قوله تعالى { هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولوا الألباب }
المسألة الأولى : قد ذكرنا في اتصال قوله { إن الله لا يخفي عليه شيء في الأرض ولا في السماء } بما قبله احتمالين أحدهما : أن ذلك كالتقرير لكونه قيوما والثاني : أن ذلك الجواب عن شبه النصارى ، فأما على الاحتمال الأول فنقول : إنه تعالى أراد أن يبين أنه قيوم وقائم بمصالح الخلق ومصالح الخلق قسمان : جسمانية وروحانية ، أما الجسمانية فأشرفها تعديل البنية ، وتسوية المزاج على أحسن الصور وأكمل الأشكال ، وهو المراد بقوله { هو الذي يصوركم في الأرحام } [ آل عمران : 6 ] وأما الروحانية فأشرفها العلم الذي تصير الروح معه كالمرآة المجلوة التي تجلت صور جميع الموجودات فيها وهو المراد بقوله { هو الذي أنزل عليك الكتاب } وأما على الاحتمال الثاني فقد ذكرنا أن من جملة شبه النصارى تمسكهم بما جاء في القرآن من قوله تعالى في صفة عيسى عليه السلام : إنه روح الله وكلمته ، فبين الله تعالى بهذه الآية أن القرآن مشتمل على محكم وعلى متشابه ، والتمسك بالمتشابهات غير جائز فهذا ما يتعلق بكيفية النظم ، هو في غاية الحسن والاستقامة .
المسألة الثانية : اعلم أن القرآن دل على أنه بكليته محكم ، ودل على أنه بكليته متشابه ، ودل على أن بعضه محكم ، وبعضه متشابه .
أما ما دل على أنه بكليته محكم ، فهو قوله { الر تلك آيات الكتاب الحكيم } [ يونس : 1 ] { الر كتاب أحكمت آياته } [ هود : 1 ] فذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم ، والمراد من المحكم بهذا المعنى كونه كلاما حقا فصيح الألفاظ صحيح المعاني وكل قول وكلام يوجد كان القرآن أفضل منه في فصاحة اللفظ وقوة المعنى ولا يتمكن أحد من إتيان كلام يساوي القرآن في هذين الوصفين ، والعرب تقول في البناء الوثيق والعقد الوثيق الذي لا يمكن حله : محكم ، فهذا معنى وصف جميعه بأنه محكم .
وأما ما دل على أنه بكليته متشابه ، فهو قوله تعالى : { كتابا متشابها مثاني } [ الزمر : 23 ] والمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن ويصدق بعضه بعضا ، وإليه الإشارة بقوله تعالى : { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } [ النساء : 82 ] أي لكان بعضه واردا على نقيض الآخر ، ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة والركاكة .
وأما ما دل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه ، فهو هذه الآية التي نحن في تفسيرها ، ولابد لنا من تفسير المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة ، ثم من تفسيرهما في عرف الشريعة : أما المحكم فالعرب تقول : حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى رددت ، ومنعت ، والحاكم يمنع الظالم عن الظلم وحكمة اللجام التي هي تمنع الفرس عن الاضطراب ، وفي حديث النخعي : احكم اليتيم كما تحكم ولدك أي امنعه عن الفساد ، وقال جرير : أحكموا سفهاءكم ، أي امنعوهم ، وبناء محكم أي وثيق يمنع من تعرض له ، وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي ، وأما المتشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابها للآخر بحيث يعجز الذهن عن التمييز ، قال الله تعالى : { إن البقر تشابه علينا } [ البقرة : 70 ] وقال في وصف ثمار الجنة { وأتوا به متشابها } [ البقرة : 25 ] أي متفق المنظر مختلف الطعوم ، وقال الله تعالى : { تشابهت قلوبهم } [ البقرة : 118 ] ومنه يقال : اشتبه علي الأمران إذا لم يفرق بينهما ، ويقال لأصحاب المخاريق : أصحاب الشبه ، وقال عليه السلام : « الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور متشابهات » وفي رواية أخرى مشتبهات .
ثم لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمي كل ما لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه ، إطلاقا لاسم السبب على المسبب ، ونظيره المشكل سمي بذلك ، لأنه أشكل ، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشابهه ، ثم يقال لكل ما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة مشكل ، ويحتمل أن يقال : إنه الذي لا يعرف أن الحق ثبوته أو عدمه ، وكان الحكم بثبوته مساويا للحكم بعدمه في العقل والذهن ، ومشابها له ، وغير متميز أحدهما عن الآخر بمزيد رجحان ، فلا جرم سمي غير المعلوم بأنه متشابه ، فهذا تحقيق القول في المحكم والمتشابه بحسب أصل اللغة ، فنقول :
الناس قد أكثروا من الوجوه في تفسير المحكم والمتشابه ، ونحن نذكر الوجه الملخص الذي عليه أكثر المحققين ، ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه فنقول :
اللفظ الذي جعل موضوعا لمعنى ، فإما أن يكون محتملا لغير ذلك المعنى ، وإما أن لا يكون فإذا كان اللفظ موضوعا لمعنى ولا يكون محتملا لغيره فهذا هو النص ، وأما إن كان محتملا لغيره فلا يخلو إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحا على الآخر ، وإما أن لا يكون كذلك بل يكون احتماله لهما على السواء ، فإن كان احتماله لأحدهما راجحا على الآخر سمي ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهرا ، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولا ، وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معا مشتركا ، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملا ، فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصا ، أو ظاهرا ، أو مؤولا ، أو مشتركا ، أو مجملا ، أما النص والظاهر فيشتركان في حصول الترجيح ، إلا أن النص راجح مانع من الغير ، والظاهر راجح غير مانع من الغير ، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم .
وأما المجمل والمؤول فهما مشتركان في أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة ، وإن لم يكن راجحا لكنه غير مرجوح ، والمؤول مع أنه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد ، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمتشابه ، لأن عدم الفهم حاصل في القسمين جميعا وقد بينا أن ذلك يسمى متشابها إما لأن الذي لا يعلم يكون النفي فيه مشابها للإثبات في الذهن ، وإما لأجل أن الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم ، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقا لاسم السبب على المسبب ، فهذا هو الكلام المحصل في المحكم والمتشابه ، ثم اعلم أن اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية ، فههنا يتوقف الذهن ، مثل : القرء ، بالنسبة إلى الحيض والطهر ، إنما المشكل بأن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحا في أحد المعنيين ، ومرجوحا في الآخر ، ثم كان الراجح باطلا ، والمرجوح حقا ، ومثاله من القرآن قوله تعالى : { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول } [ الإسراء : 16 ] فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا ، ومحكمه قوله تعالى : { إن الله لا يأمر بالفحشاء } [ الأعراف : 28 ] ردا على الكفار فيما حكى عنهم { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها ءاباءنا والله أمرنا بها } [ الأعراف : 28 ] وكذلك قوله تعالى : { نسوا الله فنسيهم } [ التوبة : 67 ] وظاهر النسيان ما يكون ضدا للعلم ، ومرجوحه الترك والآية المحكمة فيه قوله تعالى : { وما كان ربك نسيا } [ مريم : 64 ] وقوله تعالى : { لا يضل ربى ولا ينسى } [ طه : 52 ] .
واعلم أن هذا موضع عظيم فنقول : إن كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة ، وأن الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة ، فالمعتزلي يقول قوله { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } [ الكهف : 29 ] محكم ، وقوله { وما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين } [ التكوير : 29 ] متشابه والسني يقلب الأمر في ذلك فلابد ههنا من قانون يرجع إليه في هذا الباب فنقول : اللفظ إذا كان محتملا لمعنيين وكان بالنسبة إلى أحدهما راجحا ، وبالنسبة إلى الآخر مرجوحا ، فإن حملناه على الراجح ولم نحمله على المرجوح ، فهذا هو المحكم وأما إن حملناه على المرجوح ولم نحمله على الراجح ، فهذا هو المتشابه فنقول : صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لابد فيه من دليل منفصل ، وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظيا وإما أن يكون عقليا .
أما القسم الأول : فنقول : هذا إنما يتم إذا حصل بين ذينك الدليلين اللفظيين تعارض وإذا وقع التعارض بينهما فليس ترك ظاهر أحدهما رعاية لظاهر الآخر أولى من العكس ، اللهم إلا أن يقال : إن أحدهما قاطع في دلالته والآخر غير قاطع فحينئذ يحصل الرجحان ، أو يقال : كل واحد منهما وإن كان راجحا إلا أن أحدهما يكون أرجح ، وحينئذ يحصل الرجحان إلا أنا نقول :
أما الأول فباطل ، لأن الدلائل اللفظية لا تكون قاطعة البتة ، لأن كل دليل لفظي فإنه موقوف على نقل اللغات ، ونقل وجوه النحو والتصريف ، وموقوف على عدم الاشتراك وعدم المجاز ، وعدم التخصيص ، وعدم الإضمار ، وعدم المعارض النقلي والعقلي ، وكان ذلك مظنون ، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنونا ، فثبت أن شيئا من الدلائل اللفظية لا يكون قاطعا .
وأما الثاني وهو أن يقال : أحد الدليلين أقوى من الدليل الثاني وإن كان أصل الاحتمال قائما فيهما معا ، فهذا صحيح ، ولكن على هذا التقدير يصير صرف الدليل اللفظي عن ظاهره إلى المعنى المرجوح ظنيا ، ومثل هذا لا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية ، بل يجوز التعويل عليه في المسائل الفقهية فثبت بما ذكرناه أن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح في المسائل القطعية لا يجوز إلا عند قيام الدليل القطعي العقلي على أن ما أشعر به ظاهر اللفظ محال ، وقد علمنا في الجملة أن استعمال اللفظ في معناه المرجوح جائز عند تعذر حمله على ظاهره ، فعند هذا يتعين التأويل ، فظهر أنه لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بواسطة إقامة الدلالة العقلية القاطعة على أن معناه الراجح محال عقلا ثم إذا أقامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذا اللفظ ما أشعر به ظاهره ، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز وترجيح تأويل على تأويل ، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية والدلائل اللفظية على ما بينا ظنية لا سيما الدلائل المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر يكون في غاية الضعف ، وكل هذا لا يفيد إلا الظن الضعيف والتعويل على مثل هذه الدلائل في المسائل القطعية محال فلهذا التحقيق المتين مذهبا أن بعد إقامة الدلائل القطعية على أن حمل اللفظ على الظاهر محال لا يجوز الخوض في تعيين التأويل ، فهذا منتهى ما حصلناه في هذا الباب ، والله ولي الهداية والرشاد .
