قوله تعالى { إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون }
وجه النظم أنه تعالى لما نهى في الآيات المتقدمة عن موالاة الكفار أمر في هذه الآية بموالاة من يجب موالاته وقال : { إنما وليكم الله ورسوله والذين ءامنوا } أي المؤمنون الموصوفون بالصفات المذكورة ، وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : في قوله { والذين ءامنوا } قولان : الأول : أن المراد عامة المؤمنين ، وذلك لأن عبادة بن الصامت لما تبرأ من اليهود وقال : أنا بريء إلى الله من حلف قريظة والنضير ، وأتولى الله ورسوله نزلت هذه الآية على وفق قوله . وروي أيضا أن عبد الله بن سلام قال : يا رسول الله إن قومنا قد هجرونا وأقسموا أن لا يجالسونا ، ولا نستطيع مجالسة أصحابك لبعد المنازل ، فنزلت هذه الآية ، فقال رضينا بالله ورسوله وبالمؤمنين أولياء ، فعلى هذا : الآية عامة في حق كل المؤمنين ، فكل من كان مؤمنا فهو ولي كل المؤمنين ، ونظيره قوله تعالى : { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } وعلى هذا فقوله { الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكواة } صفة لكل المؤمنين ، والمراد بذكر هذه الصفات تمييز المؤمنين عن المنافقين لأنهم كانوا يدعون الإيمان ، إلا أنهم ما كانوا مداومين على الصلوات والزكوات ، قال تعالى في صفة صلاتهم { ولا يأتون الصلاة إلا وهم كسالى } وقال : { يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا } وقال في صفة زكاتهم { أشحة على الخير } وأما قوله { وهم راكعون } ففيه على هذا القول وجوه : الأول : قال أبو مسلم : المراد من الركوع الخضوع ، يعني أنهم يصلون ويزكون وهم منقادون خاضعون لجميع أوامر الله ونواهيه والثاني : أن يكون المراد : من شأنهم إقامة الصلاة ، وخص الركوع بالذكر تشريفا له كما في قوله { واركعوا مع الراكعين } والثالث : قال بعضهم : إن أصحابه كانوا عند نزول هذه الآية مختلفون في هذه الصفات ، منهم من قد أتم الصلاة ، ومنهم من دفع المال إلى الفقير ، ومنهم من كان بعد في الصلاة وكان راكعا ، فلما كانوا مختلفين في هذه الصفات لا جرم ذكر الله تعالى كل هذه الصفات .
القول الثاني : أن المراد من هذه الآية شخص معين ، وعلى هذا ففيه أقوال : روى عكرمة أن هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه . والثاني : روى عطاء عن ابن عباس أنها نزلت في علي بن أبي طالب عليه السلام . روي أن عبد الله بن سلام قال : لما نزلت هذه الآية قلت يا رسول أنا رأيت عليا تصدق بخاتمه على محتاج وهو راكع ، فنحن نتولاه . وروي عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال : صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما صلاة الظهر ، فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد ، فرفع السائل يده إلى السماء وقال : اللهم أشهد أني سألت في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم فما أعطاني أحد شيئا ، وعلي عليه السلام كان راكعا ، فأومأ إليه بخنصره اليمنى وكان فيها خاتم ، فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم بمرأى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال :
«اللهم إن أخي موسى سألك » فقال : { رب اشرح لي صدري } إلى قوله { وأشركه في أمري } فأنزلت قرآنا ناطقا { سنشد عضدك بأخيك ونجعل لكما سلطانا } اللهم وأنا محمد نبيك وصفيك فاشرح لي صدري ويسر لي أمري واجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به ظهري . قال أبو ذر : فوالله ما أتم رسول الله هذه الكلمة حتى نزل جبريل فقال : يا محمد إقرأ { إنما وليكم الله ورسوله } إلى أخرها ، فهذا مجموع مع يتعلق بالروايات في هذه المسألة .
المسألة الثانية : قالت الشيعة : هذه الآية دالة على أن الإمام بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم هو علي بن أبي طالب ، وتقريره ، أن نقول : هذه الآية دالة على أن المراد بهذه الآية إمام ، ومتى كان الأمر كذلك وجب أن يكون ذلك الإمام هو علي بن أبي طالب .
بيان المقام الأول : أن الولي في اللغة قد جاء بمعنى الناصر والمحب ، كما في قوله { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } وجاء بمعنى المتصرف . قال عليه الصلاة والسلام : «أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها » فنقول : هاهنا وجهان : الأول : أن لفظ الولي جاء بهذين المعنيين ولم يعين الله مراده ، ولا منافاة بين المعنيين ، فوجب حمله عليهما ، فوجب دلالة الآية على أن المؤمنين المذكورين في الآية متصرفون في الأمة . الثاني : أن نقول : الولي في هذه الآية لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر ، فوجب أن يكون بمعنى المتصرف ، وإنما قلنا : إنه لا يجوز أن يكون بمعنى الناصر ، لأن الولاية المذكورة في هذه الآية غير عامة في كل المؤمنين ، بدليل أنه تعالى ذكر بكلمة { إنما } وكلمة { إنما } للحصر ، كقوله : { إنما الله إله واحد } والولاية بمعنى النصرة عامة لقوله { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض } وهذا يوجب القطع بأن الولاية المذكورة في هذه الآية ليست بمعنى النصرة ، وإذا لم تكن بمعنى النصرة كانت بمعنى التصرف ، لأنه ليس للولي معنى سوى هذين ، فصار تقدير الآية : إنما المتصرف فيكم أيها المؤمنون هو الله ورسوله والمؤمنون الموصوفون بالصفة الفلانية ، وهذا يقتضي أن المؤمنين الموصوفين بالصفات المذكورة في هذه الآية متصرفون في جميع الأمة ، ولا معنى للإمام إلا الإنسان الذي يكون متصرفا في كل الأمة ، فثبت بما ذكرنا دلالة هذه الآية على أن الشخص المذكور فيها يجب أن يكون إمام الأمة .
