قوله تعالى : { إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : قال الزجاج : { إذ } موضعها نصب على معنى { وما جعله الله إلا بشرى } في ذلك الوقت . ويجوز أيضا أن يكون التقدير : اذكروا إذ يغشيكم النعاس أمنة .
المسألة الثانية : في { يغشاكم } ثلاث قراءات : الأولى : قرأ نافع بضم الياء ، وسكون الغين ، وتخفيف الشين { يغشيكم النعاس } بالنصب . الثانية : { يغشاكم } بالألف وفتح الياء وسكون العين { يغشيكم النعاس } بالرفع وهي قراءة أبي عمرو وابن كثير . الثالثة : قرأ الباقون { يغشيكم } بتشديد الشين وضم الياء من التغشية { النعاس } بالنصب ، أي يلبسكم النوم . قال الواحدي : القراءة الأولى من أغشى ، والثانية من غشي ، والثالثة من غشي فمن قرأ { يغشاكم } فحجته قوله : { الغم أمنة نعاسا } يعني : فكما أسند الفعل هناك إلى النعاس والأمنة التي هي سبب النعاس كذلك في هذه الآية ومن قرأ { يغشيكم } أو { يغشيكم } فالمعنى واحد وقد جاء التنزيل بهما في قوله تعالى : { فأغشيناهم فهم لا يبصرون } وقال : { فغشاها ما غشى } وقال : { كأنما أغشيت وجوههم } وعلى هذا فالفعل مسند إلى الله .
المسألة الثالثة : أنه تعالى لما ذكر أنه استجاب دعاءهم ووعدهم بالنصر فقال : { وما النصر إلا من عند الله } ذكر عقيبه وجوه النصر وهي ستة أنواع : الأول : قوله : { إذ يغشاكم النعاس أمنة منه } أي من قبل الله ، واعلم أن كل نوم ونعاس فإنه لا يحصل إلا من قبل الله تعالى فتخصيص هذا النعاس بأنه من الله تعالى لابد فيه من مزيد فائدة وذكروا فيه وجوها : أحدها : أن الخائف إذا خاف من عدوه الخوف الشديد على نفسه وأهله فإنه لا يأخذه النوم ، وإذا نام الخائفون أمنوا ، فصار حصول النوم لهم في وقت الخوف الشديد يدل على إزالة الخوف وحصول الأمن . وثانيها : أنهم خافوا من جهات كثيرة . أحدها : قلة المسلمين وكثرة الكفار . وثانيها : الأهبة والآلة والعدة للكافرين وقلتها للمؤمنين . وثالثها : العطش الشديد فلولا حصول هذا النعاس وحصول الاستراحة حتى تمكنوا في اليوم الثاني من القتال لما تم الظفر .
والوجه الثالث : في بيان كون ذلك النعاس نعمة في حقهم ، أنهم ما ناموا نوما غرقا يتمكن العدو من معاقصتهم بل كان ذلك نعاسا يحصل لهم زوال الإعياء والكلال مع أنهم كانوا بحيث لو قصدهم العدو لعرفوا وصوله ولقدروا على دفعه .
والوجه الرابع : أنه غشيهم هذا النعاس دفعة واحدة مع كثرتهم ، وحصول النعاس للجمع العظيم في الخوف الشديد أمر خارق للعادة . فلهذا السبب قيل : إن ذلك النعاس كان في حكم المعجز .
فإن قيل : فإن كان الأمر كما ذكرتم فلم خافوا بعد ذلك النعاس ؟
قلنا : لأن المعلوم أن الله تعالى يجعل جند الإسلام مظفرا منصورا وذلك لا يمنع من صيرورة قوم منهم مقتولين .
فإن قيل : إذا قرئ { يغشيكم } بالتخفيف والتشديد ونصب { النعاس } فالمضير لله عز وجل { وأمنة } مفعول له . أما إذا قرئ { يغشاكم النعاس } فكيف يمكن جعل قوله : { أمنة } مفعولا له ، مع أن المفعول له يجب أن يكون فعلا لفاعل الفعل المعلل ؟
قلنا : قوله : { يغشاكم } وإن كان في الظاهر مسندا إلى النعاس ، إلا أنه في الحقيقة مسند إلى الله تعالى ، فصح هذا التعليل نظرا إلى المعنى . قال صاحب «الكشاف » : وقرئ { أمنة } بسكون الميم ، ونظير أمن أمنة ، حي حياة ، ونظير أمن أمنة ، رحم رحمة . قال ابن عباس : النعاس في القتال أمنة من الله ، وفي الصلاة وسوسة من الشيطان .
