الكشف والبيان في تفسير القرآن للثعلبي - الثعلبي  
{نَزَّلَ عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ مُصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَأَنزَلَ ٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَ} (3)

{ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ } قرأ إبراهيم بن أبي عبلة : نزل بتحفيف [ الزاي ] ، الكتاب : برفع الباء ، وقرأ الباقون : بتشديد الزاي ونصب الباء على التكثير ؛ لأنَّ القرآن كان ينزل نجوماً شيئاً بعد شيء والتنزيل يكون مرّة بعد مرَّة ، وقال : { وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ } ؛ لأنهما نزلتا دفعة نزل عليك يا محمد الكتاب القرآن { بِالْحَقِّ } : بالعدل ، والصدق ، { مُصَدِّقاً } : موافقاً { لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ } : لما قبله من الكتب في التوحيد ، والنبوَّات ، والأخبار ، وبعض الشرائع .

{ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ } قال البصريون : أصلها وَوْديه دوجله وحرقله فحوَّلت الواو الاولى تاء وجعلت الياء المفتوحة ألفاً فصارت توراة ، ثم كتبت بالياء على أصل الكلمة ، وقال الكوفيون : هي تفعله والعلة فيه ما ذكرنا مثل ( توصية ) ، و( توفية ) فقلبت الياء ألفاً كما يفعل طي ، فيقول للجارية : جاراة ، وللناصية : ناصاة ، وأصلها من قولهم : " وري الزند " إذا أخرجت ناره وأولته أنا ، قال اللّه عز وجل :

{ أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ } [ الواقعة : 71 ] ، وقال :

{ فَالمُورِيَاتِ قَدْحاً } [ العاديات : 2 ] فتسمى تورية ؛ لأنه نور وضياء دلَّ عليه قوله تعالى :

{ وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ } [ الأنبياء : 48 ] قاله الفراء ، وأكثر العلماء ، وقال ( المؤرج : ) هي من التورية وهي كتمان الشيء والتعريض لغيره .

ومن الحديث كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلَّم " إذا أراد شيئاً وري بغيره " .

وكان أكثر التورية معارض وتلويحاً من غير إيضاح وتصريح ، وقيل : هي بالعبرانية " نوروثو " ومعناه : الشريعة .

والإنجيل أفضل من ( النجل ) وهو الخروج ، ومنه سميَّ الولد " نجلاً " لخروجه . قال الأعشى :

أنجب أزمان والداه به *** اذ نجَّلاه فنعم ما نجلا

فسمي بذلك ؛ لأن اللّه تعالى أخرج به دارساً من الحق عافياً .

ويقال : هو من المتنجل ، وهو سعة الجن ، يقال : قطعنه نجلا أي : واسعة فسمي بذلك ؛ لأنه أصل أخرجه لهم ووسعه عليهم نوراً وضياء ، وقيل : هو بالسريانية " انقليون " ومعناه : الشريعة :

وقرأ الحسن الأنجيل بفتح الهمزة ، يصححه الباقون بالكسر مثل : الإكليل .