قوله تعالى : { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما } .
اعلم أنه تعالى لما أمر بطاعة الله وطاعة الرسول بقوله : { يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول } ثم زيف طريقة الذين تحاكموا إلى الطاغوت وصدوا عن الرسول ، ثم أعاد الأمر بطاعة الرسول مرة أخرى فقال : { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله } ثم رغب في تلك الطاعة بقوله : { لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا وإذا لآتيناهم من لدنا أجرا عظيما ولهديناهم صراطا مستقيما } أكد الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول في هذه الآية مرة أخرى فقال : { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين } إلى آخر الآية وههنا مسائل :
المسألة الأولى : ذكروا في سبب النزول وجوها : الأول : روى جمع من المفسرين أن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قليل الصبر عنه ، فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن حاله ، فقال يا رسول الله ما بي وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك ، فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك ، لأني إن أدخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين وأنا في درجة العبيد فلا أراك ، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدا ، فنزلت هذه الآية . الثاني : قال السدي : إن ناسا من الأنصار قالوا : يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها ، ونحن نشتاق إليك ، فكيف نصنع ؟ فنزلت الآية . الثالث : قال مقاتل : نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي صلى الله عليه وسلم : يا رسول الله إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك ، فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك ، ثم ذكرت درجتك في الجنة ، فكيف لنا برؤيتك إن دخلنا الجنة ؟ فأنزل الله هذه الآية ، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم أتى الأنصار ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده إلى أن ألقاه ، فعمي مكانه ، فكان يحب النبي حبا شديدا فجعله الله معه في الجنة . الرابع : قال الحسن : إن المؤمنين قالوا للنبي عليه السلام : مالنا منك إلا الدنيا ، فإذا كانت الآخرة رفعت فى الأولى فحزن النبي صلى الله عليه وسلم وحزنوا ، فنزلت هذه الآية . قال المحققون : لا ننكر صحة هذه الروايات إلا أن سبب نزول الآية يجب أن يكون شيئا أعظم من ذلك ، وهو البعث على الطاعة والترغيب فيها ، فإنك تعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ ، فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين ، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عند الله تعالى .
المسألة الثانية : ظاهر قوله : { ومن يطع الله والرسول } يوجب الاكتفاء بالطاعة الواحدة . لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في العمل به في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة . قال القاضي : لا بد من حمل هذا على غير ظاهره ، وأن تحمل الطاعة على فعل المأمورات وترك جميع المنهيات ، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الفساق والكفار ، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة . وعندي فيه وجه آخر ، وهو أنه ثبت في أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الصفة مشعر بكون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف ، إذا ثبت هذا فنقول : قوله : { ومن يطع الله } أي ومن يطع الله في كونه إلها ، وطاعة الله في كونه إلها هو معرفته والإقرار بجلاله وعزته وكبريائه وصمديته ، فصارت هذه الآية تنبيها على أمرين عظيمين من أحوال المعاد ، فالأول : هو أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراق الروح بأنوار معرفة الله ، وكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر ، وصفاؤها أقوى ، وبعدها عن التكدر بمحبة عالم الأجسام أتم كان إلى السعادة أقرب وإلى الفوز بالنجاة أوصل . والثاني : أنه تعالى ذكر في الآية المتقدمة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجزيل والهداية إلى الصراط المستقيم ، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، وهذا الذي وقع به في الختم لا بد أن يكون أشرف وأعلى مما قبله ، ومعلوم أنه ليس المراد من كون هؤلاء معهم هو أنهم يكونون في عين تلك الدرجات ، لأن هذا ممتنع ، فلا بد وأن يكون معناه أن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقها مع الأرواح الكاملة في الدنيا لسبب الحب الشديد ، فإذا فارقت هذا العالم ووصلت إلى عالم الآخرة بقيت تلك العلائق الروحانية هناك ، ثم تصير تلك الأرواح الصافية كالمرايا المجلوة المتقابلة ، فكأن هذه المرايا ينعكس الشعاع من بعضها على بعض ، وبسبب هذه الانعكاسات تصير أنوارها في غاية القوة ، فكذا القول في تلك الأرواح فإنها لما كانت مجلوة بصقالة المجاهدة عن غبار حب ما سوى الله ، وذلك هو المراد من طاعة الله وطاعة الرسول ، ثم ارتفعت الحجب الجسدانية أشرقت عليها أنوار جلال الله ، ثم انعكست تلك الأنوار من بعضها إلى بعض وصارت الأرواح الناقصة كاملة بسبب تلك العلائق الروحانية ، فهذا الاحتمال خطر بالبال والله أعلم بأسرار كلامه .