المسألة الثالثة : في حكاية أقوال الناس في المحكم والمتشابه فالأول : ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : المحكمات هي الثلاث آيات التي في سورة الأنعام { قل تعالوا } [ الأنعام : 151 ] إلى آخر الآيات الثلاث ، والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود ، وهي أسماء حروف الهجاء المذكور في أوائل السور ، وذلك أنهم أولوها على حساب الجمل فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه ، وأقول : التكاليف الواردة من الله تعالى تنقسم إلى قسمين منها ما لا يجوز أن يتغير بشرع وشرع ، وذلك كالأمر بطاعة الله تعالى ، والاحتراز عن الظلم والكذب والجهل وقتل النفس بغير حق ، ومنها ما يختلف بشرع وشرع كأعداد الصلوات ومقادير الزكوات وشرائط البيع والنكاح وغير ذلك ، فالقسم الأول هو المسمى بالمحكم عند ابن عباس ، لأن الآيات الثلاث في سورة الأنعام مشتملة على هذا القسم .
وأما المتشابه فهو الذي سميناه بالمجمل ، وهو ما يكون دلالة اللفظ بالنسبة إليه وإلى غيره على السوية ، فإن دلالة هذه الألفاظ على جميع الوجوه التي تفسر هذه الألفاظ بها على السوية لا بدليل منفصل على ما لخصناه في أول سورة البقرة .
القول الثاني : وهو أيضا مروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن المحكم هو الناسخ ، والمتشابه هو المنسوخ .
والقول الثالث : قال الأصم : المحكم هو الذي يكون دليله واضحا لائحا ، مثل ما أخبر الله تعالى به من إنشاء الخلق في قوله تعالى : { ثم خلقنا النطفة علقة } [ المؤمنون : 14 ] وقوله { وجعلنا من الماء كل شيء حي } [ الأنبياء : 30 ] وقوله { وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم } [ البقرة : 22 ] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل نحو الحكم بأنه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا ترابا ولو تأملوا لصار المتشابه عندهم محكما لأن من قدر على الإنشاء أو لا قدر على الإعادة ثانيا .
واعلم أن كلام الأصم غير ملخص ، فإنه إن عنى بقوله : المحكم ما يكون دلائله واضحة أن المحكم هو الذي يكون دلالة لفظه على معناه متعينة راجحة ، والمتشابه ما لا يكون كذلك ، وهو إما المجمل المتساوي ، أو المؤول المرجوح ، فهذا هو الذي ذكرناه أولا ، وإن عنى به أن المحكم هو الذي يعرف صحة معناه من غير دليل ، فيصير المحكم على قوله ما يعلم صحته بضرورة العقل ، والمتشابه ما يعلم صحته بدليل العقل ، وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابها ، لأن قوله { فخلقنا النطفة علقة } أمر يحتاج في معرفة صحته إلى الدلائل العقلية ، وإن أهل الطبيعة يقولون : السبب في ذلك الطبائع والفصول ، أو تأثيرات الكواكب ، وتركيبات العناصر وامتزاجاتها ، فكما أن إثبات الحشر والنشر مفتقر إلى الدليل ، فكذلك إسناد هذه الحوادث إلى الله تعالى مفتقر إلى الدليل ، ولعل الأصم يقول : هذه الأشياء وإن كانت كلها مفتقرة إلى الدليل ، إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيه ظاهرا بحيث تكون مقدماته قليلة مرتبة مبينة يؤمن الغلط معها إلا نادرا ، ومنها ما يكون الدليل فيه خفيا كثير المقدمات غير مرتبة فالقسم الأول : هو المحكم والثاني : هو المتشابه .
القول الرابع : أن كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي ، أو بدليل خفي ، فذاك هو المحكم ، وكل ما لا سبيل إلى معرفته فذاك هو المتشابه ، وذلك كالعلم بوقت قيام الساعة ، والعلم بمقادير الثواب والعقاب في حق المكلفين ، ونظيره قوله تعالى : { يسألونك عن الساعة أيان مرساها } [ الأعراف : 187 ] [ النازعات : 42 ] .
المسألة الرابعة : في الفوائد التي لأجلها جعل بعض القرآن محكما وبعضه متشابها .
اعلم أن من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات ، وقال : إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة ، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب على مذهبه ، فالجبري يتمسك بآيات الجبر ، كقوله تعالى : { وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا } [ الأنعام : 25 ] والقدري يقول : بل هذا مذهب الكفار ، بدليل أنه تعالى حكى ذلك عن الكفار في معرض الذم لهم في قوله
{ وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي ءاذاننا وقر } [ فصلت : 5 ] وفي موضع آخر { وقالوا قلوبنا غلف } [ البقرة : 88 ] وأيضا مثبت الرؤية يتمسك بقوله { وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة } [ القيامة : 22 ، 23 ] والنافي يتمسك بقوله { لا تدركه الأبصار } [ الأنعام : 103 ] ومثبت الجهة يتمسك بقوله { يخافون ربهم من فوقهم } [ النحل : 50 ] وبقوله { الرحمن على العرش استوى } [ طه : 5 ] والنافي يتمسك بقوله { ليس كمثله شيء } [ الشورى : 11 ] ثم إن كل واحد يسمي الآيات الموافقة لمذهبه : محكمة ، والآيات المخالفة لمذهبه : متشابهة وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفية ، ووجوه ضعيفة ، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى قيام الساعة هكذا ، أليس أنه لو جعله ظاهرا جليا نقيا عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض .
واعلم أن العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوها :
الوجه الأول : أنه متى كانت المتشابهات موجودة ، كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب ، قال الله تعالى : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين } [ آل عمران : 142 ] .
الوجه الثاني : لو كان القرآن محكما بالكلية لما كان مطابقا إلا لمذهب واحد ، وكان تصريحه مبطلا لكل ما سوى ذلك المذهب ، وذلك مما ينفر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه ، فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملا على المحكم وعلى المتشابه ، فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي مذهبه ، ويؤثر مقالته ، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ، ويجتهد في التأمل فيه كل صاحب مذهب ، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات ، فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله ويصل إلى الحق .
الوجه الثالث : أن القرآن إذا كان مشتملا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل ، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد ، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة ، أما لو كان كله محكما لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد .
الوجه الرابع : لما كان القرآن مشتملا على المحكم والمتشابه ، افتقروا إلى تعلم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض ، وافتقر تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أصول الفقه ، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة ، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة .
الوجه الخامس : وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية ، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق ، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه ، ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل ، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه ، ويكون ذلك مخلوطا بما يدل على الحق الصريح ، فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات ، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات ، فهذا ما حضرنا في هذا الباب والله اعلم بمراده .
وإذا عرفت هذه المباحث فلنرجع إلى التفسير .
أما قوله تعالى : { هو الذي أنزل عليك الكتاب } فالمراد به هو القرآن { منه آيات محكمات } وهي التي يكون مدلولاتها متأكدة إما بالدلائل العقلية القاطعة وذلك في المسائل القطعية ، أو يكون مدلولاتها خالية عن معارضات أقوى منها .
ثم قال : { هن أم الكتاب } وفيه سؤالان :
السؤال الأول : ما معنى كون المحكم أما للمتشابه ؟ .
الجواب : الأم في حقيقة اللغة الأصل الذي منه يكون الشيء ، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها ، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات ، لا جرم صارت المحكمات كالأم للمتشابهات وقيل : أن ما جرى في الإنجيل من ذكر الأب ، وهو أنه قال : إن الباري القديم المكون للأشياء الذي به قامت الخلائق وبه ثبتت إلى أن يبعثها ، فعبر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الابن ، ثم وقع في الترجمة ما أوهم الأبوة الواقعة من جهة الولادة ، فكان قوله { ما كان لله أن يتخذ من ولد } [ مريم : 35 ] محكما لأن معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية ، وكان قوله : عيسى روح الله وكلمته من المتشابهات التي يجب ردها إلى ذلك المحكم .
السؤال الثاني : لم قال : { أم الكتاب } ولم يقل : أمهات الكتاب ؟ .
الجواب : أن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد ، ومجموع المتشابهات في تقدير شيء آخر وأحدهما أم الآخر ، ونظيره قوله تعالى : { وجعلنا ابن مريم وأمه ءاية } [ المؤمنون : 50 ] ولم يقل آيتين ، وإنما قال ذلك على معنى أن مجموعهما آية واحدة ، فكذلك ههنا .
ثم قال : { وأخر متشابهات } وقد عرفت حقيقة المتشابهات ، قال الخليل وسيبويه : أن { أخر } فارقت أخواتها في حكم واحد ، وذلك لأن أخر جمع أخرى وأخرى تأنيث آخر وأخر على وزن أفعل وما كان على وزن أفعل فإنه يستعمل مع من أو بالألف واللام ، فيقال : زيد أفضل من عمرو ، وزيد الأفضل فالألف واللام معقبتان لمن في باب أفعل ، فكان القياس أن يقال : زيد آخر من عمرو ، أو يقال : زيد الآخر إلا أنهم حذفوا منه لفظ من لأن لفظه اقتضى معنى من فأسقطوها اكتفاء بدلالة اللفظ عليه والألف واللام معاقبتان لمن ، فسقط الألف واللام أيضا فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار أخر فأخر جمعه ، فصارت هذه اللفظة معدولة عن حكم نظائرها في سقوط الألف واللام عن جمعها ووحدانها .
ثم قال : { فأما الذين في قلوبهم زيغ } اعلم أنه تعالى لما بين أن الكتاب ينقسم إلى قسمين منه محكم ومنه متشابه ، بين أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا بالمتشابه ، والزيغ الميل عن الحق ، يقال : زاغ زيغا : أي مال ميلا واختلفوا في هؤلاء الذين أريدوا بقوله { في قلوبهم زيغ } فقال الربيع : هم وفد نجران لما حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسيح فقالوا : أليس هو كلمة الله وروح منه قال : بلى . فقالوا : حسبنا . فأنزل الله هذه الآية ، ثم أنزل { إن مثل عيسى عند الله كمثل ءادم } [ آل عمران : 59 ] وقال الكلبي : هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة في أوائل السور وقال قتادة والزجاج : هم الكفار الذين ينكرون البعث ، لأنه قال في آخر الآية { وما يعلم تأويله إلا الله } وما ذاك إلا وقت القيامة لأنه تعالى أخفاه عن كل الخلق حتى عن الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام .
وقال المحققون : إن هذا يعم جميع المبطلين ، وكل من احتج لباطله بالمتشابه ، لأن اللفظ عام ، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة وما أوعد الكفار من النقمة ويقولون { ائتنا بعذاب الله } [ العنكبوت : 29 ] { ومتى تأتينا الساعة } [ سبأ : 3 ] { لو ما تأتينا بالملائكة } [ الحجر : 7 ] فموهوا الأمر على الضعفة ، ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } [ طه : 5 ] فإنه لما ثبت بصريح العقل أن كل ما كان مختصا بالحيز فإما أن يكون في الصغر كالجزء الذي لا يتجزأ وهو باطل بالاتفاق وإما أن يكون أكبر فيكون منقسما مركبا وكل مركب فإنه ممكن ومحدث ، فبهذا الدليل الظاهر يمتنع أن يكون الإله في مكان ، فيكون قوله { الرحمن على العرش استوى } متشابها ، فمن تمسك به كان متمسكا بالمتشابهات ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد ، فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي ، وثبت أن حصول ذلك الداعي من الله تعالى ، وثبت متى كان الأمر كذلك كان حصول الفعل عند تلك الداعية واجبا ، وعدمه عند عدم هذه الداعية واجبا ، فحينئذ يبطل ذلك التفويض ، وثبت أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره ومشيئته ، فيصير استدلال المعتزلة بتلك الظواهر وإن كثرت استدلالا بالمتشابهات ، فبين الله تعالى في كل هؤلاء الذين يعرضون عن الدلائل القاطعة ويقتصرون على الظواهر الموهمة أنهم يتمسكون بالمتشابهات لأجل أن في قلوبهم زيغا عن الحق وطلبا لتقرير الباطل .
واعلم أنك لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة ، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة ثم هو الأمر في ذلك ألا ترى إلى الجبائي فإنه يقوله : المجبرة الذين يضيفون الظلم والكذب ، وتكليف ما لا يطاق إلى الله تعالى هم المتمسكون بالمتشابهات .
وقال أبو مسلم الأصفهاني : الزائغ الطالب للفتنة هو من يتعلق بآيات الضلال ، ولا يتأوله على المحكم الذي بينه الله تعالى بقوله { وأضلهم السامري } [ طه : 85 ] { وأضل فرعون قومه وما هدى } [ طه : 79 ] { وما يضل به إلا الفاسقين } [ البقرة : 26 ] وفسروا أيضا قوله { وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها } [ الإسراء : 16 ] على أنه تعالى أهلكهم وأراد فسقهم ، وأن الله تعالى يطلب العلل على خلقه ليهلكهم مع أنه تعالى قال : { يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر } [ البقرة : 185 ] { ويريد الله ليبين لكم ويهديكم } [ النساء : 26 ] وتأولوا قوله تعالى : { زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون } [ النمل : 4 ] على أنه تعالى زين لهم النعمة ونقضوا بذلك ما في القرآن كقوله تعالى : { إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم } [ الرعد : 11 ] { وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون } [ القصص : 59 ] وقال : { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } [ فصلت : 17 ] وقال : { فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } [ يونس : 108 ] وقال : { ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم } [ الحجرات : 7 ] فكيف يزين النعمة ؟ فهذا ما قاله أبو مسلم ، وليت شعري لم حكم على الآيات الموافقة لمذهبه بأنها محكمات ، وعلى الآيات المخالفة لمذهبه بأنها متشابهات ؟ ولم أوجب في تلك الآيات المطابقة لمذهبه إجرائها على الظاهر ، وفي الآيات المخالفة لمذهبه صرفها عن الظاهر ؟ ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالرجوع إلى الدلائل العقلية الباهرة ، فإذا دل على بطلان مذهب المعتزلة الأدلة العقلية ، فإن مذهبهم لا يتم إلا إذا قلنا بأنه صدر عن أحد الفعلين دون الثاني من غير مرجح ، وذلك تصريح بنفي الصانع ، ولا يتم إلا إذا قلنا بأن صدور الفعل المحكم المتقن عن العبد لا يدل على علم فاعله به ، فحينئذ يكون قد تخصص ذلك العدد بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا لمخصص ، وذلك نفي للصانع ، ولزم منه أيضا أن لا يدل صدور الفعل المحكم على كون الفاعل عالما وحينئذ ينسد باب الاستدلال بأحكام أفعال الله تعالى على كون فاعلها عالما ، ولو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على هذه الدلائل لم يقدروا على دفعها ، فإذا لاحت هذه الدلائل العقلية الباهرة فكيف يجوز لعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه ، فظهر بما ذكرناه أن القانون المستمر عند جمهور الناس أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة .
وأما المحقق المنصف ، فإنه يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة أحدها : ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية ، فذاك هو المحكم حقا وثانيها : الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها ، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره وثالثها : الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه ، فيكون من حقه التوقف فيه ، ويكون ذلك متشابها بمعنى أن الأمر اشتبه فيه ، ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر ، إلا أن الظن الراجح حاصل في إجرائها على ظواهرها فهذا ما عندي في هذا الباب والله اعلم بمراده .
واعلم أنه تعالى لما بين أن الزائغين يتبعون المتشابه ، بين أن لهم فيه غرضين ، فالأول : هو قوله تعالى : { ابتغاء الفتنة } والثاني : هو قوله { وابتغاء تأويله } .
فأما الأول : فاعلم أن الفتنة في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه ، يقال : فلان مفتون بطلب الدنيا ، أي قد غلا في طلبها وتجاوز القدر ، وذكر المفسرون في تفسير هذه الفتنة وجوها : أولها : قال الأصم : إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين ، صار بعضهم مخالفا للبعض في الدين ، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة وثانيها : أن التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتونا بذلك الباطل عاكفا عليه لا ينقلع عنه بحيلة البتة وثالثها : أن الفتنة في الدين هو الضلال عنه ومعلوم أنه لا فتنة ولا فساد أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه .
وأما الغرض الثاني لهم : وهو قوله تعالى : { وابتغاء تأويله } فاعلم أن التأويل هو التفسير وأصله في اللغة المرجع والمصير ، من قولك آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه ، وأولته تأويلا إذا صيرته إليه ، هذا معنى التأويل في اللغة ، ثم يسمى التفسير تأويلا ، قال تعالى : { سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا } [ الكهف : 78 ] وقال تعالى : { وأحسن تأويلا } [ النساء : 59 ] وذلك أنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى ، واعلم أن المراد منه أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان ، مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم ؟ وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم تكون ؟ قال القاضي : هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين أحدهما : أن يحملوه على غير الحق : وهو المراد من قوله { ابتغاء الفتنة } والثاني : أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه ، وهو المراد من قوله { وابتغاء تأويله } ثم بين تعالى ما يكون زيادة في ذم طريقة هؤلاء الزائغين فقال : { وما يعلم تأويله إلا الله } واختلف الناس في هذا الموضع ، فمنهم من قال : تم الكلام ههنا ، ثم الواو في قوله { والراسخون في العلم } واو الابتداء ، وعلى هذا القول : لا يعلم المتشابه إلا الله ، وهذا قول ابن عباس وعائشة ومالك بن أنس والكسائي والفراء ، ومن المعتزلة قول أبي علي الجبائي وهو المختار عندنا .
والقول الثاني : أن الكلام إنما يتم عند قوله { والراسخون في العلم } وعلى هذا القول يكون العلم بالمتشابه حاصلا عند الله تعالى وعند الراسخين في العلم وهذا القول أيضا مروي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين والذي يدل على صحة القول الأول وجوه :
الحجة الأولى : أن اللفظ إذا كان له معنى راجح ، ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد ، علمنا أن مراد الله تعالى بعض مجازات تلك الحقيقة ، وفي المجازات كثرة ، وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية ، والترجيحات اللغوية لا تفيد إلا الظن الضعيف ، فإذا كانت المسألة قطعية يقينية ، كان القول فيها بالدلائل الظنية الضعيفة غير جائز ، مثاله قال الله تعالى : { لا يكلف الله نفسا إلا وسعها } [ البقرة : 286 ] ثم قال الدليل القاطع على أن مثل هذا التكليف قد وجد على ما بينا في البراهين الخمسة في تفسير هذه الآية فعلمنا أن مراد الله تعالى ليس ما يدل عليه ظاهر هذه الآية ، فلا بد من صرف اللفظ إلى بعض المجازات ، وفي المجازات كثرة وترجيح بعضها على بعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية ، وأنها لا تفيد إلا الظن الضعيف ، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية ، فوجب أن يكون القول فيها بالدلائل الظنية باطلا ، وأيضا قال الله تعالى : { الرحمن على العرش استوى } [ طه : 5 ] دل الدليل على أنه يمتنع أن يكون الإله في المكان ، فعرفنا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها ، إلا أن في مجازات هذه اللفظة كثرة فصرف اللفظ إلى البعض دون البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية الظنية ، والقول بالظن في ذات الله تعالى وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين ، وهذه حجة قاطعة في المسألة والقلب الخالي عن التعصب يميل إليه ، والفطرة الأصلية تشهد بصحته ، وبالله التوفيق .
الحجة الثانية : وهو أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم ، حيث قال : { فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله } ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزا لما ذم الله تعالى ذلك .
فإن قيل : لم لا يجوز أن يكون المراد منه طلب وقت قيام الساعة ، كما في قوله { يسألونك عن الساعة أيان مرساها ، قل إنما علمها عند ربي } [ الأعراف : 178 ] وأيضا طلب مقادير الثواب والعقاب ، وطلب ظهور الفتح والنصرة كما قالوا { لو ما تأتينا بالملائكة } [ الحجر : 7 ] .
قلنا : إنه تعالى لما قسم الكتاب إلى قسمين محكم ومتشابه ، ودل العقل على صحة هذه القسمة من حيث إن حمل اللفظ على معناه الراجح هو المحكم ، وحمله على معناه الذي ليس براجح هو المتشابه ، ثم أنه تعالى ذم طريقة من طلب تأويل المتشابه كان تخصيص ذلك ببعض المتشابهات دون البعض تركا للظاهر ، وأنه لا يجوز .
الحجة الثالثة : أن الله مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به ، وقال في أول سورة البقرة { فأما الذين ءامنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم } فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح ، لأن كل من عرف شيئا على سبيل التفصيل فإنه لا بد وأن يؤمن به ، إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها ، وعلموا أن القرآن كلام الله تعالى ، وعلموا أنه لا يتكلم بالباطل والعبث ، فإذا سمعوا آية ودلت الدلائل القطعية على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراد الله تعالى ، بل مراده منه غير ذلك الظاهر ، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه ، وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب ، فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر ، ولا عدم علمهم بالمراد على التعيين عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن .
الحجة الرابعة : لو كان قوله { والراسخون في العلم } معطوفا على قوله { إلا الله } لصار قوله { يقولون ءامنا به } ابتداء ، وأنه بعيد عن ذوق الفصاحة ، بل كان الأولى أن يقال : وهم يقولون آمنا به ، أو يقال : ويقولون آمنا به .
