قوله تعالى : { وقالت اليهود عزير ابن الله وقال النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون }
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكم في الآية المتقدمة على اليهود والنصارى بأنهم لا يؤمنون بالله ، شرح ذلك في هذه الآية وذلك بأن نقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا ، ومن جوز ذلك في حق الإله فهو في الحقيقة قد أنكر الإله ، وأيضا بين تعالى أنهم بمنزلة المشركين في الشرك ، وإن كانت طرق القول بالشرك مختلفة ، إذ لا فرق بين من يعبد الصنم وبين من يعبد المسيح وغيره لأنه لا معنى للشرك إلا أن يتخذ الإنسان مع الله معبودا ، فإذا حصل هذا المعنى فقد حصل الشرك ، بل أنا لو تأملنا لعلمنا أن كفر عابد الوثن أخف من كفر النصارى ، لأن عابد الوثن لا يقول إن هذا الوثن خالق العالم وإله العالم ، بل يجريه مجرى الشيء الذي يتوسل به إلى طاعة الله . أما النصارى فإنهم يثبتون الحلول والاتحاد وذلك كفر قبيح جدا ، فثبت أنه لا فرق بين هؤلاء الحلولية وبين سائر المشركين ، وأنهم إنما خصهم بقبول الجزية منهم ، لأنهم في الظاهر ألصقوا أنفسهم بموسى وعيسى ، وادعوا أنهم يعملون بالتوراة والإنجيل ، فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين وتعظيم كتابيهما وتعظيم أسلاف هؤلاء اليهود والنصارى بسبب أنهم كانوا على الدين الحق ، حكم الله تعالى بقبول الجزية منهم ، وإلا ففي الحقيقة لا فرق بينهم وبين المشركين .
المسألة الثانية : في قوله : { وقالت اليهود عزيز ابن الله } أقوال : الأول : قال عبيد ابن عمير : إنما قال هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء . الثاني : قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة : أتى جماعة من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم : سلام بن مشكم ، والنعمان بن أوفى ، ومالك بن الصيف ، وقالوا : كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا ، ولا تزعم أن عزيرا ابن الله ، فنزلت هذه الآية ، وعلى هذين القولين فالقائلون بهذا المذهب بعض اليهود إلا أن الله نسب ذلك القول إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد ، يقال فلان يركب الخيول ولعله لم يركب إلا واحدا منها ، وفلان يجالس السلاطين ولعله لا يجالس إلا واحدا .
والقول الثالث : لعل هذا المذهب كان فاشيا فيهم ثم انقطع ، فحكى الله ذلك عنهم ، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك ، فإن حكاية الله عنهم أصدق . والسبب الذي لأجله قالوا هذا القول ما رواه ابن عباس أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق ، فأنساهم الله تعالى التوراة ونسخها من صدورهم فتضرع عزير إلى الله وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه ، فأنذر قومه به ، فلما جربوه وجدوه صادقا فيه ، فقالوا ما تيسر هذا لعزير إلا أنه ابن الله ، وقال الكلبي : قتل بختنصر علماءهم فلم يبق فيهم أحد يعرف التوراة . وقال السدي : العمالقة قتلوهم فلم يبق فيهم أحد يعرف التوراة ، فهذا ما قيل في هذا الباب . وأما حكاية الله عن النصارى أنهم يقولون : المسيح ابن الله ، فهي ظاهرة لكن فيها إشكال قوي ، وهي أنا نقطع أن المسيح صلوات الله عليه وأصحابه كانوا مبرئين من دعوة الناس إلا الأبوة والبنوة ، فإن هذا أفحش أنواع الكفر ، فكيف يليق بأكابر الأنبياء عليهم السلام ؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعقل إطباق جملة محبي عيسى من النصارى على هذا الكفر ، ومن الذي وضع هذا المذهب الفاسد ، وكيف قدر على نسبته إلى المسيح عليه السلام ؟ فقال المفسرون في الجواب عن هذا السؤال : أن أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام كانوا على الحق بعد رفع عيسى حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود ، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس قتل جمعا من أصحاب عيسى ، ثم قال لليهود إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار ، وإني أحتال فأضلهم ، فعوقب فرسه وأظهر الندامة مما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال : نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تتنصر ، وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه ، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلا اسمه نسطور ، وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة ، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت ، وقال : ما كان عيسى إنسانا ولا جسما ولكنه الله ، وعلم رجلا آخر يقال له يعقوب ذلك ، ثم دعا رجلا يقال له ملكا فقال له : إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى ، ثم دعا لهؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم أنت خليفتي فادع الناس إلى إنجيلك ، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني ، وإني غدا أذبح نفسي لمرضاة عيسى ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه ، ثم دعا كل واحد من هؤلاء الثلاثة الناس إلى قوله ومذهبه ، فهذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى ، هذا ما حكاه الواحدي رحمه الله تعالى ، والأقرب عندي أن يقال لعله ورد لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف ، كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف ، ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بغلو فاسد في الطرف الثاني ، فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية ، والجهال ، قبلوا ذلك ، وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام ، والله أعلم بحقيقة الحال .