أما بيان المقام الثاني : وهو أنه لما ثبت ما ذكرنا وجب أن يكون ذلك الإنسان هو علي بن أبي طالب ، وبيانه من وجوه : الأول : أن كل من أثبت بهذه الآية إمامة شخص قال : إن ذلك الشخص هو علي ، وقد ثبت بما قدمنا دلالة هذه الآية على إمامة شخص ، فوجب أن يكون ذلك الشخص هو علي ، ضرورة أنه لا قائل بالفرق . الثاني : تظاهرت الروايات على أن هذه الآية نزلت في حق علي ، ولا يمكن المصير إلى قول من يقول : إنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنه ، لأنها لو نزلت في حقه لدلت على إمامته ، وأجمعت الأمة على أن هذه الآية لا تدل على إمامته ، فبطل هذا القول ، والثالث : أن قوله { وهم راكعون } لا يجوز جعله عطفا على ما تقدم ، لأن الصلاة قد تقدمت ، والصلاة مشتملة على الركوع ، فكانت إعادة ذكر الركوع تكرارا ، فوجب جعله حالا أي يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين ، وأجمعوا على أن إيتاء الزكاة حال الركوع لم يكن إلا في حق علي ، فكانت الآية مخصوصة به ودالة على إمامته من الوجه الذي قررناه ، وهذا حاصل استدلال القوم بهذه الآية على إمامة علي عليه السلام .
والجواب : أما حمل لفظ الولي على الناصر وعلى المتصرف معا فغير جائز ، لما ثبت في أصول الفقه أنه لا يجوز حمل اللفظ المشترك على مفهوميه معا .
أما الوجه الثاني : فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد من لفظ الولي في هذه الآية الناصر والمحب ، ونحن نقيم الدلالة على أن حمل لفظ الولي على هذا المعنى أولى من حمله على معنى المتصرف . ثم نجيب عما قالوه فنقول : الذي يدل على أن حمله على الناصر أولى وجوه : الأول : أن اللائق بما قبل هذه الآية وبما بعدها ليس إلا هذا المعنى ، أما ما قبل هذه لآية فلأنه تعالى قال : { يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء } وليس المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أئمة متصرفين في أرواحكم وأموالكم لأن بطلان هذا كالمعلوم بالضرورة ، بل المراد لا تتخذوا اليهود والنصارى أحبابا وأنصارا ، ولا تخالطوهم ولا تعاضدوهم ، ثم لما بالغ في النهي عن ذلك قال : إنما وليكم الله ورسوله والمؤمنون والموصوفون ، والظاهر أن الولاية المأمور بها هاهنا هي المنهي عنها فيما قبل ، ولما كانت الولاية المنهي عنها فيما قبل هي الولاية بمعنى النصرة كانت الولاية المأمور بها هي الولاية بمعنى النصرة ، وأما ما بعد هذه الآية فهي قوله { يا أيها الذين ءامنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين } فأعاد النهي عن اتخاذ اليهود والنصارى والكفار أولياء ، ولا شك أن الولاية المنهي عنها هي الولاية بمعنى النصرة ، فكذلك الولاية في قوله { إنما وليكم الله } يجب أن تكون هي بمعنى النصرة ، وكل من أنصف وترك التعصب وتأمل في مقدمة الآية وفي مؤخرها قطع بأن الولي في قوله { إنما وليكم الله } ليس إلا بمعنى الناصر والمحب ، ولا يمكن أن يكون بمعنى الإمام ، لأن ذلك يكون إلقاء كلام أجنبي فيما بين كلامين مسوقين لغرض واحد ، وذلك يكون في غاية الركاكة والسقوط ، ويجب تنزيه كلام الله تعالى عنه .
الحجة الثانية : أنا لو حملنا الولاية على التصرف والإمامة لما كان المؤمنون المذكورين في الآية موصوفين بالولاية حال نزول الآية ، لأن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ما كان نافذ التصرف حال حياة الرسول ، والآية تقتضي كون هؤلاء المؤمنون موصوفين بالولاية في الحال ، أما لو حملنا الولاية على المحبة والنصرة كانت الولاية حاصلة في الحال ، فثبت أن حمل الولاية على المحبة أولى من حملها على التصرف ، والذي يؤكد ما قلناه أنه تعالى منع المؤمنين من اتخاذ اليهود والنصارى أولياء ، ثم أمرهم بموالاة هؤلاء المؤمنين ، فلابد وأن تكون موالاة هؤلاء المؤمنين حاصلة في الحال حتى يكون النفي والإثبات متواردين على شيء واحد ، ولما كانت الولاية بمعنى التصرف غير حاصلة في الحال امتنع حمل الآية عليها .
الحجة الثالثة : أنه تعالى ذكر المؤمنين الموصوفين في هذه الآية بصيغة الجمع في سبعة مواضع وهي قوله { والذين ءامنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكواة وهم راكعون } وحمل ألفاظ الجمع وإن جاز على الواحد على سبيل التعظم لكنه مجاز لا حقيقة ، والأصل حمل الكلام على الحقيقة .
الحجة الرابعة : أنا قد بينا بالبرهان البين أن الآية المتقدمة وهي قوله { يأيها الذين ءامنوا من يرتد منكم عن دينه } إلى آخر الآية من أقوى الدلائل على صحة إمامة أبي بكر ، فلو دلت هذه الآية على صحة إمامة علي بعد الرسول لزم التناقض بين الآيتين ، وذلك باطل ، فوجب القطع بأن هذه الآية لا دلالة فيها على أن عليا هو الإمام بعد الرسول .