فإن قيل : في تصحيحه وجهان الأول : أن قوله { يقولون } كلام مبتدأ ، والتقدير : هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به والثاني : أن يكون { يقولون } حالا من الراسخين .
قلنا : أما الأول فمدفوع ، لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الإضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الإضمار والثاني : أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره ، وههنا قد تقدم ذكر الله تعالى وذكر الراسخين في العلم فوجب أن يجعل قوله { يقولون آمنا به } حالا من الراسخين لا من الله تعالى ، فيكون ذلك تركا للظاهر ، فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا بالعدول عن الظاهر ومذهبنا لا يحتاج إليه ، فكان هذا القول أولى .
الحجة الخامسة : قوله تعالى : { كل من عند ربنا } يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل ، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله ، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة .
الحجة السادسة : نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : تفسير القرآن على أربعة أوجه : تفسير لا يسع أحدا جهله ، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها ، وتفسير تعلمه العلماء ، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى .
وسئل مالك بن أنس رحمه الله عن الاستواء ، فقال : الاستواء معلوم ، والكيفية مجهولة ، والإيمان به واجب ، والسؤال عند بدعة ، وقد ذكرنا بعض هذه المسألة في أول سورة البقرة ، فإذا ضم ما ذكرناه ههنا إلى ما ذكرنا هناك تم الكلام في هذه المسألة ، وبالله التوفيق .
ثم قال تعالى : { والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : الرسوخ في اللغة الثبوت في الشيء .
واعلم أن الراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية ، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية ، فإذا رأى شيئا متشابها ، ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى ، علم حينئذ قطعا أن مراد الله شيء آخر سوى ما دل عليه ظاهره ، وأن ذلك المراد حق ، ولا يصير كون ظاهره مردودا شبهة في الطعن في صحة القرآن .
ثم حكي عنهم أيضا أنهم يقولون { كل من عند ربنا } والمعنى : أن كل واحد من المحكم والمتشابه من عند ربنا ، وفيه سؤالان :
السؤال الأول : لو قال : كل من ربنا كان صحيحا ، فما الفائدة في لفظ { عند } ؟ .
الجواب : الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد ، فذكر كلمة { عند } لمزيد التأكيد .
السؤال الثاني : لم جاز حذف المضاف إليه من { كل } ؟ .
الجواب : لأن دلالة المضاف عليه قوية ، فبعد الحذف الأمن من اللبس حاصل .
ثم قال : { وما يذكر إلا أولوا الألباب } وهذا ثناء من الله تعالى على الذين قالوا آمنا به ، ومعناه : ما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة ، فصار هذا اللفظ كالدلالة على أنهم يستعملون عقولهم في فهم القرآن ، فيعلمون الذي يطابق ظاهره دلائل العقول فيكون محكما ، وأما الذي يخالف ظاهره دلائل العقول فيكون متشابها ، ثم يعلمون أن الكل كلام من لا يجوز في كلامه التناقض والباطل ، فيعلمون أن ذلك المتشابه لا بد وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى ، وهذه الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية ، ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله ، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق دلائل العقول ، وتوافق اللغة والإعراب .
واعلم أن الشيء كلما كان أشرف كان ضده أخس ، فكذلك مفسر القرآن متى كان موصوفا بهذه الصفة كانت درجته هذه الدرجة العظمى التي عظم الله الثناء عليه ، ومتى تكلم في القرآن من غير أن يكون متبحرا في علم الأصول ، وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : « من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار » .
{ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب } استئناف لإبطال شبه الوفد وإخوانهم الناشئة عما نطق به القرآن في نعت المسيح عليه السلام إثر بيان اختصاص الربوبية ومناطها به سبحانه . قيل : إن الوفد قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ألست تزعم أن عيسى كلمة الله تعالى وروح منه ؟ قال : بلى قالوا : فحسبنا ذلك فنفى سبحانه عليهم زيفهم وفتنتهم وبين أن الكتاب مؤسس على أصول رصينة وفروع مبنية عليها ناطقة بالحق قاضية ببطلان ما هم عليه كذا قيل ، ومنه يعلم وجه مناسبة الآية لما قبلها ، واعترض بأن هذا الأثر لم يوجد له أثر في الصحاح ولا سند يعول عليه في غيرها ، وقصارى ما وجد عن الربيع أن المراد بالموصول الآتي الوفد ، وفيه أن الأثر بعينه أخرجه في «الدر المنثور » عن أبي حاتم وابن جرير عن الربيع ، وعن بعضهم أن الآية نزلت في اليهود ، وذلك حين مر أبو ياسر بن أخطب في رجال من يهود برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يتلو فاتحة سورة البقرة ( 1 ، 2 ) { الم ذلك الكتاب } فأتى أخاه حيي بن أخطب في رجال من يهود فقال : أتعلمون والله لقد سمعت محمداً يتلو في ما أنزل عليه { الم ذلك الكتاب } فقال : أنت سمعته ؟ قال : نعم فمشى حي في أولئك النفر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : ألم يذكر أنك تتلو في ما أنزل عليك { الم ذلك الكتاب } ؟ فقال : بلى فقال : لقد بعث الله تعالى قبلك أنبياء ما نعلمه بَيَّنَ لنبي منهم ما مدة ملكه وما أجل أمته غيرك . الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون ، فهذه إحدى وسبعون سنة هل مع هذا غيره ؟ قال : نعم { المص } [ الأعراف : 1 ] قال : هذه أثقل وأطول الألف واحدة واللام ثلاثون والميم أربعون والصاد تسعون فهذه مائة وإحدى وستون سنة هل مع هذا غيره ؟ قال : نعم { الر } [ يونس : 1 ] قال : هذه أثقل وأطول هل مع هذا غيره ؟ قال : بلى { المر } [ الرعد : 1 ] قال : هذه أثقل وأطول ثم قال : لقد لبس علينا أمرك حتى ما ندري أقليلاً أعطيت أم كثيراً ثم قال : قوموا ثم قال أبو ياسر لأخيه ومن معه : وما يدريكم لعله لقد جمع هذا كله لمحمد ؟ فقالوا : لقد تشابه علينا أمره » . وقد أخرج ذلك البخاري في «التاريخ » وابن جرير وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إلا أن فيه : فيزعمون أن هذه الآيات نزلت فيهم وهو مؤذن بعدم الجزم بذلك ومع هذا يبعده ما تقدم من رواية «إن الله تعالى أنزل في شأن أولئك الوفد من مصدر آل عمران إلى بضع وثمانين آية » وعلى تقدير الإغماض عن هذا يحتمل أن يكون وجه اتصال الآية بما قبلها أن في المتشابه خفاءاً كما أن تصوير ما في الأرحام كذلك أو أن في هذه تصوير الروح بالعلم وتكميله به وفيما قبلها تصوير الجسد وتسويته ؛ فلما أن في كل منهما تصويراً وتكميلاً في الجملة ناسب/ ذكره معه ولما أن بين التصوير الحقيقي الجسماني والذي ليس هو كذلك من الروحاني من التفاوت والتباين ترك العطف .
وقوله سبحانه : { مِنْهُ آيات } الظرف فيه خبر مقدم ، وآيات مبتدأ مؤخر أو بالعكس ، ورجح الأوّل : بأنه الأوفق بقواعد الصناعة ، والثاني : بأنه أدخل في جزالة المعنى ؛ إذ المقصود الأصلي انقسام الكتاب إلى القسمين المعهودين لا كونهما من الكتاب ، والجملة إما مستأنفة أو في حيز النصب على الحالية من الكتاب أي هو الذي أنزل عليك الكتاب كائناً على هذه الحالة أي منقسماً إلى محكم وغيره أو الظرف وحده حال و ( آيات ) مرتفع به على الفاعلية { محكمات } صفة آيات أي واضحة المعنى ظاهرة الدلالة محكمة العبارة محفوظة من الاحتمال والاشتباه { هُنَّ أُمُّ الكتاب } أي أصله والعمدة فيه يرد إليها غيرها والعرب تسمي كل جامع يكون مرجعاً أمَّاً ، والجملة إما صفة لما قبلها أو مستأنفة وإنما أفرد الأم مع أن الآيات متعددة لما أن المراد بيان أصلية كل واحدة منها أو بيان أن الكل بمنزلة آية واحدة { وَأَخرَ } نعت لمحذوف معطوف على ( آيات ) أي وآيات أخر ، وهي كما قال الرضيّ : جمع أخرى التي هي مؤنث آخر ومعناه في الأصل أشد تأخراً فمعنى جاءني زيد ، ورجل آخر ، جاءني زيد ، ورجل أشد تأخراً منه في معنى من المعاني ، ثم نقل إلى معنى غيره فمعنى رجل آخر رجل غير زيد ولا يستعمل إلا في ما هو من جنس المذكور أو لا فلا يقال : جاءني زيد وحمار آخر ولا امرأة أخرى ، ولما خرج عن معنى التفضيل استعمل من دون لوازم أفعل التفضيل أعني من والإضافة واللام وطوبق بالمجرد عن اللام والإضافة ما هو له نحو رجلان آخران ورجال آخرون وامرأة أخرى وامرأتان أخريان ونسوة أخر ، وذهب أكثر النحويين إلى أنه غير منصرف لأنه وصف معدول عن الآخر قالوا : لأن الأصل في أفعل التفضيل أن لا يجمع إلا مقروناً بالألف واللام كالكبر والصغر فعدل عن أصله وأعطى من الجمعية مجرداً ما لا يعطي غيره إلا مقروناً ، وقيل : الدليل على عدل ( أخر ) أنه لو كان مع من المقدرة كما في الله أكبر للزم أن يقال بنسوة آخر على وزن أفعل ؛ لأن أفعل التفضيل ما دام بمن ظاهرة أو مقدرة لا يجوز مطابقته لمن هو له بل يجب إفراده ، ولا يجوز أن يكون بتقدير الإضافة لأن المضاف إليه لا يحذف إلا مع بناء المضاف ، أو مع ساد مسد المضاف إليه ، أو مع دلالة ما أضيف إليه تابع المضاف أخذاً من استقراء كلامهم فلم يبق إلا أن يكون أصله اللام ، واعترض عليه أبو علي بأنه لو كان كذلك وجب أن يكون معرفة كسحر .