النوع الثاني : من أنواع نعم الله تعالى المذكورة في هذا الموضع قوله تعالى : { وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان } ولا شبهة أن المراد منه المطر ، وفي الخبر أن القوم سبقوا إلى موضع الماء ، واستولوا عليه ، وطمعوا لهذا السبب أن تكون لهم الغلبة ، وعطش المؤمنون وخافوا ، وأعوزهم الماء للشرب والطهارة ، وأكثرهم احتلموا وأجنبوا ، وانضاف إلى ذلك أن ذلك الموضع كان رملا تغوص فيه الأرجل ويرتفع منه الغبار الكثير ، وكان الخوف حاصلا في قلوبهم ، بسبب كثرة العدو وسبب كثرة آلاتهم وأدواتهم ، فلما أنزل الله تعالى ذلك المطر صار ذلك دليلا على حصول النصرة والظفر ، وعظمت النعمة به من جهات : أحدها : زوال العطش ، فقد روي أنهم حفروا موضعا في الرمل ، فصار كالحوض الكبير ، واجتمع فيه الماء حتى شربوا منه وتطهروا وتزودوا . وثانيها : أنهم اغتسلوا من ذلك الماء ، وزالت الجنابة عنهم ، وقد علم بالعادة أن المؤمن يكاد يستقذر نفسه إذا كان جنبا ، ويغتم إذا لم يتمكن من الاغتسال ويضطرب قلبه لأجل هذا السبب فلا جرم عد تعالى وتقدس تمكينهم من الطهارة من جملة نعمه . وثالثها : أنهم لما عطشوا ولم يجدوا الماء ثم ناموا واحتلموا تضاعفت حاجتهم إلى الماء ثم إن المطر نزل فزالت عنهم تلك البلية والمحنة وحصل المقصود . وفي هذه الحالة ما قد يستدل به على زوال العسر وحصول اليسر والمسرة .
أما قوله : { ويذهب عنكم رجز الشيطان } ففيه وجوه : الأول : أن المراد منه الاحتلام لأن ذلك من وساوس الشيطان . الثاني : أن الكفار لما نزلوا على الماء ، وسوس الشيطان إليهم وخوفهم من الهلاك ، فلما نزل المطر زالت تلك الوسوسة ، روى أنهم لما ناموا واحتلم أكثرهم ، تمثل لهم إبليس وقال أنتم تزعمون أنكم على الحق وأنتم تصلون على الجنابة ، وقد عطشتم ولو كنتم على الحق لما غلبوكم على الماء فأنزل الله تعالى المطر حتى جرى الوادي واتخذ المسلمون حياضا واغتسلوا وتلبد الرمل حتى ثبتت عليه الأقدام . الثالث : أن المراد من رجز الشيطان سائر ما يدعو الشيطان إليه من معصية وفساد .
فإن قيل : فأي هذه الوجوه الثلاثة أولى ؟
قلنا : قوله : { ليطهركم } معناه ليزيل الجنابة عنكم ، فلو حملنا قوله : { ويذهب عنكم رجز الشيطان } على الجنابة لزم منه التكرير وأنه خلاف الأصل ، ويمكن أن يجاب عنه فيقال المراد من قوله : { ليطهركم } حصول الطهارة الشرعية . والمراد من قوله : { ويذهب عنكم رجز الشيطان } إزالة جوهر المني عن أعضائهم فإنه شيء مستخبث ، ثم تقول : حمله على إزالة أثر الاحتلام أولى من حمله على إزالة الوسوسة وذلك لأن تأثير الماء في إزالة العين عن العضو تأثير حقيقي أما تأثيره في إزالة الوسوسة عن القلب فتأثير مجازي وحمل اللفظ على الحقيقة أولى من حمله على المجاز ، واعلم أنا إذا حملنا الآية على هذا الوجه لزم القطع بأن المني رجز الشيطان ، وذلك يوجب الحكم بكونه نجسا مطلقا لقوله تعالى : { والرجز فاهجر } .