الحجة الخامسة : أن علي بن أبي طالب كان أعرف بتفسير القرآن من هؤلاء الروافض ، فلو كانت هذه الآية دالة على إمامته لاحتج بها في محفل من المحافل ، وليس للقوم أن يقولوا : إنه تركه للتقية فإنهم ينقلون عنه أنه تمسك يوم الشورى بخبر الغدير ، وخبر المباهلة ، وجميع فضائله ومناقبه ، ولم يتمسك البتة بهذه الآية في إثبات إمامته ، وذلك يوجب القطع بسقوط قول هؤلاء الروافض لعنهم الله .
الحجة السادسة : هي أنها دالة على إمامة علي ، لكنا توافقنا على أنها عند نزولها ما دلت على حصول الإمامة في الحال : لأن عليا ما كان نافذ التصرف في الأمة حال حياة الرسول عليه الصلاة والسلام ، فلم يبق إلا أن تحمل الآية على أنها تدل على أن عليا سيصير إماما بعد ذلك ، ومتى قالوا ذلك فنحن نقول بموجبه ونحمله على إمامته بعد أبي بكر وعمر وعثمان ، إذ ليس في الآية ما يدل على تعيين الوقت ، فإن قالوا : الأمة في هذه الآية على قولين : منهم من قال : إنها لا تدل على إمامة علي ، ومنهم من قال : إنها تدل على إمامته ، وكل من قال بذلك قال : إنها تدل على إمامته بعد الرسول من غير فصل ، فالقول بدلالة الآية على إمامة علي لا على هذا الوجه ، قول ثالث ، وهو باطل لأنا نجيب عنه فنقول : ومن الذي أخبركم أنه ما كان أحد في الأمة قال هذا القول ، فإن من المحتمل ، بل من الظاهر أنه منذ استدل مستدل بهذه الآية على إمامة علي ، فإن السائل يورد على ذلك الاستدلال هذا السؤال ، فكان ذكر هذا الاحتمال وهذا السؤال مقرونا بذكر هذا الاستدلال .
الحجة السابعة : أن قوله : { إنما وليكم الله ورسوله } لا شك أنه خطاب مع الأمة ، وهم كانوا قاطعين بأن المتصرف فيهم هو الله ورسوله ، وإنما ذكر الله تعالى هذا الكلام تطييبا لقلوب المؤمنين وتعريفا لهم بأنه لا حاجة بهم إلى اتخاذ الأحباب والأنصار من الكفار ، وذلك لأن من كان الله ورسوله ناصرا له ومعينا له فأي حاجة به إلى طلب النصرة والمحبة من اليهود والنصارى وإذا كان كذلك كان المراد بقوله { إنما وليكم الله ورسوله } هو الولاية بمعنى النصرة والمحبة ، ولا شك أن لفظ الولي مذكور مرة واحدة ، فلما أريد به هاهنا معنى النصرة امتنع أن يراد به معنى التصرف لما ثبت أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا .
الحجة الثامنة : أنه تعالى مدح المؤمنين في الآية المتقدمة بقوله { يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } فإذا حملنا قوله { إنما وليكم الله ورسوله } على معنى المحبة والنصرة كان قوله { إنما وليكم الله ورسوله } يفيد فائدة قوله { يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين } وقوله { يجاهدون في سبيل الله } يفيد فائدة قوله { يقيمون الصلاة ويؤتون الزكواة وهم راكعون } فكانت هذه الآية مطابقة لما قبلها مؤكدة لمعناها فكان ذلك أولى ، فثبت بهذه الوجوه أن الولاية المذكورة في هذه الآية يجب أن تكون بمعنى النصرة لا بمعنى التصرف .
أما الوجه الذي عولوا عليه وهو أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة ، والولاية بمعنى النصرة عامة ، فجوابه من وجهين :
الأول : لا نسلم أن الولاية المذكورة في الآية غير عامة ، ولا نسلم أن كلمة { إنما } للحصر ، والدليل عليه قوله { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء } ولا شك أن الحياة الدنيا لها أمثال أخرى سوى هذا المثل ، وقال : { إنما الحياة الدنيا لعب ولهو } ولا شك أن اللعب واللهو قد يحصل في غيرها . الثاني : لا نسلم أن الولاية بمعنى النصرة عامة في كل المؤمنين ، وبيانه أنه تعالى قسم المؤمنين قسمين : أحدهما : الذين جعلهم موليا عليهم وهم المخاطبون بقوله { إنما وليكم الله } والثاني : الأولياء ، وهم المؤمنون الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون ، فإذا فسرنا الولاية هاهنا بمعنى النصرة كان المعنى أنه تعالى جعل أحد القسمين أنصارا للقسم الثاني . ونصرة القسم الثاني غير حاصلة لجميع المؤمنين ، ولو كان كذلك لزم في القسم الذي هم المنصورون أن يكونوا ناصرين لأنفسهم ، وذلك محال ، فثبت أن نصرة أحد قسمي الأمة غير ثابتة لكل الأمة ، بل مخصوصة بالقسم الثاني من الأمة ، فلم يلزم من كون الولاية المذكورة في هذه الآية خاصة أن لا تكون بمعنى النصرة ، وهذا جواب حسن دقيق لابد من التأمل فيه .
وأما استدلالهم بأن الآية نزلت في حق علي فهو ممنوع ، فقد بينا أن أكثر المفسرين زعموا أنه في حق الأمة ، والمراد أن الله تعالى أمر المسلم أن لا يتخذ الحبيب والناصر إلا من المسلمين ، ومنهم من يقول : إنها نزلت في حق أبي بكر .