المسألة الثالثة : ليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين ، كون الكل في درجة واحدة ، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول ، وإنه لا يجوز . بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر ، وإن بعد المكان ، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا ، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه ، فهذا هو المراد من هذه المعية .
المسألة الرابعة : اعلم أنه تعالى ذكر النبيين ، ثم ذكر أوصافا ثلاثة : الصديقين والشهداء والصالحين ، واتفقوا على أن النبيين مغايرون للصديقين والشهداء والصالحين ، فأما هذه الصفات الثلاثة فقد اختلفوا فيها ، قال بعضهم : هذه الصفات كلها لموصوف واحد ، وهي صفات متداخلة فإنه لا يمتنع في الشخص الواحد أن يكون صديقا وشهيدا وصالحا . وقال الآخرون : بل المراد بكل وصف صنف من الناس ، وهذا الوجه أقرب لأن المعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه ، وكما أن النبيين غير من ذكر بعدهم ، فكذلك الصديقون يجب أن يكونوا غير من ذكر بعدهم وكذا القول في سائر الصفات ، ولنبحث عن هذه الصفات الثلاث :
الصفة الأولى : الصديق : وهو اسم لمن عادته الصديق ، ومن غلب على عادته فعل إذا وصف بذلك الفعل قيل فيه فعيل ، كما يقال : سكير وشريب وخمير ، والصديق صفة كريمة فاضلة من صفات المؤمنين ، وكفى الصدق فضيلة أن الإيمان ليس إلا التصديق ، وكفى الكذب مذمة أن الكفر ليس إلا التكذيب .
إذا عرفت هذا فنقول : للمفسرين في الصديق وجوه : الأول : أن كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك فهو صديق ، والدليل عليه قوله تعالى : { والذين ءامنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون } . الثاني : قال قوم : الصديقون أفاضل أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام . الثالث : أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فصار في ذلك قدوة لسائر الناس ، وإذا كان الأمر كذلك كان أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أولى الخلق بهذا الوصف أما بيان أنه سبق إلى تصديق الرسول عليه الصلاة والسلام فلأنه قد اشتهرت الرواية عن الرسول عليه الصلاة والسلام أنه قال : «ما عرضت الإسلام على أحد إلا وله نبوة غير أبي بكر فإنه لم يتلعثم » دل هذا الحديث على أنه صلى الله عليه وسلم لما عرض الإسلام على أبي بكر قبله أبو بكر ولم يتوقف ، فلو قدرنا أن إسلامه تأخر عن إسلام غيره لزم أن يقال : إن النبي صلى الله عليه وسلم قصر حيث أخر عرض الإسلام عليه ، وهذا لا يكون قدحا في أبي بكر ، بل يكون قدحا في الرسول صلى الله عليه وسلم وذلك كفر ، ولما بطل نسبة هذا التقدير إلى الرسول علمنا أنه صلى الله عليه وسلم أنه ما قصر في عرض الإسلام عليه ، والحديث دل على أن أبا بكر لم يتوقف البتة ، فحصل من مجموع الأمرين أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه أسبق الناس إسلاما ، أما بيان أنه كان قدوة لسائر الناس في ذلك فلأن بتقدير أن يقال : إن إسلام علي كان سابقا على إسلام أبي بكر ، إلا أنه لا يشك عاقل أن عليا ما صار قدوة في ذلك الوقت ، لأن عليا كان في ذلك الوقت صبيا صغيرا ، وكان أيضا في تربية الرسول عليه الصلاة والسلام ، وكان شديد القرب منه بالقرابة ، وأبو بكر ما كان شديد القرب منه بالقرابة وإيمان من هذا شأنه يكون سببا لرغبة سائر الناس في الإسلام .