النوع الثالث : من النعم المذكورة في هذه الآية قوله تعالى : { وليربط على قلوبكم } والمراد أن بسبب نزول هذا المطر قويت قلوبهم وزال الخوف والفزع عنهم ، ومعنى الربط في اللغة الشد ، وقد ذكرنا ذلك في قوله تعالى : { ورابطوا } ويقال لكل من صبر على أمر ، ربط قلبه عليه كأنه حبس قلبه عن أن يضطرب يقال : رجل رابط أي حابس . قال الواحدي : ويشبه أن يكون { على } ههنا صلة والمعنى -وليربط قلوبكم بالنصر- وما وقع من تفسيره يشبه أن لا يكون صلة لأن كلمة ( على ) تفيد الاستعلاء . فالمعنى أن القلوب امتلأت من ذلك الربط حتى كأنه علا عليها وارتفع فوقها .
والنوع الرابع : من النعم المذكورة ههنا قوله تعالى : { ويثبت به الأقدام } وذكروا فيه وجوها : أحدها : أن ذلك المطر لبد ذلك الرمل وصيره بحيث لا تغوص أرجلهم فيه ، فقدروا على المشي عليه كيف أرادوا ، ولولا هذا المطر لما قدروا عليه ، وعلى هذا التقدير ، فالضمير في قوله : { به } عائد إلى المطر . وثانيها : أن المراد أن ربط قلوبهم أوجب ثبات أقدامهم ، لأن من كان قلبه ضعيفا فر ولم يقف ، فلما قوى الله تعالى قلوبهم لا جرم ثبت أقدامهم ، وعلى هذا التقدير فالضمير في قوله : { به } عائد إلى الربط . وثالثها : روى أنه لما نزل المطر حصل للكافرين ضد ما حصل للمؤمنين ، وذلك لأن الموضع الذي نزل الكفار فيه كان موضع التراب والوحل ، فلما نزل المطر عظم الوحل ، فصار ذلك مانعا لهم من المشي كيفما أرادوا فقوله : { ويثبت به الأقدام } يدل دلالة المفهوم على أن حال الأعداء كانت بخلاف ذلك .
{ إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس } أي يجعله غاشياً عليكم ومحيطاً بكم . والنعاس أول النوم قبل أن يثقل .
وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة أن النعاس في الرأس والنوم في القلب ولعل مراده الثقل والخفة وإلا فلا معنى له ، والفعل نعس كمنع والوصف ناعس ونعسان قليل . و { إِذْ يُغَشّيكُمُ } بدل ثان من { إِذْ * يَعِدُكُمُ } [ الأنفال : 7 ] على القول بجواز تعدد البدل ، وفيه إظهار نعمة أخرى فإن الخوف أطار كراهم من أوكاره فلما طامن الله تعالى قلوبهم رفرف بجناحه عليها فنعسوا ، وصيغة المضارع لحكاية الحال الماضية أو هو منصوب باذكروا .
وجوز تعلقه بالنصر ، وضعف بأن فيه إعمال المصدر المعرف بأل وفيه خلاف الكوفيين ، والفصل بين المصدر ومعموله ، وعمل ما قبل إلا فيما بعدها من غير أن يكون ذلك المعمول مستثنى أو مستثنى منه أو صفة له ، والجمهور لا يجوزون ذلك خلافاً للكسائي والأخفش ، وتعلقه بما في عند الله من معنى الفعل وقل عليه : إذ يلزم تقييد استقرار النصر من الله تعالى بهذا الوقت ولا تقييد له به ، وأجاب الحلبي بأن المراد به نصر خاص فلا محذور في تقييده وبالجعل ، وفيه الفصل وعمل ما قبل إلا فيما ليس أحد الثلاثة وبما دل عليه { عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [ الأنفال : 10 ] وفيه لزوم التقييد ولا تقييد ، وأجيب بما أجيب ، والأنصاف بعد الاحتمالات الأربع . وقرأ نافع { يُغَشّيكُمُ } بالتخفيف من الإغشاء بمعنى التغشية والفاعل في القراءتين هو الله تعالى .