وأما استدلالهم بأن الآية مختصة بمن أدى الزكاة في الركوع حال كونه في الركوع ، وذلك هو علي بن أبي طالب فنقول : هذا أيضا ضعيف من وجوه : الأول : أن الزكاة اسم للواجب لا للمندوب بدليل قوله تعالى { وآتوا الزكاة } فلو أنه أدى الزكاة الواجبة في حال كونه في الركوع لكان قد أخر أداء الزكاة الواجب عن أول أوقات الوجوب ، وذلك عند أكثر العلماء معصية ، وإنه لا يجوز إسناده إلى علي عليه السلام ، وحمل الزكاة على الصدقة النافلة خلاف الأصل لما بينا أن قوله { وآتوا الزكاة } ظاهرة يدل على أن كل ما كان زكاة فهو واجب . الثاني : وهو أن اللائق بعلي عليه السلام أن يكون مستغرق القلب بذكر الله حال ما يكون في الصلاة ، والظاهر أن من كان كذلك فإنه لا يتفرغ لاستماع كلام الغير ولفهمه ، ولهذا قال تعالى : { الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق الله السموات والأرض } ومن كان قلبه مستغرقا في الفكر كيف يتفرغ لاستماع كلام الغير . الثالث : أن دفع الخاتم في الصلاة للفقير عمل كثير ، واللائق بحال علي عليه السلام أن لا يفعل ذلك . الرابع : أن المشهور أنه عليه السلام كان فقيرا ولم يكن له مال تجب الزكاة فيه ، ولذلك فإنهم يقولون : أنه لما أعطى ثلاثة أقراص نزل فيه سورة { هل أتى } وذلك لا يمكن إلا إذا كان فقيرا ، فأما من كان له مال تجب فيه الزكاة يمتنع أن يستحق المدح العظيم المذكور في تلك السورة على إعطاء ثلاثة أقراص ، وإذا لم يكن له مال تجب فيه الزكاة امتنع حمل قوله { ويؤتون الزكواة وهم راكعون } عليه .
الوجه الخامس : هب أن المراد بهذه الآية هو علي بن أبي طالب لكنه لم يتم الاستدلال بالآية إلا إذا تم أن المراد بالولي هو المتصرف لا الناصر والمحب ، وقد سبق الكلام فيه .
المسألة الثالثة : اعلم أن الذين يقولون : المراد من قوله { ويؤتون الزكواة وهم راكعون } هو أنهم يؤتون الزكاة حال كونهم راكعين احتجوا بالآية على أن العمل القليل لا يقطع الصلاة ، فإنه دفع الزكاة إلى السائل وهو في الصلاة ، ولا شك أنه نوى إيتاء الزكاة وهو في الصلاة ، فدل ذلك على أن هذه الأعمال لا تقطع الصلاة ، وبقي في الآية سؤالان .
السؤال الأول : المذكور في الآية هو الله تعالى ورسوله والمؤمنون ، فلم لم يقل : إنما أولياؤكم ؟
والجواب : أصل الكلام إنما وليكم الله ، فجعلت الولاية لله على طريق الأصالة ، ثم نظم في سلك إثباتها له إثباتها لرسول الله والمؤمنين على سبيل التبع ، ولو قيل : إنما أولياؤكم الله ورسوله والذين آمنوا لم يكن في الكلام أصل وتبع ، وفي قراءة عبد الله : إنما مولاكم الله .
السؤال الثاني : { الذين يقيمون } ما محله ؟
الجواب : الرفع على البدل من { الذين آمنوا } أو يقال : التقدير : هم الذين يقيمون ، أو النصب على المدح ، والغرض من ذكره تمييز المؤمن المخلص عمن يدعي الإيمان ويكون منافقا ، لأن ذلك الإخلاص إنما يعرف بكونه مواظبا على الصلاة في حال الركوع ، أي في حال الخضوع والخشوع والإخبات لله تعالى .
ثم إنه سبحانه لما قال : { لاَ تَتَّخِذُواْ اليهود والنصارى أَوْلِيَاء } [ المائدة : 51 ] وعلله بما علله ، ذكر عقب ذلك من هو حقيق بالموالاة بطريق القصر ، فقال عز وجل :
{ إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءامَنُواْ } فكأنه قيل : لا تتخذوا أولئك أولياء لأن بعضهم أولياء بعض وليسوا بأوليائكم إنما أولياؤكم الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون فاختصوهم بالموالاة ولا تتخطوهم إلى الغير ، وأفرد الولي مع تعدده ليفيد كما قيل : أن الولاية لله تعالى بالأصالة وللرسول عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بالتبع ، فيكون التقدير إنما وليكم الله سبحانه وكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم والذين آمنوا ، فيكون في الكلام أصل وتبع لا أن وليكم مفرد استعمل استعمال الجمع كما ظن صاحب «الفرائد » ؛ فاعترض بأن ما ذكر بعيد عن قاعدة الكلام لما فيه من جعل ما لا يستوي الواحد والجمع جمعاً ، ثم قال : ويمكن أن يقال : التقدير إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا أولياؤكم فحذف الخبر لدلالة السابق عليه ، وفائدة الفصل في الخبر هي التنبيه على أن كونهم أولياء بعد كونه سبحانه ولياً ، ثم بجعله إياهم أولياء ، ففي الحقيقة هو الولي انتهى . ولا يخفى على المتأمل أن المآل متحد والمورد واحد ، ومما تقرر يعلم أن قول الحلبي ويحتمل وجهاً آخر وهو أن ولياً زنة فعيل ، وقد نص أهل اللسان أنه يقع للواحد والاثنين والجمع تذكيراً وتأنيثاً بلفظ واحد كصديق غير واقع موقعه لأن الكلام في سر بياني وهو نكتة العدول من لفظ إلى لفظ ، ولا يرد على ما قدمنا أنه لو كان التقدير كذلك لنا في حصر الولاية في الله تعالى ثم إثباتها للرسول صلى الله عليه وسلم / وللمؤمنين ، لأن الحصر باعتبار أنه سبحانه الولي أصالة وحقيقة ، وولاية غيره إنما هي بالإسناد إليه عز شأنه .