وأجيب بأنه لا يلزم في المعدول عن شيء أن يكون بمعناه من كل وجه ، وإنما يلزم أن يكون قد أخرج عما يستحقه وما هو القياس فيه إلى صيغة أخرى ، نعم قد تقصد إرادة تعريفه بعد النقل إما بألف ولام يضمن معناها فيبنى ، أو إما بعلمية كما في سحر فيمنع من الصرف ، ولما لم يقصد في ( أخر ) إرادة الألف واللام أعرب ، ولا يصح إرادة العلمية لأنها تضاد الوصفية المقصودة منه . وقال ابن جني : إنه معدول عن آخر من ، وزعم ابن مالك أنه التحقيق وظاهر كلام أبي حيان اختياره واستدلوا عليه بما لا يخلو عن نظر .
ووصف آخر بقوله سبحانه : { متشابهات } وهي في الحقيقة صفة لمحذوف أي محتملات لمعان متشابهات لا يمتاز بعضها عن بعض في استحقاق الإرادة ولا يتضح الأمر إلا بالنظر الدقيق ، وعدم الاتضاح قد يكون للاشتراك أو للإجمال ، أو لأن ظاهره التشبيه فالمتشابه في الحقيقة وصف لتلك المعاني وصف به الآيات على طريقة وصف الدال بما هو وصف للمدلول فسقط ما قيل : إن واحد متشابهات متشابهة ، / وواحد ( أخر ) أخرى ، والواحد هنا لا يصح أن يوصف بهذا الواحد فلا يقال : أخرى متشابهة إلا أن يكون بعض الواحدة يشبه بعضاً وليس المعنى على ذلك وإنما المعنى أن كل آية تشبه آية أخرى فكيف صح وصف الجمع بهذا الجمع ولم يصح وصف مفرده بمفرده ؟ا ولا حاجة إلى ما تكلف في الجواب عنه بأنه ليس من شرط صحة وصف المثنى والمجموع صحة بسط مفردات الأوصاف على أفراد الموصوفات كما أنه لا يلزم من الإسناد إليهما صحة إسناده إلى كل واحد كما في { فَوَجَدَ فيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلاَنِ } [ القصص : 15 ] إذ الرجل لا يقتتل ، وقيل : إنه لما كان من شأن الأمور المتشابهة أن يعجز العقل عن التمييز بها سمي كل ما لا يهتدي العقل إليه متشابهاً وإن لم يكن ذلك بسبب التشابه كما أن المشكل في الأصل ما دخل في أشكاله وأمثاله ولم يعلم بعينه ثم أطلق على كل غامض وإن لم يكن غموضه من تلك الجهة وعليه يكون المتشابه مجازاً أو كناية عما لا يتضح معناه مثلاً في كون السؤال مغالطة غير واردة رأساً وهذا الذي ذكره في تفسير المحكم والمتشابه هو مذهب كثير من الناس وعليه الشافعية .
وتقسيم الكتاب إليهما من تقسيم الكل إلى أجزائه بناءاً على أن المراد من الكتاب ما بين الدفتين ولامه لتعريف العهد ، وحينئذ إما أن يراد بالكتاب الثاني المضاف إليه أم الأول الواقع مقسماً كما يشعر به حديث إعادة الشيء معرفة ويكون وضع المظهر موضع المضمر اعتناءاً بشأن المظهر وتفخيماً له والإضافة على معنى في كما في واحد العشرة فلا يلزم كون الشيء أصلاً لنفسه لأن المعنى على أن الآيات المحكمات التي هي جزء مما بين الدفتين أصل فيما بين الدفتين يرجع إليه المتشابه منه ، واعتبار ظرفية الكل للجزء يدفع توهم لزوم ظرفية الشيء لنفسه وهذا أولى من القول بتقدير مضاف بين المتضايفين بأن يقال التقدير أم بعض الكتاب فإنه وإن بقي فيه الكتاب على حاله إلا أنه لا يخلو عن تكلف ، وإما أن يراد به الجنس فإنه كالقرآن يطلق على القدر المشترك بين المجموع وبين كل بعض منه له به نوع اختصاص كما بين في الأصول ، ويراد من هذا الجنس ما هو في ضمن الآيات المتشابهات فاللام حينئذ للجنس والإضافة على معنى اللام ولا يعارضه حديث الإعادة إذ هو أصل كثيراً ما يعدل عنه ولا يتوهم منه كون الشيء أماً لنفسه أصلاً ولا أن المقام مقام الإضمار ليحتاج إلى الجواب عن ذلك ، وبعض فضلاء العصر العاصرين حميا العلم من كرم أذهانهم الكريمة أحسن عصر جوز كون الإضافية لامية ، و ( الكتاب ) المضاف إليه هو الكتاب الأول بعينه وليس في الكلام مضاف محذوف وما يلزم على ذلك من كون الشيء أماً لنفسه وأصلاً لها لا يضر لاختلاف الاعتبار فإن أمومته لغيره من المتشابه باعتبار رده إليه وإرجاعه له وأمومته لنفسه باعتبار عدم احتياجه لظهور معناه إلى شيء سوى نفسه ، ولا يخفى عليك أن الأم إن كانت في كلا الاعتبارين حقيقة لزم استعمال المشترك في معنييه وإن كانت في كليهما مجازاً لزم الجمع بين معنيين مجازيين ، وإن كانت حقيقة في الأصل باعتبار ما يرجع إليه غيره كما يفهم من بعض عباراتهم مجازاً في الأصل بمعنى المستغني عن غيره لزم الجمع بين الحقيقة والمجاز ولا مخلص عن ذلك إلا بارتكاب عموم المجاز ، هذا وجوز أن يكون التقسيم إلى القسمين المحكم والمتشابه من تقسيم الكلى إلى جزئياته فأل في الكتاب للجنس أولاً وآخراً إلا أن المراد من الكتاب في الأول الماهية من حيث هي كما هو الأمر المعروف في مثل هذا التقسيم ، وفي الثاني الماهية باعتبار تحققها في ضمن بعض الأفراد وهو المتشابه ، ويجوز أن يراد من الثاني أيضاً مجموع ما بين الدفتين والكلام فيه حينئذ على نحو ما سبق ، قيل : وقصارى ما يلزم من هذا التقسيم بعد تحمل القول بأنه خلاف الظاهر صدق الكتاب على الأبعاض وهوما لا يتحاشى منه بل هو غرض من فسر الكتاب بالقدر المشترك ، وأنت تعلم أن فيه غير ذلك إلا أنه يمكن دفعه بالعناية فتدبر .
وذهب ساداتنا الحنفية إلى أن المحكم الواضح الدلالة الظاهر الذي لا يحتمل النسخ ، والمتشابه الخفي الذي لا يدرك معناه عقلاً ولا نقلاً وهو ما استأثر الله تعالى بعلمه كقيام الساعة والحروف المقطعة في أوائل السور ؛ وقيل : المحكم الفرائض والوعد والوعيد ، والمتشابه القصص والامثال ، أخرج ابن أبي حاتم من طريق علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس قال المحكمات ناسخه وحلاله وحرامه وحدوده وفرائضه ، و المتشابهات ما يؤمن به ولا يعمل به ، وأخرج الفريابي عن مجاهد قال المحكمات ما فيه الحلال والحرام وما سوى ذلك متشابه ، وأخرج عبيد بن عمير عن الضحاك قال المحكمات ما لم ينسخ والمتشابهات ما قد نسخ ، وقال الماوردي : المحكم ما كان معقول المعنى ، والمتشابه بخلافه كأعداد الصلوات ، واختصاص الصيام برمضان دون شعبان ، وقيل : المحكم ما لم يتكرر ألفاظه ، والمتشابه ما يقابله ، وقيل : غير ذلك ، وهذا الخلاف في المحكم والمتشابه هنا وإلا فقد يطلق المحكم بمعنى المتقن النظم ، والمتشابه على ما يشبه بعضه بعضاً في البلاغة ، وهما بهذا المعنى يطلقان على جميع القرآن وعلى ذلك خرج قوله تعالى : { الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياته } [ هود : 1 ] وقوله سبحانه : { كتابا متشابها مَّثَانِيَ } [ الزمر : 23 ]
{ فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } أي عدول عن الحق وميل عنه إلى الأهواء . وقال الراغب : الزيغ الميل عن الاستقامة إلى أحد الجانبين وزاغ وزال ومال متقاربة لكن زاغ لا يقال إلا في ما كان عن حق إلى باطل ومصدره زيغاً وزيغوغة وزيغانا وزيوغا ، والمراد بالموصول نصارى نجران أو اليهود وإليه ذهب ابن عباس وقيل : منكرو البعث ، وقيل : المنافقون ، وأخرج الإمام أحمد وغيره على أبي أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم الخوارج وظاهر اللفظ العموم لسائر من زاغ عن الحق فليحمل ما ذكر على بيان بعض ما صدق عليه العام دون التخصيص ، وفي جعل قلوبهم مقراً للزيغ مبالغة في عدولهم عن سنن الرشاد وإصرارهم على الشر والفساد . وزيغ مبتدأ أو فاعل { فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه مِنْهُ } أي يتعلقون بذلك وحده بأن لا ينظروا إلى ما يطابقه من المحكم ويردوه إليه وهو إما بأخذ ظاهره الغير المراد له تعالى أو أخذ أحد بطونه الباطلة وحينئذ يضربون القرآن بعضه ببعض ويظهرون التناقض بين معانيه إلحاداً منهم وكفراً ويحملون لفظه على أحد محتملاته التي توافق أغراضهم الفاسدة في ذلك وهذا هو المراد بقوله سبحانه : { ابتغاء الفتنة وابتغاء تَأْوِيلِهِ } أي طلب أن يفتنوا المؤمنين والمؤمنات عن دينهم بالتشكيك والتلبيس ومناقضة المحكم بالمتشابه كما نقل عن الواقدي وطلب أن يؤولوه حسبما يشتهون ، فالإضافة في { تَأْوِيلِهِ } للعهد أي بتأويل مخصوص وهو ما لم يوافق المحكم بل ما كان موافقاً للتشهي ، والتأويل التفسير كما قاله غير واحد وقال الراغب : إنه من الأول وهو الرجوع إلى الأصل ومنه الموئل للموضع الذي يرجع إليه وذلك هو رد الشيء إلى الغاية المرادة منه علماً كان أو فعلاً ، ومن الأول ما ذكر هنا ، ومن الثاني قوله :
وللنوى قبل يوم البين تأويل *** وقوله تعالى : { يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ } [ الأعراف : 53 ] أي بيانه الذي هو غايته المقصودة منه وقوله سبحانه : { ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } [ الإسراء : 35 ] قيل : أحسن ترجمة ومعنى ، وقيل : أحسن ثواباً في الآخرة انتهى . وجوز في هاتين الطلبتين أن تكونا على سبيل التوزيع بأن يكون { ابتغاء الفتنة } طلبة بعض وابتغاء التأويل/ حسب التشهي طلبة آخرين ، ويجوز أن يكون الاتباع لمجموع الطلبتين وهو الخليق بالمعاند ، لأنه لقوة عناده ومزيد فساده يتشبث بهما معاً وأن يكون ذلك لكل واحدة منهما على التعاقب وهو المناسب بحال الجاهل لأنه متحير تارة يتبع ظاهره وتارة يؤوله بما يشتهيه لكونه في قبضة هواه يتبعه كلما دعاه ، ومن الناس من حمل الفتنة على المال فإن الله سبحانه قد سماه فتنة في مواضع من كلامه ولا يخفى أنه ليس بشيء مدعى ودليلاً ، وفي تعليل الاتباع باتبغاء تأويله دون نفس ( تأويله ) وتجريد التأويل عن الوصف بالصحة والحقية إيذان بأنهم ليسوا من التأويل في عير ولا نفير ، ولا قبيل ولا دبير وأن ما يتبعونه ليس بتأويل أصلاً لا أنه تأويل غير صحيح قد يعذر صاحبه
{ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله والرسخون في العلم } في موضع الحال من ضمير يتبعون باعتبار العلة الأخيرة أي يتبعون المتشابه لابتغاء تأويله ، والحال أن التأويل المطابق للواقع كما شعر به التعبير بالعلم والإضافة إلى الله تعالى مخصوص به سبحانه وبمن وفقه عز شأنه من عباده الراسخين في العلم أي الذين ثبتوا وتمكنوا فيه ولم يتزلزلوا في مزال الاقدام ومداحض الافهام دونهم حيث إنهم بمعزل عن تلك الرتبة هذا ما يقتضيه الظاهر في تفسير الراسخين ، وأخرج ابن عساكر من طريق عبد الله بن يزيد الأزدي قال : «سمعت أنس بن مالك يقول : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الراسخين في العلم فقال : من صدق حديثه وبر في يمينه وعف بطنه وفرجه فذلك الراسخون في العلم ولعل ذلك بيان علامتهم وما ينبغي أن يكونوا عليه ، والمراد بالعلم العلم الشرعي المقتبس من مشكاة النبوة فإن أهله هم الممدوحون .
{ يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ } استئناف موضح لحال الراسخين ولهذا فصل ، والنحاة يقدرون له مبتدأ دائماً أي هم يقولون وقد قيل : إنه لا حاجة إليه ولم يعرف وجه التزامهم لذلك فلينظر ، وجوز أن يكون حالا من الراسخين والضمير المجرور راجع إلى المتشابه وعدم التعريض لإيمانهم بالمحكم لظهوره وإن رجع إلى الكتاب فله وجه أيضاً لأن مآله كل من أجزاء الكتاب أو جزئياته وذلك لا يخلو عن الأمرين ، ثم هذا القول وإن لم يخص الراسخين لكن فيه تعريض بأن مقتضى الإيمان به أن لا يسلك فيه طريق لا يليق من تأويله على ما مر فكأن غيرهم ليس بمؤمن { كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا } من تمام مقولهم مؤكد لما قبله ومقرر له أي كل واحد منه ومن المحكم أو كل واحد من متشابهه ومحكمه منزل من عنده تعالى لا مخالفة بينهما ، وفي التعبير بالرب إشارة إلى سر إنزال المتشابه ، والحكمة فيه لما أنه متضمن معنى التربية والنظر في المصلحة والإيصال إلى معارج الكمال أولاً فأولاً ، وقد قالوا : إنما أنزل المتشابه لذلك ليظهر فضل العلماء ويزداد حرصهم على الاجتهاد في تدبره وتحصيل العلوم التي نيط بها استنباط ما أريد به من الأحكام الحقيقية فينالوا بذلك وبإتعاب القرائح واستخراج المقاصد الرائقة والمعاني اللائقة المدارج العالية ويعرجوا بالتوفيق بينه وبين المحكم إلى رفرف الإيقان وعرش الاطمئنان ويفوزوا بالمشاهد السامية وحينئذ ينكشف لهم الحجاب ويطيب لهم المقام في رياض الصواب ، وذلك من التربية والإرشاد أقصى غاية ونهاية في رعاية المصلحة ليس وراءها نهاية .
{ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الالباب } عطف على جملة { يَقُولُونَ } سيق من جهته تعالى مدحاً للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر لما أنهم قد تجردت عقولهم عما يغشاها من الركون إلى الأهواء الزائغة المكدرة لها واستعدوا إلى الاهتداء إلى معالم الحق والعروج إلى معارج الصدق ، وللإشارة إلى ذلك وضع الظاهر موضع/ الضمير هذا على تقدير أن يكون الوقف على ( الراسخون ) وهو الذي ذهب إليه الشافعية . وسائر من فسر المتشابه بما لم يتضح معناه ، وأما على تقدير أن يكون الوقف على { إِلاَّ الله } وهو الذي ذهب إليه الحنفية القائلون بأن المتشابه ما استأثر الله تعالى بعلمه فالراسخون مبتدأ وجملة { يَقُولُونَ } خبر عنه ، ورجوح الأول بوجوه : أما أولاً : فلأنه لو أريد بيان حظ الراسخين مقابلاً لبيان حظ الزائغين لكان المناسب أن يقال وأما الراسخون فيقولون ، وأما ثانياً : فلأنه لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم ، وأما ثالثاً : فلأنه لا ينحصر حينئذ الكتاب في المحكم والمتشابه على ما هو مقتضى ظاهر العبارة حيث لم يقل ومنه متشابهات لأن ما لا يكون متضح المعنى ويهتدي العلماء إلى تأويله ورده إلى المحكم لا يكون محكماً ولا متشابهاً بالمعنى المذكور وهو كثير جداً وأما رابعاً : فلأن المحكم حينئذ لا يكون أمّ الكتاب بمعنى رجوع المتشابه إليه إذ لا رجوع إليه فيما استأثر الله تعالى بعلمه كعدد الزبانية مثلاً ، وأما خامساً : فلأنه قد ثبت في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم دعا لابن عباس فقال : «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل » ولو كان التأويل مما لا يعلمه إلا الله تعالى لما كان للدعاء معنى ، وأما سادساً : فلأن ابن عباس رضي الله تعالى عنه كان يقول : أنا ممن يعلم تأويله ، وأما سابعاً : فلأنه سبحانه وتعالى مدح الراسخين بالتذكر في هذا المقام وهو يشعر بأن لهم الحظ الأوفر من معرفة ذلك ، وأما ثامناً : فلأنّه يبعد أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ، والقول بأن أما للتفصيل فلا بد في مقابلة الحكم على الزائغين من حكم على الراسخين ليتحقق التفصيل .
غاية الأمر أنه حذفت أما والفاء ، وبأن الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فالجمع في قوله سبحانه : { أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب } والتقسيم في قوله تعالى : { مِنْهُ آيات محكمات هُنَّ أُمُّ الكتاب وَأُخَرُ متشابهات } والتفريق في قوله عز شأنه : { فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } الخ فلا بد في مقابلة ذلك من حكم يتعلق بالمحكم وهو أن الراسخين يتبعونه ويرجعون المتشابه إليه على ما هو مضمون قوله سبحانه : { والرسخون في العلم } الخ مجاب عنه بأن كون أما للتفصيل أكثري لا كلي ولو سلم فليس ذكر المقابل في اللفظ بلازم . ثم لو سلم بأن الآية من قبيل الجمع والتقسيم والتفريق فذكر المقابل على سبيل الاستئناف أو الحال أعني : ( يقولون ) الخ كاف في ذلك ، ورجح الثاني بأنه مذهب الأكثرين من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم والتابعين وأتباعهم خصوصاً أهل السنة ، وهو أصح الروايات عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه ، ولم يذهب إلى القول الأول إلا شرذمة قليلة بالنسبة إلى الأكثرين كما نص عليه ابن السمعاني وغيره ويد الله تعالى مع الجماعة ويدل على صحة مذهبهم أخبار كثيرة : الأول ما أخرجه عبد الرزاق في «تفسيره » . والحاكم في «مستدركه » عن ابن عباس أنه كان يقرأ وما يعلم تأويله إلا الله ويقول الراسخون في العلم آمنا به فهذا يدل على أن الواو للاستئناف لأن هذه الرواية وإن لم تثبت بها القراءة فأقل درجاتها أن تكون خبراً بإسناد صحيح إلى ترجمان القرآن في قدم كلامه على من دونه ، وحكى الفراء أن في قراءة أبيّ بن كعب أيضاً ويقول الراسخون في العلم . وأخرج ابن أبي داود في «المصاحف » من طريق الأعمش قال في قراءة ابن مسعود وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به . الثاني ما أخرج الطبراني في «الكبير » عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
" لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خلال : أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا ، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله وما يبتغي تأويله إلا الله تعالى " الحديث الثالث : ما أخرج ابن مردويه من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده رسول الله/ صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضاً فما عرفتم منه فاعملوا به وما تشابه فآمنوا به " الرابع : عن ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " الكتاب الأول ينزل من باب واحد على حرف واحد ونزل القرآن في سبعة أبواب على سبعة : زاجر وآمر وحلال وحرام ومحكم ومتشابه وأمثال فأحلوا حلاله وحرموا حرامه وافعلوا ما أمرتم به وانتهوا عما نهيتم عنه واعتبروا بأمثاله واعلموا بمحكمه وآمنوا بمتشابهه وقولوا : آمنا به كل من عند ربنا " وأخرج البيهقي في «الشعب » نحوه عن أبي هريرة ، الخامس : ما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس مرفوعاً " أنزل القرآن على أربعة أحرف حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته وتفسير تفسره العلماء ومتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى ومن ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب " إلى غير ذلك من الأخبار الدالة على أن المتشابه مما لا يعلم تأويله إلا الله تعالى ، وذهب بعض المحققين إلى أن كلا من الوقف والوصل جائز ولكل منهما وجه وجيه وبين ذلك الراغب بأن القرآن عند اعتبار بعضه ببعض ثلاث أضرب : محكم على الإطلاق ، ومتشابه على الإطلاق ، ومحكم من وجه ، متشابه من وجه ، فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب : متشابه من جهة اللفظ فقط ، ومن جهة المعنى ، ومن جهتهما معاً ، فالأول ضربان :أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة أما من جهة الغرابة نحو الأب ، ويزفون ، أو الاشتراك كاليد والعين . وثانيهما يرجع إلى جملة الكلام المركب وذلك ثلاثة أضرب : ضرب لاختصار الكلام نحو { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ في اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ } [ النساء : 3 ] وضرب لبسطه نحو { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء } [ الشورى : 11 ] لأنه لو قيل : ليس مثله شيء كان أظهر للسامع . وضرب لنظم الكلام نحو { أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا * قَيِّماً } [ الكهف : 1 ، 2 ] إذ تقديره أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف يوم القيامة فإن تلك الصفات لا تتصور لنا إذ لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه أو ليس من جنسه ، والمتشابه من جهتهما خمسة أضرب :
الأول ، من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو { فاقتلوا المشركين } [ التوبة : 5 ] . والثاني : من جهة الكيفية كالوجوب والندب في نحو { فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مّنَ النساء } [ النساء : 3 ] . والثالث : من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو { اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } [ آل عمران : 102 ] . والرابع : من جهة المكان والأمور التي نزلت فيه الآية نحو { َلَيْسَ البر بِأَن تَأْتُواْ البيوت مِن ظُهُورِهَا } [ البقرة : 189 ] و { إِنَّمَا النسىء زِيَادَةٌ في الكفر } [ التوبة : 37 ] فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه تفسير هذه ، والخامس : من جهة الشروط التي يصح بها الفعل ويفسد كشرط الصلاة والنكاح ، ثم قال : وهذه الجملة إذا تصورت علم أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم ؛ ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب : ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة وخروج الدابة وغير ذلك . وقسم للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام الغلقة . وضرب متردد بين الأمرين يختص بمعرفة بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم ، وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله تعالى عنه : «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل2 .