وذلك لأنهم اتفقوا على أنه رضي الله تعالى عنه لما آمن جاء بعد ذلك بمدة قليلة بعثمان بن عفان رضي الله عنه ، وطلحة والزبير وسعد بن أبي وقاص وعثمان بن مظعون رضي الله تعالى عنهم أجمعين حتى أسلموا ، فكان إسلامه سببا لاقتداء هؤلاء الأكابر به ، فثبت بمجموع ما ذكرنا أنه رضوان الله عليه كان أسبق الناس إسلاما ، وثبت أن إسلامه صار سببا لاقتداء أفاضل الصحابة في ذلك الإسلام ، فثبت أن أحق الأمة بهذه الصفة أبو بكر رضي الله عنه . إذا عرفت هذا فنقول : هذا الذي ذكرناه يقتضي أنه كان أفضل الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبيانه من وجهين : الأول : أن إسلامه لما كان أسبق من غيره وجب أن يكون ثوابه أكثر ؛ لقوله عليه الصلاة والسلام : «من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة » الثاني : أنه بعد أن أسلم جاهد في الله وصار جهاده مفضيا إلى حصول الإسلام لأكابر الصحابة مثل عثمان وطلحة والزبير وسعد ابن أبي وقاص وعثمان بن مظعون وعلي رضي الله تعالى عنهم ، وجاهد علي يوم أحد ويوم الأحزاب في قتل الكفار ، ولكن جهاد أبي بكر رضي الله عنه أفضى إلى حصول الإسلام لمثل الذين هم أعيان الصحابة ، وجهاد علي أفضى إلى قتل الكفار ، ولا شك أن الأول أفضل ، وأيضا فأبو بكر جاهد في أول الإسلام حين كان النبي صلى الله عليه وسلم في غاية الضعف ، وعلي إنما جاهد يوم أحد ويوم الأحزاب ، وكان الإسلام قويا في هذه الأيام ، ومعلوم أن الجهاد وقت الضعف أفضل من الجهاد وقت القوة ، ولهذا المعنى قال تعالى : { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } فبين أن نصرة الإسلام وقت ما كان ضعيفا أعظم ثوابا من نصرته وقت ما كان قويا ، فثبت من مجموع ما ذكرنا أن أولى الناس بهذا الوصف هو الصديق ، فلهذا أجمع المسلمون على تسليم هذا اللقب له إلا من لا يلتفت إليه فإنه ينكره ، ودل تفسير الصديق بما ذكرناه على أنه لا مرتبة بعد النبوة في الفضل والعلم إلا هذا الوصف وهو كون الإنسان صديقا ، وكما دل الدليل عليه فقد دل لفظ القرآن عليه ، فإنه أينما ذكر الصديق والنبي لم يجعل بينهما واسطة ، فقال في وصف إسماعيل :
{ إنه كان صادق الوعد } وفي صفة إدريس { إنه كان صديقا نبيا } وقال في هذه الآية : { من النبيين والصديقين } يعني إنك إن ترقيت من الصديقية وصلت إلى النبوة ، وإن نزلت من النبوة وصلت إلى الصديقية ، ولا متوسط بينهما ، وقال في آية أخرى : { والذى جاء بالصدق وصدق به } فلم يجعل بينهما واسطة ، وكما دلت هذه الدلائل على نفي الواسطة فقد وفق الله هذه الأمة الموصوفة بأنها خير أمة حتى جعلوا الإمام بعد الرسول عليه الصلاة والسلام أبا بكر على سبيل الإجماع ، ولما توفي رضوان الله عليه دفنوه إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما ذاك إلا أن الله تعالى رفع الواسطة بين النبيين والصديقين في هذه الآية ، فلا جرم ارتفعت الواسطة بينهما في الوجوه التي عددناها .
الصفة الثانية : الشهادة : والكلام في الشهداء قد مر في مواضع من هذا الكتاب ، ولا بأس بأن نعيد البعض فنقول : لا يجوز أن تكون الشهادة مفسرة بكون الإنسان مقتول الكافر ، والذي يدل عليه وجوه : الأول : أن هذه الآية دالة على أن مرتبة الشهادة مرتبة عظيمة في الدين ، وكون الإنسان مقتول الكافر ليس فيه زيادة شرف ، لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق ومن لا منزلة له عند الله . الثاني : أن المؤمنين قد يقولون : اللهم ارزقنا الشهادة ، فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من الله ذلك القتل وأنه غير جائز ، لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر ، فكيف يجوز أن يطلب من الله ما هو كفر ، الثالث : روي أنه صلى الله عليه وسلم قال : المبطون شهيد والغريق شهيد ، فعلمنا أن الشهادة ليست عبارة عن التقل ، بل نقول : الشهيد فعيل بمعنى الفاعل ، وهو الذي يشهد بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان ، وأخرى بالسيف والسنان ، فالشهداء هم القائمون بالقسط ، وهم الذين ذكرهم الله في قوله : { شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط } ويقال للمقتول في سبيل الله شهيد من حيث أنه بذل نفسه في نصرة دين الله ، وشهادته له بأنه هو الحق وما سواه هو الباطل ، وإذا كان من شهداء الله بهذا المعنى كان من شهداء الله في الآخرة ، كما قال : { وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس } .
الصفة الثالثة : الصالحون : والصالح هو الذي يكون صالحا في اعتقاده وفي عمله ، فإن الجهل فساد في الاعتقاد ، والمعصية فساد في العمل ، واذا عرفت تفسير الصديق والشهيد والصالح ظهر لك ما بين هذه الصفات من التفاوت ، وذلك لأن كل من كان اعتقاده صوابا وكان عمله طاعة وغير معصية فهو صالح ، ثم أن الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين الله بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل ، وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل وأخرى بالسيف ، وقد لا يكون الصالح موصوفا بكونه قائما بهذه الشهادة ، فثبت أن كل من كان شهيدا كان صالحا ، وليس كل من كان صالحا شهيدا ، فالشهيد أشرف أنواع الصالح ، ثم أن الشهيد قد يكون صديقا وقد لا يكون : ومعنى الصديق الذي كان أسبق إيمانا من غيره ، وكان إيمانه قدوة لغيره ، فثبت أن كل من كان صديقا كان شهيدا ، وليس كل من كان شهيدا كان صديقا ، فثبت أن أفضل الخلق هم الأنبياء عليهم السلام ، وبعدهم الصديقون ، وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة ، وبعدهم من ليس له إلا محض درجة الصلاح . فالحاصل أن أكابر الملائكة يأخذون الدين الحق عن الله ، والأنبياء يأخذون عن الملائكة ، كما قال :
{ ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشآء من عباده } والصديقون يأخذونه عن الأنبياء . والشهداء يأخذونه عن الصديقين ، لأنا بينا أن الصديق هو الذي يأخذ في المرة الأولى عن الأنبياء وصار قدوة لمن بعده ، والصالحون يأخذونه عن الشهداء ، فهذا هو تقرير هذه المراتب وإذا عرفت هذا ظهر لك أنه لا أحد يدخل الجنة إلا وهو داخل في بعض هذه النعوت والصفات .
ثم قال تعالى : { وحسن أولئك رفيقا } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال صاحب «الكشاف » : فيه معنى التعجيب . كأنه قيل : ما أحسن أولئك رفيقا .
المسألة الثانية : الرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل ، وصاحبه رفيق . هذا معناه في اللغة ثم الصاحب يسمى رفيقا لارتفاق بعضهم ببعض .
المسألة الثالثة : قال الواحدي : إنما وحد الرفيق وهو صفة لجمع ، لأن الرفيق والرسول والبريد تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع قال تعالى : { إنا رسول رب العالمين } ولا يجوز أن يقال : حسن أولئك رجلا ، وبالجملة فهذا إنما يجوز في الاسم الذي يكون صفة ، أما إذا كان اسما مصرحا مثل رجل وامرأة لم يجز ، وجوز الزجاج ذلك في الاسم أيضا وزعم أنه مذهب سيبويه ، وقيل : معنى قوله : { وحسن أولئك رفيقا } أي حسن كل واحد منهم رفيقا ، كما قال : { يخرجكم طفلا } .
المسألة الرابعة : { رفيقا } نصب على التمييز ، وقيل على الحال : أي حسن واحد منهم رفيقا .
المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى بين فيمن أطاع الله ورسوله أنه يكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ، ثم لم يكترث بذلك ، بل ذكر أنه يكون رفيقا له ، وقد ذكرنا أن الرفيق هو الذي يرتفق به في الحضر والسفر ، فبين أن هؤلاء المطيعين يرتفقون بهم ، وإنما يرتقون بهم إذا نالوا منهم رفقا وخيرا ، ولقد ذكرنا مرارا كيفية هذا الارتفاق ، وأما على حسب الظاهر فلأن الإنسان قد يكون مع غيره ولا يكون رفيقا له ، فأما إذا كان عظيم الشفقة عظيم الاعتناء بشأنه كان رفيقا له ، فبين تعالى أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون له كالرفقاء من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته .
{ وَمَن يُطِعِ الله } بالانقياد لأمره ونهيه { والرسول } المبلغ ما أوحي إليه منه باتباع شريعته والرضا بحكمه ، والكلام مستأنف فيه فضل ترغيب في الطاعة ومزيد تشويق إليها ببيان أن نتيجتها أقصى ما تنتهي إليه همم الأمم ، وأرفع ما تمتد إليه أعناق ( أمانيهم ، وتشرأب إليه أعين ) عزائمهم من مجاورة أعظم الخلائق مقداراً وأرفعهم مناراً ، ومتضمن لتفسير ما أبهم وتفصيل ما أجمل في جواب الشرطية السابقة و { مِنْ } شرطية وإفراد ضمير { يُطِعِ } مراعاة للفظ ، والجمع في قوله سبحانه : { فَأُوْلَئِكَ } مراعاة للمعنى أي فالمطيعون الذين علت درجتهم وبعدت منزلتهم شرفاً وفضلاً .
{ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم } بما تقصر العبارة عن تفصيله وبيانه { مّنَ النبيين } بيان للمنعم عليهم فهو حال إما من { الذين } أي مقارنيهم حال كونهم من النبيين وإما من ضميره والتعرض لمعية الأنبياء دون نبينا صلى الله عليه وسلم خاصة مع أن الكلام في بيان حكم طاعته عليه الصلاة والسلام لجريان ذكرهم في سبب النزول مع الإشارة إلى أن طاعته متضمنة لطاعتهم ، أخرج الطبراني وأبو نعيم والضياء المقدسي وحسنه قال : «جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله إنك لأحب إليّ من نفسي وإنك لأحب إليّ من ولدي وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك وإذا ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم شيئاً حتى نزل جبريل بهذه الآية { وَمَن يُطِعِ الله } » الخ ، وروي مثله عن ابن عباس . وقال الكلبي : إن ثوبان مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم كان شديد الحب له عليه الصلاة والسلام قليل الصبر عنه ، وقد نحل جسمه وتغير لونه خوف عدم رؤيته صلى الله عليه وسلم بعد الموت فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى هذه الآية ، وعن مسروق «إن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا : ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا فنزلت » وبدأ بذكر النبيين لعلو درجتهم وارتفاعهم على من عداهم ، وقد نقل الشعراني عن مولانا الشيخ الأكبر قدس سره أنه قال : «فتح لي قدر خرم إبرة من مقام النبوة تجلياً لا دخولاً فكدت أحترق » ثم عطف ( عليهم ) على سبيل التدلي قوله سبحانه :
{ والصادقين * والشهداء والصالحين } فالمنازل أربعة بعضها دون بعض : الأول : منازل الأنبياء وهم الذين تمدهم قوة إلهية وتصحبهم نفس في أعلى مراتب القدسية ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من قريب ، ولذلك قال تعالى في صفة نبينا صلى الله عليه وسلم :
{ أفتمارونه على مَا يرى } [ النجم : 12 ] ، والثاني : منازل الصديقين وهم الذين يتأخرون على الأنبياء عليهم السلام في المعرفة ، ومثلهم كمن يرى الشيء عياناً من بعيد ، وإياه عنى علي كرم الله تعالى وجهه حيث قيل له : هل رأيت الله تعالى ؟ فقال : ما كنت لأعبد رباً لم أره ، ثم قال : لم تره العيون بشواهد العيان ولكن رأته القلوب بحقائق الإيمان ، والثالث : منازل الشهداء وهم الذين يعرفون الشيء بالبراهين ، ومثلهم كمن يرى الشيء في المرآة من مكان قريب كحال من قال : كأني أنظر إلى عرش ربي بارزاً ، وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " أعبد الله تعالى كأنك تراه " ، والرابع : منازل الصالحين وهم الذين يعلمون الشيء بالتقليد الجازم ، ومثلهم كمن يرى الشيء من بعيد في مرآة وإياه قصد النبي صلى الله عليه وسلم بقوله : " فإن لم تكن تراه فإنه يراك " قاله الراغب ونقله الطيبي وغيره ، ونقل بعض تلامذة مولانا الشيخ خالد النقشبندي قدس سره عنه «أنه قرر يوماً أن مراتب الكمل أربعة : نبوة وقطب مدارها نبينا صلى الله عليه وسلم ، ثم صديقية وقطب مدارها أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه ، ثم شهادة وقطب مدارها عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه ، ثم ولاية وقطب مدارها علي كرم الله تعالى وجهه ، وأن الصلاح في الآية إشارة إلى الولاية فسأله بعض الحاضرين عن عثمان رضي الله تعالى عنه في أي مرتبة هو من مراتب الثلاثة بعد النبوة فقال : إنه رضي الله تعالى عنه قد نال حظاً من رتبة الشهادة وحظاً من رتبة الولاية ، وأن معنى كونه ذا النورين هو ذلك عند العارفين انتهى .