{ الذين يُقِيمُونَ الصلاة وَيُؤْتُونَ الزكواة } بدل من الموصول الأول ، أو صفة له باعتبار إجرائه مجرى الأسماء لأن الموصول وصلة إلى وصف المعارف بالجمل والوصف لا يوصف إلا بالتأويل ، ويجوز أن يعتبر منصوباً على المدح ، ومرفوعاً عليه أيضاً ، وفي قراءة عبد الله { يَتَوَكَّلُونَ الذين يُقِيمُونَ الصلاة } بالواو { وَهُمْ رَاكِعُونَ } حال من فاعل الفعلين أي يعملون ما ذكر من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة وهم خاشعون ومتواضعون لله تعالى . وقيل : هو حال مخصوصة بإيتاء الزكاة ، والركوع ركوع الصلاة ، والمراد بيان كمال رغبتهم في الإحسان ومسارعتهم إليه .
وغالب الأخباريين على أنها نزلت في علي كرم الله تعالى وجهه ، فقد أخرج الحاكم وابن مردويه وغيرهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإسناد متصل قال : " أقبل ابن سلام ونفر من قومه آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم فقالوا : يا رسول الله إن منازلنا بعيدة وليس لنا مجلس ولا متحدث دون هذا المجلس وأن قومنا لما رأونا آمنا بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم وصدقناه رفضونا وآلوا على نفوسهم أن لا يجالسونا ولا يناكحونا ولا يكلمونا فشق ذلك علينا ، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم : إنما وليكم الله ورسوله ، ثم إنه صلى الله عليه وسلم خرج إلى المسجد والناس بين قائم وراكع فبصر بسائل فقال : هل أعطاك أحد شيئاً ؟ فقال : نعم خاتم من فضة ، فقال : من أعطاكه ؟ فقال : ذلك القائم ، وأومأ إلى علي كرم الله تعالى وجهه ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : على أي حال أعطاك ؟ فقال : وهو راكع ، فكبر النبي صلى الله عليه وسلم ثم تلا هذه الآية "
فأنشأ حسان رضي الله تعالى عنه يقول :
أبا حسن تفديك نفسي ومهجتي *** وكل بطيء في الهدى ومسارع
أيذهب مدحيك المحبر ضائعا *** وما المدح في جنب الإله بضائع
فأنت الذي أعطيت إذ كنت راكعا *** زكاة فدتك النفس يا خير راكع
فأنزل فيك الله خير ولاية *** وأثبتها أثنا كتاب الشرائع
واستدل الشيعة بها على إمامته كرم الله تعالى وجهه ، ووجه الاستدلال بها عندهم أنها بالإجماع أنها نزلت فيه كرم الله تعالى وجهه ، وكلمة { إِنَّمَا } تفيد الحصر ، ولفظ الولي بمعنى المتولي للأمور والمستحق للتصرف فيها ، وظاهر أن المراد هنا التصرف العام المساوي للإمامة بقرينة ضم ولايته كرم الله تعالى وجهه بولاية الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ، فثبتت إمامته وانتفت إمامة غيره وإلا لبطل الحصر ، ولا إشكال في التعبير عن الواحد بالجمع ، فقد جاء في غير ما موضع ؛ وذكر علماء العربية أنه يكون لفائدتين : تعظيم الفاعل وأن من أتى بذلك الفعل عظيم الشأن بمنزلة جماعة كقوله تعالى : { إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً } [ النحل : 120 ] ليرغب الناس في الإتيان بمثل فعله ، وتعظيم الفعل أيضاً حتى أن فعله سجية لكل مؤمن ، وهذه نكتة سرية تعتبر في كل مكان بما يليق به .
وقد أجاب أهل السنة عن ذلك بوجوه : الأول : النقض بأن هذا الدليل كما يدل بزعمهم على نفي إمامة الأئمة المتقدمين كذلك يدل على سلب الإمامة عن الأئمة المتأخرين كالسبطين رضي الله تعالى عنهما وباقي الاثني عشر رضي الله تعالى عنهم أجمعين بعين ذلك التقرير ، فالدليل يضر الشيعة أكثر مما يضر أهل السنة كما لا يخفى ، ولا يمكن أن يقال : الحصر إضافي بالنسبة إلى من تقدمه لأنا نقول : إن حصر ولاية من استجمع تلك الصفات لا يفيد إلا إذا كان حقيقياً ، بل لا يصح لعدم استجماعها فيمن تأخر عنه كرم الله تعالى وجهه ، وإن أجابوا عن النقض بأن المراد حصر الولاية في الأمير كرم الله تعالى وجهه في بعض الأوقات أعني وقت أمامته لا وقت إمامة السبطين ومن بعدهم رضي الله تعالى عنهم قلنا : فمرحباً بالوفاق إذ مذهبنا أيضاً أن الولاية العامة كانت له وقت كونه إماماً لا قبله وهو زمان خلافة الثلاثة ، ولا بعده وهو زمان خلافة من ذكر .