وإذا عرفت هذا ظهر لك جواز الأمرين الوقف على { إِلاَّ الله } والوقف على { الراسخون } وقال بعض أئمة التحقيق : الحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق فالحق الوقف على { إِلاَّ الله } وإن أريد ما لا يتضح بحيث يتناول المجمل ونحوه فالحق العطف ، ويجوز الوقف أيضاً لأنه لا يعلم جميعه أو لا يعلمه بالكنه إلا الله تعالى ، وأما إذا فسر بما دل القاطع أي النص النقلي أو الدليل الجازم العقلي على أن ظاهره غير مراد ولم يقم/ دليل على ما هو المراد ففيه مذهبان . فمنهم من يجوز الخوض فيه وتأويله بما يرجع إلى الجادة في مثله فيجوز عنده الوقف وعدمه . ومنهم من يمنع الخوض فيه فيمتنع تأويله ويجب الوقف عنده ، والذاهبون إلى الوقف من السادة الحنفية أجابوا عما ذكره غيرهم في ترجيح ما ذهبوا إليه من الوجوه ، فعن الأول : بأنه أريد بيان حظ الراسخين مقابلاً لبيان حظ الزائغين إلا أنه لم يقل وأما الراسخون مبالغة في الاعتناء بشأن الراسخين حيث لم يسلك بهم سبيل المعادلة اللفظية لهؤلاء الزائغين وصينوا عن أن يذكروا معهم كما يذكر المتقابلان في الأغلب في مثل هذه المقامات وقريب من هذا قوله تعالى : { الله وَلِيُّ الذين ءامَنُواْ يُخْرِجُهُم مّنَ الظلمات إِلَى النور والذين كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطاغوت } [ البقرة : 257 ] حيث لم يقل والطاغوت أولياء الذين كفروا ، ولا الذين آمنوا وليهم الله ، تعظيماً لشأنه تعالى ورعاية للاعتناء بشأن المؤمنين ، وعن الثاني : بأن فائدة قيد الرسوخ المبالغة في قصر علم تأويل المتشابه عليه تعالى لأنه إذا لم يعلموه هم كما يشعر به الحكم عليهم بأنهم يقولون آمنا به فغيرهم أولى بعدم العلم فلم يبق عالم به إلا الله تعالى .
وعن الثالث : بأنه يلتزم القول بعد الحصر ، وفي «الاتقان » أن بعضاً قال : إن الآية لا تدل على الحصر في الشيئين إذ ليس فيها شيء من طرقه ولولا ذلك لأشكل قوله تعالى : { لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } [ النمل : 44 ] لأن المحكم لا تتوقف معرفته على البيان والمتشابه لا يرجى بيانه فما هذا الذي يبينه النبي صلى الله عليه وسلم ؟ وعن الرابع : بالتزام أن إضافة أم إلى ( الكتاب ) على معنى في ، والمحكم أم في ( الكتاب ) ولكن لا للمتشابه الذي استأثر الله تعالى بعلمه بل هو أم وأصل في فهم العبادات الشرعية كوجوب معرفته وتصديق رسله وامتثال أوامره واجتناب نواهيه ، وعلى تقدير القول بأن الإضافة لامية يلتزم الأمومة للكتاب باعتبار بعضه وهو الواسطة بين القسمين لأن متضح الدلالة كثيراً ما يرجع إليه فيخفيها مما لم يصل إلى حد الاستئثار ، وعن الخامس : بأن التأويل الذي دعا به رسول الله صلى الله عليه وسلم لابن عباس لا يتعين حمله على تأويل ما اختص علمه به تعالى بل يجوز حمله على تفسير ما يخفى تفسيره من القسم المتردد بين الأمرين اللذين ذكرهما الراغب كما ذكره . وعن السادس : بأن الرواية عن ابن عباس أنه قال : «أنا ممن يعلم تأويله » معارضة بما هو أصح منها بدرجات فتسقط عن درجة الاعتبار ، وعلى تقدير تسليم اعتبارها يمكن أن يقال : مراده رضي الله تعالى عنه أنا ممن يعلم تأويله أي المتشابه في الجملة حسبما دعا لي به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذا وإن قيل : إنه متشابه لكنه في الحقيقة واسطة بين المحكم والمتشابه بالمعنى المراد ، وعن السابع : بأن مدح الراسخين بالتذكر ليس لأن لهم حظاً في معرفته بل لأنهم اتعظوا فخالفوا هواهم ووقفوا عند ما حدّ لهم مولاهم ولم يسلكوا مسلك الزائغين ولم يخوضوا مع الخائضين ويمكن على بعد أن يراد بالتذكر الانتفاع مجازاً أي إن الراسخين هم الذين ينتفعون به حيث يؤمنون به لخلوص عقولهم عن غشاوة الهوى كما أنهم آمنوا بالغيب وهذا بخلاف الزائغين حيث صار المتشابه ضرراً عليهم ووبالاً لهم إذ ضلوا فيه كثيراً وأضلوا عن سواء السبيل ، وقد قال سبحانه من قبل فيما ضربه من المثل : { يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين } [ البقرة : 26 ] وعن الثامن : بأنه لا بعد في أن يخاطب الله تعالى عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ويكون ذلك من باب الابتلاء كما ابتلى سبحانه عباده بتكاليف كثيرة وعبادات وفيرة لم يعرف أحد حقيقة السر فيها ، والسر في هذا الابتلاء قص جناح العقل وكسر سورة الفكر وإذهاب عجب طاوس النفس ليتوجه القلب بشراشره تجاه كعبة العبودية ويخضع تحت سرادقات الربوبية ويعترف بالقصور ويقر بالعجز عن الوصول إلى ما في هاتيك القصور وفي ذلك غاية التربية ونهاية المصلحة هذا إذا أريد بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته ما لا سبيل لأحد منهم إلى معرفته من طريق الفكر ، وأما إذا أريد ما لا سبيل إلى معرفته مطلقاً سواء كانت على الإجمال أو التفصيل بالوحي أو بالإلهام لنبي أو لوليّ فوجود مثل هذا المخاطب به في القرآن في حيز المنع ، ولعل القائل بكون المتشابه مما استأثر الله تعالى بعلمه لا يمنع تعليمه للنبي صلى الله عليه وسلم بواسطة الوحي مثلا ولا إلقاءه في روع الوليّ الكامل مفصلاً لكن لا يصل إلى درجة الإحاطة كعلم الله تعالى وإن لم يكن مفصلاً فلا أقل من أن يكون مجملاً ومنع هذا وذاك مما لا يكاد يقول به من يعرف رتبة النبي صلى الله عليه وسلم ورتبة أولياء أمته الكاملين وإنما المنع من الإحاطة ومن معرفته على سبيل النظر والفكر وهو الطريق المعتاد والسبيل المسلوك في معرفته المشكلات واستحصال النظريات ولتبادر هذا المعنى من يعلم إذا أسند إلى الراسخين منع إسناده إليهم ومتى أريد منه العلم لا من طريق الفكر صح الإسناد وجاز العطف ولكن دون توهم هذه الإرادة من ظاهر الكلام خرط القتاد ، فلهذا شاع القول بعدم العطف وكان القول به أسلم .
ويؤيد ما قلنا ما ذكره الإمام الشعراني قال : أخبرني شيخنا عليّ الخواص قدس سره إن الله تعالى أطلعه على معاني سورة الفاتحة فخرّج منها مائتي ألف علم وأربعين ألف علم وتسعمائة وتسعين علماً ، وكان يقول : لا يسمى عالماً أي عند أهل الله تعالى إلا من عرف كل لفظ جاءت به الشريعة ، وقال في «الكشف » في نحو { ق } { ص } { حم } { طس } : لعل إدراك ما تحته عند أهله كإدراكنا للأوليات ولا يستبعد ، ففيض الباري عم نواله غير محصور ؛ واستعداد الإنسان الكامل عن القبول غير محسور ، ومن لم يصدق إجمالاً بأن وراء مدركات الفكرة ومباديها طوراً أو أطواراً حظ العقل منها حظ الحس من المعقولات فهو غير متخلص عن مضيق التعطيل أو التشبيه وإن لم يتدارك حاله بقي بعد كشف الغطا في هذا التيه ، ولتتحقق من هذا أن المراتب مختلفة وأن الإحاطة على الحقائق الإلهية كما هي مستحيلة إلا للباري جل ذكره وأنه لا بد للعارف وإن وصل إلى أعلى المراتب أن يبقى له ما يجب الإيمان به غيباً وهو من المتشابه الذي يقول الراسخون فيه : { بِهِ كُلٌّ مّنْ عِندِ رَبّنَا وَمَا } فهذا ما يجب أن يعتقد كي لا يلحد .