وقرأ ابن كثير . وأبو عمرو { *يغشاكم } على إسناد الفعل إلى النعاس . وقوله سبحانه وتعالى : { النعاس أَمَنَةً مّنْهُ } نصب على أنه مفعول له وهو مصدر بمعنى الأمن كالمنعة وإن كان قد يكون جمعاً وصفة بمعنى آمنين كما ذكره الراغب ، واستشكل بأن شرط النصب الذي هو اتحاد فاعله وفاعل الفعل العامل فيه مفقود إذ فاعله هم الصحابة الآمنون رضي الله تعالى عنهم وفاعل الآخر هو الله على القراءتين الأوليين والنعاس على الأخرى .
وأجيب بأنه مفعول له باعتبار المعنى الكنائي فإن يغشاكم النعاس يلزمه تنعسون ويغشيكم بمعناه فيتحد الفاعلان إذ فاعل كل حينئذٍ الصحابة ، وقال بعض المدققين : إنه على القراءتين الأوليين يجوز أن يكون منصوباً على العلية لفعل مترتب على الفعل المذكور أي يغشيكم النعاس فتنعسون أمناً أو على أنه مصدر لفعل آخر كذلك أي فتأمنون أمناً ، وعلى القراءة الأخيرة منصوب على العلية بيغشاكم باعتبار المعنى فإنه في حكم تنعسون أو على أنه مصدر لفعل مترتب عليه كما علمت ، وما تقدم أقل انتشاراً .
وجوز أن يراد بالأمنة الإيمان بمعناه اللغوي وهو جعل الغير آمناً فيكون مصدر آمنه ، وهو على بعده إنما يتمشى في القراءتين الأوليين لأن فاعل التغشية والأمان هو الله تعالى ، وأما على القراءة الأخرى فلا ويحتاج إلى ما مر ، ومن الناس من جوز فيها أن يجعل الأمن فعل النعاس على الإسناد المجازي لكونه من ملابسات أصحاب الأمن ، والإسناد في ذلك مقدر وليس المراد به النسبة التي بين الفعل والمفعول له أي يغشاكم النعاس لأمنه ، أو على تشبيه حاله بحال إنسان شأنه الأمن والخوف وأنه حصل له من الله تعالى الأمان من الكفار في مثل ذلك الوقت المخوف فلذلك غشاكم وأنامكم فيكون الكلام تمثيلاً وتخييلاً للمقصود بإبراز المعقول في صورة المحسوس .
والقطب جعل في الكلام استعارة بالكناية حيث ذكر أنه شبه النعاس بشخص من شأنه أن يأتيهم لكنه لا يأتيهم في وقت الخوف وإذا من أتاهم ، ثم ذكر النعاس وأراد ذلك الشخص ، والقرينة ذكر الأمنة لأنها من لوازم المشبه به ، وقد وصف الزمخشري النوم بنحو ذلك في قوله :
يهاب النوم أن يغشى عيونا *** تهابك فهو نفار شرود
وما يقال : إن مثل هذا إنما يليق بالشعر لا بالقرآن الكريم فغير مسلم ، وذكر ابن المنير في توجيه اتحاد الفاعل على القراءتين أن لقائل أن يقول : فاعل تغشية النعاس إياهم هو الله تعالى وهو فاعل الأمنة أيضاً لأنه خالقها فحينئذٍ يتحد فاعل الفعل والعلة فيرتفع السؤال ويزول الإشكال على قواعد أهل السنة التي تقتض نسبة أفعال الخلق إلى الله تعالى على أنه خالقها ومبدعها وتعقبه بأن للمورد أن يقول : المعتبر الفاعل اللغوي وهو المتصف بالفعل وهو هنا ليس إلا العبد إذ لا يقال لله سبحانه وتعالى آمن وإن كان هو الخالق وحينئذٍ يحتاج إلى الجواب بما سلف والجار والمجرور متعلق بمحذوف وقع صفة لأمنة ، أي أمنة كائنة منه تعالى لكم ، ولعل مغايرة ما هنا لما في سورة آل عمران لاختلاف المقام فقد قالوا : إن ذلك المقام اقتضى الاهتمام بشأن الأمن ولذلك قدمه سبحانه وتعالى وبسط الكلام فيه كما لا يخفى على من تأمل في السياق والسباق بخلافه هنا لأنه في مقام تعداد النعم فلذا جىء بالقصة مختصرة للرمز وقرىء { ءامِنَةً } بالسكون وهو لغة فيه .
{ وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء مَاء } عطف على { يُغَشّيكُمُ } وكان هذا قبل النعاس كما روي عن مجاهد وتقديم الجار والمجرور على المفعول به للاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر كما مر غير مرة ، وتقديم عليكم لما أن بيان كون التنزيل عليهم أهم من بيان كونه من السماء : وقرأ ابن كثير . وسهل . ويعقوب . وأبو عمر { وَيُنَزّلُ } بالتخفيف من الإنزال وقرأ الشعبي ما { لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } أي من الحدث الأصغر والأكبر ووجهها كما قال ابن جني أن { مَا } موصولة واللام متعلقة بمحذوف وقع صلة لها أي وينزل عليكم الذي ثبت لتطهيركم ، ونظير هذه اللام اللام في قولك : أعطيت الثوب الذي لدفع البرد وهي في قراءة الجماعة نظير اللام في قولك : زرتك لتكرمني ومرجع القراءتين واحد والمشهورة أفصح بالمراد وانظر لم لا يجوز أن تخرج هذه القراءة على ما سمع من قولهم اسقني ما بالقصر ، وقد حكي ذلك في «القاموس » وأرى أن العدول عن ذلك إن جاز كالتيمم مع وجود الماء .
{ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان } أي وسوسته وتخويفه إياكم من العطش . أخرج ابن المنذر وأبو الشيخ من طريق ابن جريج عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المشركين غلبوا المسلمين في أول أمرهم على الماء فظمىء المسلمون وصلوا مجنبين محدثين وكانت بينهم رمال فألقى الشيطان في قلوبهم الحزن وقال : أتزعمون أن فيكم نبياً وأنكم أولياء الله تعالى وتصلون مجنبين محدثين ؟ فأنزل الله تعالى من السماء ماء فسال عليهم الوادي فشربوا وتطهروا وثبتت أقدامهم وذهبت وسوسة الشيطان ، وفسر بعضهم الرجز هنا بالجنابة مع اعتبار كون التطهير منها واعترض بلزوم التكرار ودفع بأن الجملة الثانية تعليل للأولى والمعنى طهركم من الجنابة لأنها كانت من رجز الشيطان وتخييله . وقرىء { رِجْسٌ } وهو بمعنى الرجز { وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ } أي يقويها بالثقة بلطف الله تعالى فيما بعد بمشاهدة طلائعه ، وأصل الربط الشد ويقال لمن صبر على الشيء : ربط نفسه عليه .
قال الواحدي : ويشبه أن تكون { على } صلة أي وليربط قلوبكم . وقيل الأصل ذلك إلا أنه أتى بعلى قصداً للاستعلاء . وفيه إيماء إلى أن قلوبهم قد امتلأت من ذلك حتى كأنه علا عليها ، وفي ذلك إن إفادة التمكن ما لا يخفى { وَيُثَبّتَ بِهِ الاقدام } ولا تسوخ في الرمل فالضمير للماء كالأول .
/ وجوز أن يكون للربط ، والمراد بتثبيت الأقدام كما قال أبو عبيدة جعلهم صابرين غير فارين ولا متزلزلين .
( هذا ومن باب الإشارة ) :{ إِذْ يُغَشّيكُمُ النعاس } وهو هدو القوى البدنية والصفات النفسانية بنزول السكينة { أَمَنَةً مّنْهُ } أي أمنا من عنده سبحانه وتعالى { وَيُنَزّلُ عَلَيْكُم مّن السماء } أي سماء الروح { مَاء } وهو ماء علم اليقين { لّيُطَهّرَكُمْ بِهِ } عن حدث هواجش الوهم وجنابة حديث النفس { وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشيطان } وسوسته وتخويفه { وَلِيَرْبِطَ على قُلُوبِكُمْ } أي يقويها بقوة اليقين ويسكن جأشكم { وَيُثَبّتَ بِهِ الاقدام } [ الأنفال : 11 ] إذ الشجاعة وثبات الأقدام في المخاوف من ثمرات قوة اليقين