فإن قالوا : إن الأمير كرم الله تعالى وجهه لو لم يكن صاحب ولاية عامة في عهد الخلفاء يلزمه نقص بخلاف وقت خلافة أشباله الكرام رضي الله تعالى عنهم فإنه لما لم يكن حياً لم تصر إمامة غيره موجبة لنقص شرفه الكامل لأن الموت رافع لجميع الأحكام الدنيوية يقال : هذا فرار وانتقال إلى استدلال آخر ليس مفهوماً من الآية إذ مبناه على مقدمتين : الأولى : أن كون صاحب الولاية العامة في ولاية الآخر ولو في وقت من الأوقات غير مستقل بالولاية نقص له ، والثانية : أن صاحب الولاية العامة لا يلحقه نقص مّا بأي وجه وأي وقت كان ، وكلتاهما لا يفهمان من الآية أصلاً كما لا يخفى على ذي فهم ، على أن هذا الاستدلال منقوض بالسبطين زمن ولاية الأمير كرم الله تعالى وجهه ، بل وبالأمير أيضاً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، والثاني : أنا لا نسلم الإجماع على نزولها في الأمير كرم الله تعالى وجهه ، فقد اختلف علماء التفسير في ذلك ، فروى أبو بكر النقاش صاحب «التفسير المشهور » عن محمد الباقر رضي الله تعالى عنه أنها نزلت في المهاجرين والأنصار ، وقال قائل : نحن سمعنا أنها نزلت في عليّ كرم الله تعالى وجهه ، فقال : هو منهم يعني أنه كرم الله تعالى وجهه داخل أيضاً في المهاجرين والأنصار ومن جملتهم . وأخرج أبو نعيم في «الحلية » عن عبد الملك بن أبي سليمان وعبد بن حميد وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن الباقر رضي الله تعالى عنه أيضاً نحو ذلك ، وهذه الرواية أوفق بصيغ الجمع في الآية ، وروى جمع من المفسرين عن عكرمة أنها نزلت في شأن أبي بكر رضي الله تعالى عنه ، والثالث : أنا لا نسلم أن المراد بالولي المتولي للأمور والمستحق للتصرف فيها تصرفاً عاماً ، بل المراد به الناصر لأن الكلام في تقوية قلوب المؤمنين وتسليها وإزالة الخوف عنها من المرتدين وهو أقوى قرينة على ما ذكره ، ولا يأباه الضم كما لا يخفى على من فتح الله تعالى عين بصيرته ، ومن أنصف نفسه علم أن قوله تعالى فيما بعد : { ياأيها الذين ءامَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الذين اتخذوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلِكُمْ والكفار أَوْلِيَاء } [ المائدة : 57 ] آب عن حمل الولي على ما يساوي الإمام الأعظم لأن أحداً لم يتخذ اليهود والنصارى والكفار أئمة لنفسه وهم أيضاً لم يتخذ بعضهم بعضاً إماماً ، وإنما اتخذوا أنصاراً وأحباباً ، وكلمة { إِنَّمَا } المفيدة للحصر تقتضي ذلك المعنى أيضاً لأن الحصر يكون فيما يحتمل اعتقاد الشركة والتردد والنزاع ، ولم يكن بالإجماع وقت نزول هذه الآية تردد ونزاع في الإمامة وولاية التصرف ؛ بل كان في النصرة والمحبة ، والرابع : أنه لو سلم أن المراد ما ذكروه فلفظ الجمع عام ، أو مساو له كما ذكره المرتضى في «الذريعة » .
وابن المطهر في «النهاية والعبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب كما اتفق عليه الفريقان ، فمفاد الآية حينئذٍ حصر الولاية العامة لرجال متعددين يدخل فيهم الأمير كرم الله تعالى وجهه ، وحمل العام على الخاص خلاف الأصل لا يصح ارتكابه بغير ضرورة ولا ضرورة .
فإن قالوا : الضرورة متحققة ههنا إذ التصدق على السائل في حال الركوع لم يقع من أحد غير الأمير كرم الله تعالى وجهه قلنا : ليست الآية نصاً في كون التصدق واقعاً في حال ركوع الصلاة لجواز أن يكون الركوع بمعنى التخشع والتذلل لا بالمعنى المعروف في عرف أهل الشرع كما في قوله :
لا تهين الفقير علك أن *** ( تركع ) يوماً والدهر قد رفعه
وقد استعمل بهذا المعنى في القرآن أيضاً كما قيل في قوله سبحانه : { واركعى مَعَ الركعين } [ آل عمران : 43 ] إذ ليس في صلاة من قبلنا من أهل الشرائع ركوع هو أحد الأركان بالإجماع ، وكذا في قوله تعالى : { وَخَرَّ رَاكِعاً } [ ص : 24 ] وقوله عز وجل : { وَإذَا قِيلَ لَهُمُ اركعوا لاَ يَرْكَعُونَ } [ المرسلات : 48 ] على ما بينه بعض الفضلاء ، وليس حمل الركوع في الآية على غير معناه الشرعي بأبعد من حمل الزكاة المقرونة بالصلاة على مثل ذلك التصدق ، وهو لازم على مدعي الإمامية قطعاً . وقال بعض منا أهل السنة : إن حمل الركوع على معناه الشرعي وجعل الجملة حالاً من فاعل { يُؤْتُونَ } يوجب قصوراً بيناً في مفهوم { يُقِيمُونَ الصلاة } إذ المدح والفضيلة في الصلاة كونها خالية عما لا يتعلق بها من الحركات سواء كانت كثيرة أو قليلة ، غاية الأمر أن الكثيرة مفسدة للصلاة دون القليلة ولكن تؤثر قصوراً في معنى إقامة الصلاة ألبتة ، فلا ينبغي حمل كلام الله تعالى الجليل على ذلك انتهى .
