يقال فيه : نزل وأنزل ، وهذا أولى مما قيل : إن نزل يقتضي التدريج وأنزل يقتضي الإنزال الدفعي إذ يشكل عليه { لَوْلاَ نُزّلَ عَلَيْهِ القرءان جُمْلَةً واحدة } [ الفرقان : 32 ] حيث قرن نزل بكونه جملة ، وقوله تعالى : { وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ في الكتاب } [ النساء : 140 ] وذكر بعض المحققين لهذا المقام أن التدريج ليس هو التكثير ، بل الفعل شيئاً فشيئاً كما في تسلسل ، والألفاظ لا بد فيها من ذلك فصيغة نزل تدل عليه ، والإنزال مطلق لكنه إذا قامت القرينة يراد بالتدريج التنجيم ، وبالإنزال الذي قد قوبل به خلافه ، أو المطلق بحسب ما يقتضيه المقام .
واختلف في اشتقاق «التوراة » و «الإنجيل » فقيل : اشتقاق الأول من وري الزناد إذا قدح فظهر منه النار لأنها ضياء ونور بالنسبة لما عدا القرآن تجلو ظلمة الضلال ، وقيل : من ورى في كلام إذا عرّض لأن فيها رموزاً كثيرة وتلويحات جليلة ، ووزنها عند الخليل وسيبويه فوعلة كصومعة ، وأصله وورية بواوين ، فأبدلت الأولى تاءاً وتحركت الياء وانفتح ما قبلها فقلبت ألفاً فصارت توراة وكتبت بالياء تنبيهاً على الأصل ولذلك أميلت ، وقال الفراء : وزنها تفعلة بكسر العين فأبدلت الكسرة فتحة وقلبت الياء ألفاً وفعل ذلك تخفيفاً كما قالوا في توصية توصاة ، واعترضه البصريون بأن هذا البناء قليل وبأنه يلزم منه زيادة التاء أولاً ، وهي لا تزاد كذلك إلا في مواضع ليس هذا منها ، وذهب بعض الكوفيين إلى أن وزنها تفعلة بفتح العين فقلبت الياء ألفاً ، وقيل : اشتقاق الثاني من النجل بفتح فسكون وهو الماء الذي ينز من الأرض ، ومنه النجيل لما ينبت فيه ويطلق على الوالد والولد وهو أعرف فهو ضد كما قاله الزجاج ، وهو من نجل بمعنى ظهر سمي به لأنه مستخرج من اللوح المحفوظ وظاهر منه أو من التوراة ، وقيل : من النجل وهو التوسعة ، ومنه عين نجلاء لسعتها لأن فيه توسعة ما لم تكن في التوراة إذ حلل فيه بعض ما حرم فيها ، وقيل : مشتق من التناجل وهو التنازع يقال تناجل الناس إذا تنازعوا وسمي/ به لكثرة التنازع فيه كذا قيل ولا يخفى أن أمر الاشتقاق والوزن على تقدير عربية اللفظين ظاهر ، وأما على تقدير أنهما أعجميان أولهما عبراني والآخر سرياني وهو الظاهر ، فلا معنى له على الحقيقة لأن الاشتقاق من ألفاظ أخر أعجمية مما لا مجال لإثباته ، ومن ألفاظ عربية كما سمعت استنتاج للضب من الحوت فلم يبق إلا أنه بعد التعريب أجروه مجرى أبنيتهم في الزيادة والأصالة وفرضوا له أصلاً ليتعرف ذلك كما أشرنا إليه فيما قبل ، والاستدلال على عربيتهما بدخول اللام لأن دخولها في الأعلام العجمية محل نظر محل نظر لأنهم ألزموا بعض الأعلام الأعجمية الألف واللام علامة للتعريف كما في الإسكندرية فإن أبا زكريا التبريزي قال : إنه لا يستعمل بدونها مع الاتفاق على أعجميته . ومما يؤيد أعجمية «الإنجيل » ما روي عن الحسن أنه قرأه بفتح الهمزة ، وأفعيل ليس من أبنية العرب .
( ومن باب الإشارة ) :{ نَزَّلَ عَلَيْكَ الكتاب } وهو العلم المفيد لمقام الجمع وهو التوحيد الذي تفنى فيه الكثرة ولا يشاهد فيه التعدد متلبساً { بالحق } وهو الثابت الذي لا يعتريه تغير في ذاته { مُصَدّقاً لّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } من التوحيد الأول الأزلي السابق المعلوم في العهد الأول المخزون في غيب الاستعداد .