وأنا مستعيناً بالله تعالى ومستمداً من القوم قدس الله تعالى أسرارهم أقول : إن الولاية هي المحيطة العامة والفلك الدائر والدائرة الكبرى ، وأن الولي من كان على بينة من ربه في حاله فعرف ما له بإخبار الحق إياه على الوجه الذي يقع به التصديق عنده ويصدق على أصناف كثيرة إلا أن المذكور منها في هذه الآية أربعة : الصنف الأول : الأنبياء ، والمراد بهم هنا الرسل أهل الشرع سواء بعثوا أو لم يبعثوا أعني بطريق الوجوب عليهم ولا بحث لأهل الله تعالى عن مقاماتهم وأحوالهم إذ لا ذوق لهم فيها وكلهم معترفون بذلك غير أنهم يقولون : إن النبوة عامة وخاصة والتي لا ذوق لهم فيها هي الخاصة أعني نبوة التشريع وهي مقام خاص في الولاية . وأما النبوة العامة فهي مستمرة سارية في أكابر الرجال غير منقطعة دنيا وأخرى لكن باب الإطلاق قد انسد ، وعلى هذا يخرج ما رواه البدر التماسكي البغدادي عن الشيخ بشير عن القطب عبد القادر الجيلي قدس سره أنه قال : معاشر الأنبياء أوتيتم اللقب وأوتينا ما لم تؤتوا فإن معنى قوله : أوتيتم اللقب أنه حجر علينا إطلاق لفظ النبي ، وإن كانت النبوة العامة أبدية ، وقوله : وأوتينا ما لم تؤتوا على حدّ قول الخضر لموسى عليه السلام وهو أفضل منه يا موسى أنا على علم علمنيه الله تعالى لا تعلمه أنت ، وهذا وجه آخر غير ما أسلفنا من قبل في توجيه هذا الكلام .
والصنف الثاني : الصديقون وهم المؤمنون بالله تعالى ورسله عن قول المخبر لا عن دليل سوى النور الإيماني الذي أعد في قلوبهم قبل وجود المصدق به المانع لها من تردد أو شك يدخلها في قول المخبر الرسول ومتعلقه في الحقيقة الإيمان بالرسول ويكون الإيمان بالله تعالى على جهة القربة لا على إثباته إذ كان بعض الصديقين قد ثبت عندهم وجود الحق جل وعلا ضرورة أو نظراً لكن ما ثبت كونه قربة وليس بين النبوة والصديقية كما قال حجة الإسلام وغيره مقام ، ومن تخطى رقاب الصديقين وقع في النبوة وهي باب مغلق ، وأثبت الشيخ الأكبر قدس سره مقاماً بينهما سماه مقام القربة ، وهو السر الذي وقر في قلب أبي بكر رضي الله تعالى عنه المشار إليه في الحديث «فليس بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر رضي الله تعالى عنه رجل أصلاً » لا أنه ليس بين الصديقية والنبوة مقام ولها أجزاء على عدد شعب الإيمان ، وفسرها بعضهم بأنها نور أخضر بين نورين يحصل به شهود عين ما جاء به المخبر من خلف حجاب الغيب بنور الكرم وبين ذلك بما يطول .
والصنف الثالث : الشهداء تولاهم الله تعالى بالشهادة وجعلهم من المقربين ، وهم أهل الحضور مع الله تعالى على بساط العلم به فقد قال سبحانه : { شَهِدَ الله أَنَّهُ لا إله إِلاَّ هُوَ والملائكة وَأُوْلُواْ العلم } [ آل عمران : 18 ] فجمعهم مع الملائكة في بساط الشهادة فهم موحدون عن حضور إلهيّ وعناية أزلية فإن بعث الله تعالى رسولاً وآمنوا به فهم المؤمنون العلماء ولهم الأجر التام يوم القيامة وإلا فليس هم الشهداء المنعم عليهم وإيمانهم بعد العلم بما قاله الله سبحانه : إن ذلك قربة إليه من حيث قاله الله سبحانه ، أو قاله الرسول الذي جاء من عنده فقدم الصديق على الشهيد وجعل بإزاء النبي فإنه لا واسطة بينهما لاتصال نور الإيمان بنور الرسالة ، والشهداء لهم نور العلم مساوق لنور الرسول من حيث هو شاهد لله تعالى بتوحيده لا من حيث هو رسول فلا يصح أن يكون بعده مع المساوقة لئلا تبطل ولا أن يكون معه لكونه رسولاً ، والشاهد ليس به فلا بد أن يتأخر فلم يبق إلا أن يكون في الرتبة التي تلي الصديقية فإن الصديق أتم نوراً منه في الصديقية لأنه صديق من وجهين : وجه التوحيد ووجه القربة ، والشهيد من وجه القربة خاصة لأن توحيده عن علم لا عن إيمان فنزل عن الصديق في مرتبة الإيمان وهو فوقه في مرتبة العلم فهو المتقدم في مرتبة العلم المتأخر برتبة الإيمان والتصديق فإنه لا يصح من العالم أن يكون صديقاً ، وقد تقدم العلم مرتبة الخبر فهو يعلم أنه صادق في توحيد الله تعالى إذا بلغ رسالة الله تعالى والصديق لم يعلم ذلك إلا بنور الإيمان المعد في قلبه فعندما جاء الرسول اتبعه من غير دليل ظاهر .