وبلغني أنه قيل لابن الجوزي رحمه الله تعالى : كيف تَصَدَّقَ علي كرم الله تعالى وجهه بالخاتم وهو في الصلاة والظن فيه بل العلم الجازم أن له كرم الله تعالى وجهه شغلاً شاغلاً فيها عن الالتفات إلى ما لا يتعلق بها ، وقد حكى مما يؤيد ذلك كثير ؟ فأنشأ يقول :
يسقي ويشرب لا تلهيه سكرته *** عن النديم ولا يلهو عن الناس
أطاعه سكره حتى تمكن من *** فعل الصحاة فهذا واحد الناس
وأجاب الشيخ إبراهيم الكردي قدس سره عن أصل الاستدلال بأن الدليل قائم في غير محل النزاع ، وهو كون علي كرم الله تعالى وجه إماماً بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من غير فصل لأن ولاية { الذين كَفَرُواْ } على زعم الإمامية غير مرادة في زمان الخطاب ، لأن ذلك عهد النبوة ، والإمامة نيابة فلا تتصور إلا بعد انتقال النبي صلى الله عليه وسلم ، وإذا لم يكن زمان الخطاب مراداً تعين أن يكون المراد الزمان المتأخر عن زمن الانتقال ولا حدّ للتأخير فليكن ذلك بالنسبة إلى الأمير كرم الله تعالى وجهه بعد مضي زمان الأئمة الثلاثة فلم يحصل مدعى الإمامية ، ومن العجائب أن «صاحب إظهار » الحق قد بلغ سعيه الغاية القصوى في تصحيح الاستدلال بزعمه ، ولم يأت بأكثر مما يضحك الثكلى وتفزع من سماعه الموتى ، فقال : إن الأمر بمحبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم يكون بطريق الوجوب لا محالة ، فالأمر بمحبة المؤمنين المتصفين بما ذكر من الصفات وولايتهم أيضاً كذلك إذ الحكم في كلام واحد يكون موضعه متحداً أو متعدداً أو متعاطفاً لا يمكن أن يكون بعضه واجباً وبعضه مندوباً وإلا لزم استعمال اللفظ بمعنيين ، فإذا كانت محبة أولئك المؤمنين وولايتهم واجبة وجوب محبة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم امتنع أن يراد منهم كافة المسلمين وكل الأمة باعتبار أن من شأنهم الاتصاف بتلك الصفات لأن معرفة كل منهم ليحب ويوالي مما لا يمكن لأحد من المكلفين بوجه من الوجوه ، وأيضاً قد تكون معاداة المؤمنين لسبب من الأسباب مباحة بل واجبة فتعين أن يراد منهم البعض ، وهو علي المرتضى كرم الله تعالى وجهه انتهى .
ويرد عليه أنه مع تسليم المقدمات أين اللزوم بين الدليل والمدعى ؟ وكيف استنتاج المتعين من المطلق ، وأيضاً لا يخفى على من له أدنى تأمل أن موالاة المؤمنين من جهة الإيمان أمر عام بلا قيد ولا جهة ، وترجع إلى موالاة إيمانهم في الحقيقة ، والبغض لسبب غير ضار فيها ، وأيضاً ماذا يقول في قوله سبحانه : { والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } [ التوبة : 71 ] الآية ، وأيضاً ماذا يجاب عن معاداة الكفار وكيف الأمر فيها وهم أضعاف المؤمنين ؟ ومتى كفت الملاحظة الإجمالية هناك فلتكف هنا ، وأنت تعلم أن ملاحظة الكثرة بعنوان الوحدة مما لا شك في وقوعها فضلاً عن إمكانها ، والرجوع إلى علم الوضع يهدي لذلك ، والمحذور كون الموالاة الثلاثة في مرتبة واحدة وليس فليس إذ الأولى : أصل . والثانية : تبع . والثالثة : تبع التبع ، فالمحمول مختلف ، ومثله الموضوع إذ الموالاة من الأمور العامة وكالعوارض المشككة ، والعطف موجب للتشريك في الحكم لا في جهته ، فالموجود في الخارج الواجب والجوهر والعرض مع أن نسبة الوجود إلى كل غير نسبته إلى الآخر ، والجهة مختلفة بلا ريب ، وهذا قوله سبحانه : { قُلْ هذه سَبِيلِى أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعنى } [ يوسف : 108 ] مع أن الدعوة واجبة على الرسول صلى الله عليه وسلم مندوبة في غيره ، ولهذا قال الأصوليون : القران في النظم لا يوجب القران في الحكم ، وعدوا هذا النوع من الاستدلال من المسالك المردودة ، ثم إنه أجاب عن حديث عدم وقوع التردد مع اقتضاء { إِنَّمَا } له بأنه يظهر من بعض أحاديث أهل السنة أن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم التمسوا من حضرة النبي صلى الله عليه وسلم الاستخلاف ، فقد روى الترمذي عن حذيفة
" أنهم قالوا : يا رسول الله لو استخلفت ؟ قال : لو استخلفت عليكم فعصيتموه عذبتم ولكن ما حدثكم حذيفة فصدقوه وما أقرأكم عبد الله فاقرأوه " وأيضاً استفسروا منه عليه الصلاة والسلام عمن يكون إماماً بعده صلى الله عليه وسلم ، فقد أخرج أحمد عن علي كرم الله تعالى وجهه قال : " قيل : يا رسول الله من نؤمر بعدك ؟ قال : إن تؤمروا أبا بكر رضي الله تعالى عنه تجدوه أميناً زاهداً في الدنيا راغباً في الآخرة ، وإن تؤمروا عمر رضي الله تعالى عنه تجدوه قوياً أميناً لا يخاف في الله لومة لائم ، وإن تؤمروا علياً ولا أراكم فاعلين تجدوه هادياً مهدياً يأخذ بكم الصراط المستقيم " وهذا الالتماس والاستفسار يقتضي كل منهما وقوع التردد في حضوره صلى الله عليه وسلم عند نزول الآية ، فلم يبطل مدلول { إِنَّمَا } انتهى ، وفيه أن محض السؤال والاستفسار لا يقتضي وقوع التردد ، نعم لو كانوا شاوروا في هذا الأمر ونازع بعضهم بعضاً بعدما سمعوا من النبي صلى الله عليه وسلم جواب ما سألوه لتحقق المدلول ، وليس فليس ، ومجرد السؤال والاستفسار غير مقتض لإنما ولا من مقاماته بل هو من مقامات إن والفرق مثل الصبح ظاهر ، وأيضاً لو سلمنا التردد ، ولكن كيف العلم بأنه بعد الآية أو قبلها منفصلاً أو متصلاً سبباً للنزول أو اتفاقياً ، ولا بد من إثبات القبلية والاتصال والسببية ، وأين ذلك ؟ والاحتمال غير مسموع ولا كاف في الاستدلال . وبعد هذا كله الحديث الثاني ينافي الحصر صريحاً لأنه صلى الله عليه وسلم في مقام السؤال عن المستحق للخلافة ذكر الشيخين ، فإن كانت الآية متقدمة لزم مخالفة الرسول صلى الله عليه وسلم القرآن أو بالعكس لزم التكذيب ، والنسخ لا يعقل في الأخبار على ما قرر ، ومع ذا تقدم كل على الآخر مجهول فسقط العمل .