المسألة الثالثة : قرأ عاصم والكسائي وعبد الوارث عن أبي عمرو { عزير } بالتنوين والباقون بغير التنوين . قال الزجاج : الوجه إثبات التنوين . فقوله : { عزير } مبتدأ وقوله : { ابن الله } خبره ، وإذا كان كذلك فلا بد من التنوين في حال السعة لأن عزيرا ينصرف سواء كان أعجميا أو عربيا ، وسبب كونه منصرفا أمران : أحدهما : أنه اسم خفيف فينصرف ، وإن كان أعجميا كهود ولوط والثاني : أنه على صيغة التصغير وأن الأسماء الأعجمية لا تصغر ، وأما الذين تركوا التنوين فلهم فيه ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : أنه أعجمي ومعرفة ، فوجب أن لا ينصرف .
الوجه الثاني : أن قوله : { ابن } صفة والخبر محذوف ، والتقدير : عزير ابن الله معبودنا ، وطعن عبد القاهر الجرجاني في هذا الوجه في كتاب «دلائل الإعجاز » ، وقال الاسم إذا وصف بصفة ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف التكذيب إلى الخبر ، وصار ذلك الوصف مسلما . فلو كان المقصود بالإنكار هو قولهم عزير ابن الله معبودنا ، لتوجه الإنكار إلى كونه معبودا لهم ، وحصل كونه ابنا لله ، ومعلوم أن ذلك كفر ، وهذا الطعن عندي ضعيف . أما قوله إن من أخبر عن ذات موصوفة بصفة بأمر من الأمور وأنكره منكر ، توجه الإنكار إلى الخبر فهذا مسلم . وأما قوله : ويكون ذلك تسليما لذلك الوصف فهذا ممنوع ، لأنه لا يلزم من كونه مكذبا لذلك الخبر بالتكذيب أن يدل على أن ما سواه لا يكذبه بل يصدقه ، وهذا بناء على دليل الخطاب وهو ضعيف لا سيما في مثل هذا المقام .
الوجه الثالث : قال الفراء : نون التنوين ساكنة من عزير ، والباء في قوله : { ابن الله } ساكنة فحصل ههنا التقاء الساكنين ، فحذف نون التنوين للتخفيف ، وأنشد الفراء :
فألفيته غير مستعتب *** ولا ذاكر الله إلا قليلا
واعلم أنه لما حكى عنهم بهذه الحكاية قال : { ذلك قولهم بأفواههم } .
ولقائل أن يقول : إن كل قول إنما يقال بالفم ، فما معنى تخصيصهم لهذا القول بهذه الصفة .