ثم اعلم أن كثيراً من الناس جعل الصفات النقلية من الاستواء واليد والقدم والنزول إلى السماء الدنيا والضحك والتعجب وأمثالها من المتشابه ، ومذهب السلف والأشعري رحمه الله تعالى من أعيانهم كما أبانت عن حاله الإبانة( {[195]} ) أنها صفات ثابتة وراء العقل ما كلفنا إلا اعتقاد ثبوتها مع اعتقاد عدم التجسيم والتشبيه لئلا يضاد النقل العقل ، وذهب الخلف إلى تأويلها وتعيين مراد الله تعالى منها فيقولون : الاستواء مثلاً بمعنى الاستيلاء والغلبة ، وذلك أثر من آثار بعض الصفات الثمانية التي ليس لله تعالى عندهم وراءها صفة حتى ادعى السكوتي وليته سكت أن ما وراء ذلك ممتنع إذ لا يلزم من نفيه محال وكل ما لا يلزم من نفيه محال لا يكون واجباً ، والله تعالى لا يتصف إلا بواجب ، وذكر الشعراني في «الدرر المنثورة » أن مذهب السلف أسلم وأحكم إذ المؤول انتقل عن شرح الاستواء الجسماني على العرش المكاني بالتنزيه عنه إلى التشبيه السلطاني الحادث وهو الاستيلاء على المكان فهو انتقال عن التشبيه بمحدث مّا إلى التشبيه بمحدث آخر فما بلغ عقله في التنزيه مبلغ الشرع فيه في قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء } [ الشورى : 11 ] ألا ترى أنه استشهد في التنزيه العقلي في الاستواء بقول شاعر :
قد استوى بشر على العراق *** من غير حرب ودم مهراق
وأين استواء بشر على العراق من استواء الرحمن على العرش ، ونهاية الأمر يحتاج إلى القول بأن المراد استيلاء يليق بشأن الرحمن جل شأنه فليقل من أول الأمر قبل تحمل مؤنة هذا التأويل استواء يليق بشأن من عز شأنه وتعالى عن إدراك العقول سلطانه ، وهذا أليق بالأدب وأوفق بكمال العبودية وعليه درج صدر الأمة وساداتها وإياها اختار أئمة الفقهاء وقاداتها وإليها دعا أئمة الحديث في القديم والحديث حتى قال محمد بن الحسن كما أخرجه عنه اللالكائي : اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالصفات من غير تفسير ولا تشبيه ، وورد عن سليمان بن يسار أن رجلاً يقال له ضبيع قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن فأرسل إليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقد أعدّ له عراجين النخل فقال : من أنت ؟ فقال : أنا عبد الله ضبيع فأخذ عمر عرجوناً من تلك العراجين فضربه حتى أدمى رأسه وفي رواية فضربه بالجريد حتى ترك ظهره دبرة ثم تركه حتى برئ ثم عاد إليه ثم تركه حتى برئ فدعا به ليعود فقال : إن كنت تريد قتلي فاقتلني قتلاً جميلاً ، فأذن له إلى أرضه ، وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن لا يجالسه أحد من المسلمين .
لا يقال إن تركت أمثال هذه المتشابهات على ظواهرها دلت على التجسيم وإن لم ترد ظواهرها فقد أولت لأن التأويل على ما قالوا : إخراج الكلام عن ظاهره لأنا نقول : نختار الشق الثاني ولا نسلم أن التأويل إخراج الكلام عن ظاهره مطلقاً بل إخراجه إلى معنى معين معلوم كما يقال الاستواء مثلا بمعنى الاستيلاء على أن للتأويل معنيين مشهورين لا يصدق شيء منهما على نفي الظاهر من غير تعيين للمراد ، أحدهما : ترجمة الشيء وتفسيره الموضح له ، وثانيهما : بيان حقيقته وإبرازها إما بالعلم أو بالعقل فإن من قال : بعد التنزيه لا أدري من هذه المتشابهات سوى أن الله تعالى وصف بها نفسه وأراد منها معنى لائقاً بجلاله جل جلاله ، ولا أعرف ذلك المعنى لم يقل في حقه أنه ترجم وأوضح ولا بين الحقيقة وأبرز المراد حتى يقال إنه أول ، ومن أمعن النظر في مأخذ التأويل لم يشك في صحة ما قلنا ، نعم ذهبت شرذمة قليلة من السلف إلى إبقاء نحو المذكورات على ظواهرها إلا أنهم ينفون لوازمها المنقدحة للذهن الموجبة لنسبة النقص إليه عز شأنه ويقولون : إنما هي لوازم لا يصح انفكاكها عن ملزوماتها في صفاتنا الحادثة ، وأما في صفات من ليس كمثله شيء فليست بلوازم في الحقيقة ليكون القول بانفكاكها سفسطة وأين التراب من رب الأرباب وكأنهم إنما قالوا ذلك ظناً منهم أن قول الآخرين من السلف تأويل ، و ( الراسخون في العلم ) لا يذهبون إليه أو أنهم وجدوا بعض الآثار يشعر بذلك مثل ما حكى مقاتل والكلبي عن ابن عباس في { استوى } [ طه : 5 ] أنه بمعنى استقر ، وما أخرجه أبو القاسم من طريق قرة بن خالد عن الحسن عن أمه عن أم سلمة في قوله تعالى : { الرحمن عَلَى العرش استوى } [ طه : 5 ] إنها قالت : الكيف غير معقول والاستواء غير مجهول والإقرار به من الإيمان والجحود به كفر .
وقريب من هذا القول ما يصرح به كلام كثير من ساداتنا الصوفية فإنهم قالوا : إن هذه المتشابهات تجرى على ظواهرها مع القول بالتنزيه الدال عليه قوله تعالى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيء } [ الشورى : 11 ] حيث إن وجود الحق تعالى شأنه لا تقيده الأكوان وإن تجلى في ما شاء منها إذ له كمال الإطلاق حتى عن قيد الإطلاق ، ولا يخفى أن إجراء المتشابهات على ظاهرها مع التنزيه اللائق بجلال ذاته سبحانه طور ما وراء طور العقل وبحر لا يسبح فيه إلا من فاز بقرب النوافل .
وذكر بعض أئمة التدقيق أن العقل سبيله في العلم بالصفات الثمانية المشهورة كعلمه بتلك الصفات التي يدعي الخلف رجوعها إليها إذا أحد النظر ، فقد قام البرهان وشاهد العيان على عدم المماثلة ذاتاً وصفات أيضاً/ لكن صفاته المتعالية وأسماؤه الحسنى قسمان : قسم يناسب ما عندنا من الصفات نوع مناسبة وإن كانت بعيدة ، ولا يقال : فلا بد فيه في أفهامنا معاشر الناقصين من أن يسمى بتلك الأسماء المشتهرة عندنا فيسمى علماً مثلاً لا دواة ولا قلماً ، وقسم ليس كذلك وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم
«أو استأثرت به في علم الغيب عندك » فقد يذكر له أسماء مشوقة لأن منه ما للإنسان الكامل منه نصيب بطريق التخلق والتحقق فيذكر تارة اليد والنزول والقدم ونحو ذلك من المخيلات مع العلم البرهاني والشهود الوجداني بتنزهه تعالى عن كل كمال يتصوره الإنسان ويحيط به فضلاً عن النقصان ، فيعلم أنه أشار إلى ذلك القسم الذي علم بالإجمال ويتوجه إذ ذاك بكليته شطر كعبة الجلال والجمال فيفاض عليه من ينبوع الكمال ما يستأنس عنده وينكشف له جلية الحال ، وإذ ليس له مناسبة بما عندنا لا توجد عبارة يترجم عنها إلا على سبيل الخيال ، وإليه الإشارة بقوله عليه الصلاة والسلام : «من عرف الله تعالى كلّ لسانه » وأخرى بين مقصد الكل ومن أحبه سبحانه ما يصان عن تهمة إدراك الأغيار من نحو تلك الفواتح ، ولعل إدراكها عند أهلها كإدراك الأوليات إلا أنه لا إحاطة بل لا بد من بقاء شيء كما أشير إليه ، وعلى هذا أيضاً الأليق أن يوقف لأنه شعار من لنا فيهم الأسوة الحسنة مع ظهور وجهه لكن لا تجعل الآية حجة على من تأول نحو { والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة } [ الزمر : 67 ] مثلاً إذ لا يسلم أنه داخل في ذلك المتشابه والحمل على المجاز الشائع في كلام العرب والكناية البالغة في الشهرة مبلغ الحقيقة أظهر من الحمل على معنى مجهول ، نعم لو قيل : إن تصوير العظمة على هذا الوجه دال على أن العقل غير مستقل بإدراكها وأنها أجل من أن تحيط بها العقول فالكنه من المتشابه الذي دلت الآية عليه ويجب الإيمان به كان حسناً ، وجمعاً بين ما عليه السلف ومشى عليه الخلف وهو الذي يجب أن يعتقد كيلاً يلزم ازدراء بأحد الفريقين كما فعل ابن القيم حتى قال : لام الأشعرية كنون اليهودية أعاذنا الله تعالى من ذلك ، وعلى هذا يجب أن يفسر المتشابه في الآية بما يعم القسمين ، والمحكم ( أم ) يرجع إليه في تمييز القسمين أحدهما : فرعه الإيماني . والثاني : فرعه الإيقاني ، وابن دقيق العيد توسط في مسألة التأويل ، ويحتمل أنه لم يخرج ما قاله هذا المدقق أخيراً من المتشابه فقال : إذا كان التأويل قريباً من لسان العرب لم ينكر أو بعيداً توقفنا عنه وآمنا بمعناه على الوجه الذي أريد به مع التنزيه وما كان معناه من هذه الألفاظ ظاهراً معهوداً من تخاطب العرب قلنا به من غير توقف كما في قوله تعالى : { ياحسرتى على مَا فَرَّطَتُ في جَنبِ الله } [ الزمر : 56 ] فنحمله على حق الله تعالى وما يجب له فليفهم هذا المقام فكم زلت فيه أقوام بعد أقوام .
( ومن باب الإشارة ) :{ هُوَ الذي أَنزَلَ عَلَيْكَ الكتاب } متنوعاً في الظهور { مِنْهُ آيات محكمات } أحكمت من أن يتطرق إليها الاحتمال والاشتباه فلا تحتمل إلا معنى واحداً { هُنَّ أُمُّ الكتاب } والأصل { وَأُخَرُ متشابهات } تحتمل معنيين فأكثر ويقع فيها الاشتباه وذلك أن الحق تعالى له وجه واحد وهو المطلق الباقي بعد فناء خلقه لا يحتمل التكثر من ذلك الوجه وله وجوه متكثرة بحسب المرايا والمظاهر بها يقع الاشتباه فورد التنزيل كذلك { فَأَمَّا الَّذِينَ فى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ } أي ميل عن الحق { فَيَتَّبِعُونَ مَا تشابه } لاحتجابهم بالكثرة عن الوحدة { وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ } الذي يرجع إليه { إِلاَّ الله } ويعلمه الراسخون في العلم الذين لم يحتجبوا بأحد الأمرين عن الآخر بعلمه الذي منحوه بواسطة قرب النوافل لا بالعلم الفكري الحاصل بواسطة الأقيسة المنطقية ، وبهذا يحصل الجمع بين الوقف على { إِلاَّ الله } والوقف على { الراسخون } { وَمَا يَذَّكَّرُ } بذلك العلم الواحد المفصل في التفاصيل المتشابهة المتكثرة { إِلاَّ أُوْلُواْ الالباب } [ آل عمران : 7 ] الذين صفت عقولهم بنور الهداية وتجردت عن قشر الهوى والعادة