والصنف الرابع : الصالحون تولاهم الله تعالى بالصلاح وهم الذين لا يدخل في علمهم بالله تعالى ولا إيمانهم به وبما جاء من عنده سبحانه خلل فإذا دخله بطل كونه صالحاً وكل من لم يدخله خلل في صديقيته فهو صالح ، ولا في شهادته فهو صالح ، ولا في توبته فهو صالح ، ولكل أحد أن يدعو بتحصيل الصلاح له في المقام الذي يكون فيه لجواز دخول الخلل عليه في مقامه لأن الأمر اختصاص إلهي وليس بذاتي فيجوز دخول الخلل فيه ، ويجوز رفعه ، فصح أن يدعو الصالح بأن يجعل من الصالحين أي الذين لا يدخل صلاحهم خلل في زمان مّا ، وقد ذكر أنه ما من نبي إلا وذكر أنه صالح أو أنه دعا أن يكون من الصالحين مع كونه نبياً ، ومن هنا قيل : إن مرتبة الصلاح خصوص في النبوة وقد تحصل لمن ليس بنبي ولا صديق ولا شهيد .
هذا ما وقفت عليه من كلام القوم قدس الله تعالى أسرارهم ، ولم أظفر بالتفصيل الذي ذكره مولانا الشيخ قدس سره فتدبر ، وقد ذكر أصحابنا الرسميون أن الصديق صيغة مبالغة كالسكير بمعنى المتقدم في التصديق المبالغ في الصدق والإخلاص في الأقوال والأفعال ، ويطلق على كل من أفاضل أصحاب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وأماثل خواصهم كأبي بكر رضي الله تعالى عنه ، وأن الشهداء جمع شهيد ، والمراد بهم الذين بذلوا أرواحهم في طاعة الله تعالى وإعلاء كلمته وهم المقتولون بسيف الكفار من المسلمين ، وقيل : المراد بهم ههنا ما هو أعم من ذلك ، فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : «قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما تعدون الشهيد فيكم ؟ قالوا : يا رسول الله من قتل في سبيل الله تعالى فقال صلى الله عليه وسلم : إن شهداء أمتي إذاً لقليل من قتل في سبيل الله تعالى فهو شهيد ، ومن مات في الطاعون فهو شهيد ، ومن مات مبطوناً فهو شهيد » وعد بعضهم الشهداء أكثر من ذلك بكثير ، وقيل : الشهيد هو الذي يشهد لدين الله تعالى تارة بالحجة والبيان ، وأخرى بالسيف والسنان ، وزعم النيسابوري أنه لا يبعد أن يدخل كل هذه الأمة في الشهداء لقوله تعالى :
{ وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا لّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى الناس } [ البقرة : 143 ] وليس بشيء كما لا يخفى ، وأن المراد بالصالحين الصارفين( {[255]} ) أعمارهم في طاعة الله تعالى وأموالهم في مرضاته سبحانه ، ويقال : الصالح هو الذي صلحت حاله واستقامت طريقته . «والمصلح هو الفاعل لما فيه ( الصلاح ) قال الطبرسي : ولذا يجوز أن يقال : مصلح في حق الله تعالى دون صالح » ، وليس المراد بالمعية اتحاد الدرجة ولا مطلق الاشتراك في دخول الجنة بل كونهم فيها بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر وزيارته متى أراد وإن بعدت المسافة بينهما ، وذكر غير واحد أنه لا مانع من أن يرفع الأدنى إلى منزلة الأعلى متى شاء تكرمة له ثم يعود ولا يرى أنه أرغد منه عيشاً ولا أكمل لذة لئلا يكون ذلك حسرة في قلبه ، وكذا لا مانع من أن ينحدر الأعلى إلى منزلة الأدنى ثم يعود من غير أن يرى ذلك نقصاً في ملكه أو حطاً من قدره . وقد ثبت في غير ما حديث أن أهل الجنة يتزاورون ، وادعى بعضهم أن لا تزاور مع رؤية كل واحد الآخر ، وذلك لأن عالم الأنوار لا تمانع فيها ولا تدافع فينعكس بعضها على بعض كالمرايا المجلوة المتقابلة ، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى : { إِخْوَانًا على سُرُرٍ متقابلين } [ الحجز : 47 ] وزعم أنه التحقيق وهو بعيد عنه ، وأبعد من ذلك بمراحل ما قيل : يحتمل أن يكون المراد أن معنى كون المطيع مع هؤلاء أنه معهم في سلوك طريق الآخرة فيكون مأموناً من قطاع الطريق محفوظ الطاعة عن النهب .
{ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً } أي صاحباً ، وهو مشتق من الرفق ، وهو لين الجانب واللطافة في المعاشرة قولاً وفعلاً ، والإشارة يحتمل أن تكون إلى النبيين ومن بعدهم وما فيها من معنى البعد لما مرّ مراراً و { رَفِيقاً } حينئذٍ إما تمييز أو حال على معنى أنهم وصفوا بالحسن من جهة كونهم رفقاء للمطيعين ، أو حال كونهم رفقاء لهم ولم يجمع لأن فعيلاً يستوي فيه الواحد وغيره أو اكتفاءاً بالواحد عن الجمع في باب التمييز لفهم المعنى ، وحسنه وقوعه في الفاصلة ؛ أو لأنه بتأويل حسن كل واحد منهم أو لأنه قصد بيان الجنس مع قطع النظر عن الأنواع ، ويحتمل أن تكون إلى من يطع والجمع على المعنى ف { رَفِيقاً } حينئذٍ تمييز على معنى أنهم وصفوا بحسن الرفيق من الفرق الأربع لا بنفس الحسن ، فلا يجوز دخول من عليه كما يجوز في الوجه الأول . والجملة على الاحتمالين تذييل مقرر لما قبله مؤكد للترغيب والتشويق ، وفي «الكشاف » «فيه معنى التعجب كأنه قيل : وما أحسن أولئك رفيقاً ولاستقلاله بمعنى التعجيب قرىء { وَحَسُنَ } بسكون السين يقول المتعجب : حسن الوجه وجهك ، وحسن الوجه وجهك بالفتح والضم مع التسكين » انتهى .
وفي «الصحاح » يقال : حسن الشيء وإن شئت خففت الضمة فقلت : حسن الشيء ، ولا يجوز أن تنقل الضمة إلى الحاء لأنه خبر ، وإنما يجوز النقل إذا كان بمعنى المدح أو الذم لأنه يشبه في جواز النقل بنعم وبئس ، وذلك أن الأصل فيهما نعم وبئس فسكن ثانيهما ، ونقلت حركته إلى ما قبله وكذلك كل ما كان في معناهما قال الشاعر :
لم يمنع الناس مني ما أردت وما *** أعطيهم ما أرادوا ( حسن ذا أدبا )
أراد حسن هذا أدباً فخفف ونقل ، وأراد أنه لما نقل إلى الإنشاء حسن أن يغير تنبيهاً على مكان النقل ، وفي «الإرتشاف » : إن فعل المحول ذهب الفارسي . وأكثر النحويين إلى إلحاقه بباب نعم وبئس فقط ، وإجراء أحكامه عليه ، وذهب الأخفش والمبرد إلى إلحاقه بباب التعجب ، وحكى الأخفش الاستعمالين عن العرب ، ويجوز فيه ضم العين وتسكينها ونقل حركتها إلى الفاء ، وظاهره تغاير المذهبين ، وفي «التسهيل » إنه من باب نعم وبئس وفيه معنى التعجب ، وهو يقتضي أن لا تغاير بينهما وإليه يميل كلام الشيخين فافهم ، والحسن عبارة عن كل مبهج مرغوب إما عقلاً أو هوى أو حساً ، وأكثر ما يقال في متعارف العامة في المستحسن بالبصر ، وقد جاء في القرآن له وللمستحسن من جهة البصيرة .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ وَمَن يُطِعِ الله والرسول فَأُوْلَئِكَ مَعَ الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم } بما لا يدخل في حيطة الفكر { مّنَ النبيين } أرباب التشريع الذين ارتفعوا قدراً فلا يدرك شأواهم { والصديقين } الذين قادهم نورهم إلى الانخلاع عن أنواع الربوب والشكوك فصدقوا بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من غير دليل ولا توقف { والشهداء } أهل الحضور { والصالحين } [ النساء : 69 ] أهل الاستقامة في الدين