والجواب من وجوه : الأول : أن يراد به قول لا يعضده برهان فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى معتبر لحقه ، والحاصل أنهم قالوا باللسان قولا ، ولكن لم يحصل عند العقل من ذلك القول أثر ، لأن إثبات الولد للإله مع أنه منزه عن الحاجة والشهوة والمضاجعة والمباضعة قول باطل ، ليس عند العقل منه أثر . ونظيره قوله تعالى : { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } والثاني : أن الإنسان قد يختار مذهبا إما على سبيل الكناية وإما على سبيل الرمز والتعريض ، فإذا صرح به وذكره بلسانه ، فذلك هو الغاية في اختياره لذلك المذهب ، والنهاية في كونه ذاهبا إليه قائلا به . والمراد ههنا أنهم يصرحون بهذا المذهب ولا يخفونه البتة . والثالث : أن المراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت هذه المقالة في الأفواه والألسنة ، والمراد منه مبالغتهم في دعوة الخلق إلى المذهب .
ثم قال تعالى : { يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير هذه الآية وجوه : الأول : أن المراد أن هذا القول من اليهود والنصارى يضاهي قول المشركين الملائكة بنات الله . الثاني : أن الضمير للنصارى أي قولهم المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود عزير ابن الله لأنهم أقدم منهم . الثالث : أن هذا القول من النصارى يضاهي قول قدمائهم ، يعني أنه كفر قديم ، فهو غير مستحدث .
المسألة الثانية : المضاهاة : المشابهة . قال الفراء يقال ضاهيته ضهيا ومضاهاة ، هذا قول أكثر أهل اللغة في المضاهاة . وقال شمر : المضاهاة : المتابعة ، يقال : فلان يضاهي فلانا أي يتابعه .
المسألة الثالثة : قرأ عاصم { يضاهئون } بالهمزة وبكسر الهاء ، والباقون بغير همزة وضم الهاء ، يقال ضاهيته وضاهأته لغتان مثل أرجيت وأرجأت . وقال أحمد بن يحيى لم يتابع عاصما أحد على الهمزة .
ثم قال تعالى : { قاتلهم الله أنى يؤفكون } أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا القول تعجبا من بشاعة قولهم كما يقال القوم ركبوا سبعا ، قاتلهم الله ما أعجب فعلهم ! { أنى يؤفكون } الإفك الصرف يقال أفك الرجل عن الخير ، أي قلب وصرف ، ورجل مأفوك أي مصروف عن الخير . فقوله تعالى : { أنى يؤفكون } معناه كيف يصدون ويصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل ، حتى يجعلوا لله ولدا ! وهذا التعجب إنما هو راجع إلى الخلق ، والله تعالى لا يتعجب من شيء ، ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطباتهم ، والله تعالى عجب نبيه من تركهم الحق وإصرارهم على الباطل .
{ وَقَالَتِ اليهود } استئناف سيق لتقرير ما مر من عدم إيمان أهل الكتابين بالله سبحانه وانتظامهم بذلك في المشركين ، والقائل { عُزَيْرٌ ابن الله } متقدمو اليهود ونسبة الشيء القبيح إذا صدر من بعض القوم إلى الكل مما شاع ، وسبب ذلك على ما أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن عزيراً كان في أهل الكتاب وكانت التوراة عندهم يعملون بها ما شاء الله تعالى أن يعملوا ثم أضاعوها وعملوا بغير الحق وكان التابوت عندهم . فلما رأى الله سبحانه وتعالى أنهم قد أضاعوا التوراة وعملوا بالأهواء رفع عنهم التابوت وأنساهم التوراة ونسخها من صدورهم فدعا عزير ربه عز وجل وابتهل أن يرد إليه ما نسخ من صدره . فبينما هو يصلي مبتهلاً إلى الله عز وجل نزل نور من الله تعالى فدخل جوفه فعاد الذي كان ذهب من جوفه من التوراة فأذن في قومه فقال : يا قوم قد آتاني الله تعالى التوراة وردها إلي فطفق يعلمهم فمكثوا ما شاء الله تعالى أن يمكثوا وهو