غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ} (3)

1

وأما الثاني فقوله { نزل عليك الكتاب بالحق } كالدعوى . وقوله { وأنزل التوراة والإنجيل من قبل } كالدليل عليها . وتقريره أنكم وافقتمونا على أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قولهما وبين أقوال الكاذبين . ثم إن المعجز قائم في كون القرآن نازلاً من عند الله كما قام في الكتابين . وإذا كان الطريق مشتركاً فالواجب تصديق الكل كالمسلمين . أما قبول البعض ورد البعض فجهل وتقليد ، وإذا لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم ختم بالتهديد والوعيد فقال { إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد } وإنما خص القرآن بالتنزيل والكتابين بالإنزال لأنه نزل منجماً ، فكان معنى التكثير حاصلاً فيه ، وأنهما نزلا جملة . وأما قوله { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب }[ الكهف : 1 ] فالمراد هناك نزوله مطلقاً من غير اعتبار التنجيم . قال أبو مسلم : قوله { بالحق } أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم ، أو أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل ، وأنه قول فصل وليس بالهزل . وقال الأصم : أي بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية ، ولبعضهم على بعض من سلوك سبيل العدالة والإنصاف في المعاملات . وقيل : مصوناً من المعاني الفاسدة المتناقضة كقوله { ولم يجعل له عوجاً قيماً }[ الكهف : 1 ، 2 ]{ لوجدوا فيه اختلافا كثيراً }[ النساء : 82 ] وفي قوله { مصدقاً لما بين يديه } إنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب المتقدمة ، لأن من هو على مثل حاله من كونه أمياً لم يخالط أهل الدرس والقراءة إن كان مفترياً استحال أن يسلم من التحريف والجزاف . وفيه أنه تعالى لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده وتنزيهه عما لا يليق به ، والأمر بالعدل والإحسان وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان . فإن قيل : كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه ؟ فالجواب أن هذا اللفظ صار مطلقاً في معنى التقدم ، أو لغاية ظهور تلك الأخبار جعلها كالحاضر عنده . فإن قلت : كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب مع أنه ناسخ لأحكامها أكثرها ؟ قلنا : إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثته ثم تصير منسوخة عند نزول القرآن ، كانت موافقة للقرآن ، وكان القرآن مصدقاً لها . فأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها لأن المباحث الإلهية والقصص والمواعظ لا تختلف . والتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية . فالاشتغال باشتقاقهما لا يفيد إلا أن بعض الأدباء قد تكلف ذلك فقال الفراء : التوراة معناها الضياء والنور من ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت النار . قال : وأصلها تورية بفتح التاء والراء ولهذا قلبت الياء ألفاً . أو تورية بكسر الراء " تفعلة " مثل " توفية " إلا أن الراء فتحت على لغة طي فإنهم يقولون في بادية " باداة " . وزعم الخليل والبصريون أن أصلها " وورية " " فوعلة " كصومعة فقلبت الواو الأولى تاء كتجاه وتراث . وأما الإنجيل فالزجاج : إفعيل من النجل الأصل أي هو الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين . وقيل : من نجلت الشيء استخرجته أي إنه تعالى أظهر الحق بسببه . أبو عمرو الشيباني : التناجل التنازع سمي بذلك لأن القوم تنازعوا فيه .

/خ11