فإن قالوا : الحديث خبر الواحد وهو غير مقبول في باب الإمامة قلنا : وكذلك لا يقبل في إثبات التردد والنزاع الموقوف عليه التمسك بالآية ، والحديث الأول يفيد أن ترك الاستخلاف أصلح فتركه كما تفهمه الآية بزعمهم تركه ، وهم لا يجوزونه فتأمل ، وذكر الطبرسي في «مجمع البيان » وجهاً آخر غير ما ذكره صاحب «إظهار الحق » في «أن الولاية مختصة ، وهو أنه سبحانه قال : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله } فخاطب جميع المؤمنين ، ودخل في الخطاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيره ، ثم قال تعالى : { وَرَسُولُهُ } فأخرج نبيه عليه الصلاة والسلام من جملتهم لكونهم مضافين إلى ولايته ، ثم قال جل وعلا : { والذين ءامَنُواْ } فوجب أن يكون الذي خوطب بالآية غير الذي جعلت له الولاية ، وإلا لزم أن يكون المضاف هو المضاف إليه بعينه ، وأن يكون كل واحد من المؤمنين ولي نفسه وذلك محال » انتهى .
وأنت تعلم أن المراد ولاية بعض المؤمنين بعضاً لا أن يكون كل واحد منهم ولي نفسه ، وكيف يتوهم من قولك مثلاً : أيها الناس لا تغتابوا الناس إنه نهي لكل واحد من الناس أن يغتاب نفسه ، وفي الخبر أيضاً «صوموا يوم يصوم الناس » ولا يختلج في القلب أنه أمر لكل أحد أن يصوم يوم يصوم الناس ، ومثل ذلك كثير في كلامهم ، وما قدمناه في سبب النزول ظاهر في أن المخاطب بذلك ابن سلام وأصحابه ، وعليه لا إشكال إلا أن ذلك لا يعتبر مخصصاً كما لا يخفى ، فالآية على كل حال لا تدل على خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه على الوجه الذي تزعمه الإمامية ، وهو ظاهر لمن تولى الله تعالى حفظ ذهنه عن غبار العصبية .
( هذا ومن باب الإشارة ) : في الآيات : { إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ الله وَرَسُولُهُ والذين ءامَنُواْ الذين يُقِيمُونَ الصلاة } أي صلاة الشهود والحضور الذاتي { وَيُؤْتُونَ الزكواة } أي زكاة وجودهم { وَهُمْ رَاكِعُونَ } [ المائدة : 55 ] أي خاضعون في البقاء بالله . والآية عند معظم المحدثين نزلت في عليّ كرّم الله تعالى وجهه ، والإمامية كما علمت يستدلون بها على خلافته بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بلا فصل ، وقد علمت منا ردّهم والحمد لله سبحانه ردّ كلام ، وكثير من الصوفية قدس الله تعالى أسرارهم يشير إلى القول بخلافته كرّم الله تعالى وجهه بعد الرسول عليه الصلاة والسلام بلا فصل أيضاً إلا أن تلك الخلافة عندهم هي الخلافة الباطنة التي هي خلافة الإرشاد والتربية والإمداد والتصرف الروحاني لا الخلافة الصورية التي هي عبارة عن إقامة الحدود الظاهرة وتجهيز الجيوش والذب عن بيضة الإسلام ومحاربة أعدائه بالسيف والسنان ، فإن تلك عندهم على الترتيب الذي وقع كما هو مذهب أهل السنة ، والفرق عندهم بين الخلافتين كالفرق بين القشر واللب ، فالخلافة الباطنة لب الخلافة الظاهرة ، وبها يذب عن حقيقة الإسلام ، وبالظاهرة يذب عن صورته ، وهي مرتبة القطب في كل عصر ، وقد تجتمع مع الخلافة الظاهرة كما اجتمعت في علي كرم الله تعالى وجهه أيام أمارته ، وكما تجتمع في المهدي أيام ظهوره ، وهي والنبوة رضيعا ثدي ، وإلى ذلك الإشارة بما يروونه عنه عليه الصلاة والسلام من قوله : «خلقت أنا وعلى من نور واحد » وكانت هذه الخلافة فيه كرم الله تعالى وجهه على الوجه الأتم . ومن هنا كانت سلاسل أهل الله عز وجل منتهية إليه إلا ما هو أعز من بيض الأنوق ، فإنه ينتهي إلى الصديق رضي الله تعالى عنه كسلسلة ساداتنا النقشبندية نفعنا الله تعالى بعلومهم ، ومع هذا ترد عليه كرم الله تعالى وجهه أيضاً ، وبتقسيم الخلافة إلى هذين القسمين جمع بعض العارفين بين الأحاديث المشعرة أو المصرحة بخلافة الأئمة الثلاثة رضي الله تعالى عنهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم على الترتيب المعلوم ، وبين الأحاديث المشعرة أو المصرحة بخلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه بعده عليه الصلاة والسلام بلا فصل ، فحمل الأحاديث الواردة في خلافة الخلفاء الثلاثة على الخلافة الظاهرة ، والأحاديث الواردة في خلافة الأمير كرم الله تعالى وجهه على الخلافة الباطنة ولم يعطل شيئاً من الأخبار ، وقال بحقيقة خلافة الأربع رضي الله تعالى عنهم أجمعين .
وأنت تعلم أن هذا مشعر بأفضلية الأمير كرم الله تعالى وجهه على الخلفاء الثلاثة ، وبعضهم يصرح بذلك ، ويقول : بجواز خلافة المفضول خلافة صورية مع وجود الفاضل لكن قد قدمنا عن الشيخ الأكبر قدس الله تعالى سره أنه قال : ليس بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه رجل ، وليس مقصوده سوى بيان المرتبة في الفضل فافهم