يعلمهم . ثم إن التابوت نزل عليهم بعد ذهابه منهم فعرضوا ما كان فيه على الذي كان عزير يعلمهم فوجدوه مثله فقالوا : والله ما أوتي عزير هذا إلا لأنه ابن الله سبحانه . وقال الكلبي في سبب ذلك : إن بختنصر غزا بيت المقدس وظهر على بني إسرائيل وقتل من قرأ التوراة وكان عزير إذ ذاك صغيراً فلم يقتله لصغره فلما رجع بنو إسرائيل إلى بيت المقدس وليس فيهم من يقرأ التوراة بعث الله تعالى عزيراً ليجدد لهم التوراة وليكون آية لهم بعد ما أماته الله تعالى مائة سنة فأتاه ملك بإناء فيه ماء فشرب منه فمثلت له التوراة في صدره فلما أتاهم قال : أنا عزير فكذبوه وقالوا : إن كنت كما تزعم فأمل علينا التوراة فكتبها لهم من صدره . فقال رجل منهم : إن أبى حدثني عن جدي أنه وضعت التوراة في خابية ودفنت في كرم فانطلقوا معه حتى أخرجوها فعارضوها بما كتب لهم عزير فلم يجدوه غادر حرفاً فقالوا : إن الله تعالى لم يقذف التوراة في قلب عزير إلا لأنه ابنه تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً . وروي غير ذلك ومرجع الروايات إلى أن السبب حفظه عليه السلام للتوراة ، وقيل : قائل ذلك جماعة من يهود المدينة منهم سلام بن مشكم . ونعمان بن أبي أوفى . وشاس بن قيس . ومالك بن الصيف . أخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ . وابن مردويه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا وأنت لا تزعم أن عزيراً ابن الله ؟ .
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أن قائل ذلك فنحاص بن عازوراء وهو على ما جاء في بعض الروايات القائل : { إِنَّ الله فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء } [ آل عمران : 181 ] .
وبالجملة أن هذا القول كان شائعاً فيهم ولا عبرة بإنكارهم له أصلاً ولا بقول بعضهم : إن الواقع قولنا عزير أبان الله أي أوضح أحكامه وبين دينه أو نحو ذلك بعد أن أخبر الله سبحانه وتعالى بما أخبر . وقرأ عاصم . والكسائي . ويعقوب . وسهل { عُزَيْرٌ } بالتنوين والباقون بتركه . أما التنوين فعلى أنه اسم عربي مخبر عنه بابن . وقال أبو عبيدة : إنه أعجمي لكنه صرف لخفته بالتصغير كنوح ولوط وإلى هذا ذهب الصغاني .
وهو مصغر عزار تصغير ترخيم ، والقول بأنه أعجمي جاء على هيئة المصغر وليس به فيه نظر . وأما حذف التنوين فقيل لالتقاء الساكنين فإن نون التنوين ساكنة والباء في ابن ساكنة أيضاً فالتقى الساكنان فحذفت النون له كما يحذف حروف العلة لذلك ، وهو مبني على تشبيه النون بحرف اللين وإلا فكان القياس تحريكها ، وهو مبتدأ وابن خبره أيضاً ولذا رسم في جميع المصاحف بالألف ؛ وقيل : لأنه ممنوع من الصرف للعلمية والعجمة ، وقيل : لأن الابن وصف والخبر محذوف مثل معبودنا . وتعقب بأنه تمحل عنه مندوحة ورده الشيخ في دلائل الإعجاز بأن الاسم إذا وصف بصفة ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف تكذيبه إلى الخبر وصار ذلك الوصف مسلماً ، فلو كان المقصود بالإنكار قولهم عزير ابن الله معبودنا لتوجه الإنكار إلى كونه معبوداً لهم وحصل تسليم كونه ابناً لله سبحانه وذلك كفر . واعترض عليه الإمام قائلاً : إن قوله يتوجه الإنكار إلى الخبر مسلم لكن قوله : يكون ذلك تسليماً للوصف ممنوع لأنه لا يلزم من كونه مكذباً لذلك الخبر كونه مصدقاً لذلك الوصف إلا أن يقال : ذلك بالخبر يدل على أن ما سواه لا يكذبه وهو مبني على دليل الخطاب وهو ضعيف . وأجاب بعضهم بأن الوصف للعلية فإنكار الحكم يتضمن إنكار علته . وفيه أن إنكار الحكم قد يحتمل أن يكون بواسطة عدم الإفضاء لا لأن الوصف كالأبنية مثلاً منتف .
وفي الإيضاح أن القول بمعنى الوصف وأراد أنه لايحتاج إلى تقدير الخبر كما أن أحداً إذا قال مقالة ينكر منها البعض فحكيت منها المنكر فقط ، وهو كما في «الكشف » وجه حسن في رفع التمحل لكنه خلاف الظاهر كما يشهد له آخر الآية . وقال بعض المحققين : إنه يحتمل أن يكون { عُزَيْرٌ ابن الله } خبر مبتدأ محذوف أي صاحبنا عزير ابن الله مثلاً ، والخبر إذا وصف توجه الإنكار إلى وصفه نحو هذا الرجل العاقل وهذا موافق للبلاغة وجار على وفق العربية من غير تكلف ولا غبار ، ولم يظهر لي وجه تركه مع ظهوره ، والظاهر أن التركيب خبر ولا حذف هناك ، واختلف في عزير هل هو نبي أم لا والأكثرون على الثاني { وَقَالَتِ النصارى المسيح ابن الله } هو أيضاً قول بعضهم ، ولعلهم إنما قالوه لاستحالة أن يكون ولد من غير أب أو لأنهم رأوا من أفعاله ما رأوا .
ويحتمل وهو الظاهر عندي أنهم وجدوا إطلاق الابن عليه عليه السلام وكذا إطلاق الأب على الله تعالى فيما عندهم من الإنجيل فقالوا ما قالوا وأخطأوا في فهم المراد من ذلك . وقد قدمنا من الكلام ما فيه كفاية في هذا المقام .
ومن الغريب ولا يكاد يصح ما قيل : إن السبب في قولهم هذا أنهم كانوا على الدين الحق بعد رفع عيسى عليه السلام إحدى وثمانين سنة يصلون ويصومون ويوحدون حتى وقع بينهم وبين اليهود حرب وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولص قتل جماعة منهم ثم قال لليهود : إن كان الحق مع عيسى عليه السلام فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون أن دخلنا النار ودخلوا الجنة وإني سأحتال عليهم وأضلهم حتى يدخلوا النار معنا ثم إنه عمد إلى فرس يقاتل عليه فعقره وأظهر الندامة والتوبة ووضع التراب على رأسه وأتى النصارى فقالوا له من أنت فقال : عدوكم بولص قد نوديت من السماء أنه ليست لك توبة حتى تتنصر وقد تبت وأتيتكم فأدخلوه الكنيسة ونصروه ودخل بيتاً فيها فلم يخرج منه سنة حتى تعلم الإنجيل ثم خرج وقال : قد نوديت إن الله تعالى قد قبل توبتك فصدقوه وأحبوه وعلا شأنه فيهم ، ثم إنه عمد إلى ثلاثة رجال منهم نسطور . ويعقوب . وملكاً فعلم نسطور أن الإله ثلاثة . الله . وعيسى . ومريم تعالى الله عن ذلك ، وعلم يعقوب أن عيسى ليس بإنسان ولكنه ابن الله سبحانه ، وعلم ملكاً أن عيسى هو الله تعالى لم يزل ولا يزال فلما استمكن ذلك منهم دعا كل واحد منهم في الخلوة وقال له : أنت خالصتي فادع الناس إلى ما علمتك وأمره أن يذهب إلى ناحية من البلاد ، ثم قال لهم : إني رأيت عيسى عليه السلام في المنام ، وقد رضي عني وأنا ذابح نفسي تقرباً إليه ثم ذهب إلى المذبح فذبح نفسه ، وتفرق أولئك الثلاثة فذهب واحد منهم إلى الروم . وواحد إلى بيت المقدس . والآخر إلى ناحية أخرى وأظهر كل مقالته ودعا الناس إليها فتبعه من تبعه وكان ما كان من الاختلال والضلال { ذلك } أي ما صدر عنهم من العظيمتين { قَوْلُهُم بأفواههم } أي أنه قول لا يعضده برهان مماثل للألفاظ المهملة التي لا وجود لها إلا في الأفواه من غير أن يكون لها مصداق في الخارج ، وقيل : هو تأكيد لنسبة القول المذكور إليهم ونفي التجوز عنها وهو الشائع في مثل ذلك ، وقيل : أريد بالقول الرأي والمذهب ، وذكر الأفواه إما للإشارة إلى أنه لا أثر له في قلوبهم وإنما يتكلمون به جهلاً وعناداً وإما للإشعار بأنه مختار لهم غير متحاشين عن التصريح به فإن الإنسان ربما ينبه على مذهبه بالكتابة أو بالكناية مثلاً فإذا صرح به وذكره بلسانه كان ذلك الغاية في اختياره ، وادعى غير واحد أن جعل ذلك من باب التأكيد كما في قولك : رأيته بعيني وسمعته بأذني مثلاً مما يأباه المقام ، ولو كان المراد به التأكيد مع التعجيب من تصريحهم بتلك المقالة الفاسدة لا ينافيه المقام ولا تزاحم في النكات { *يشاهئون } أي يضاهي قولهم في الكفر والشناعة { يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ } فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه وصير مرفوعاً ، ويحتمل أن يكون من باب التجوز كما قيل في قوله تعالى :
{ وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين } [ يوسف : 52 ] لا يهديهم في كيدهم ، فالمراد يضاهئون في قولهم قول الذين كفروا { مِن قَبْلُ } أي من قبلهم وهم كما روي عن ابن عباس . ومجاهد . وقتادة واختاره الفراء المشركون الذين قالوا : الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى عما يقولون ، وقيل : المراد بهم قدماؤهم فالمضاهي من كان في زمنه عليه الصلاة والسلام منهم لقدمائهم وأسلافهم ، والمراد الإخبار بعراقتهم في الكفر .
وأنت تعلم أنه لا تعدد في القول حتى يتأتى التشبيه ، وجعله بين قولي الفريقين ليس فيه مزيد مزية ، وقيل : المراد بهم اليهود على أن الضمير للنصارى ، ولا يخفى أنه خلاف الظاهر وإن أخرجه ابن المنذر . وغيره عن قتادة مع أن مضاهاتهم قد علمت من صدر الآية ، ويستدعي أيضاً اختصاص الرد والإبطال بقوله تعالى : { ذلك قَوْلُهُم بأفواههم } بقول النصارى ، وقرأ الأكثر { *يضاهون } بهاء مضمومة بعدها واو ، وقد جاء ضاهيت وضاهأت بمعنى من المضاهاة وهي المشابهة وبذلك فسرها ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وعن الحسن تفسيرها بالموافقة وهما لغتان ، وقيل : الياء فرع عن الهمزة كما قالوا فريت وتوضيت ، وقيل : الهمزة بدل من الياء لضمها . ورد بأن الياء لا تثبت في مثله حتى تقلب بل تحذف كرامون من الرمي ، وقيل : إنه مأخوذ من قولهم : امرأة ضهيا بالقصر وهي التي لا ثدي لها أو لا تحيض أو لا تحمل لمشابهتها الرجال ، ويقال : ضهياء بالمد كحمراء وضهياءة بالمد وتاء التأنيث وشذ فيه الجمع بين علامتي التأنيث ، وتعقب بأنه خطأ لاختلاف المادتين فإن الهمزة في ضهياء على لغتها الثلاث زائدة وفي المضاهاة أصلية ولم يقولوا : إن همزة ضهياء وياؤها زائدة لأن فعيلاء لم يثبت في أبنيتهم ، ولم يقولوا وزنها فعلل كجعفر لأنه ثبت زيادة الهمزة في ضهياء بالمد فتتعين في اللغة الأخرى ، وفي هذا المقام كلام مفصل في محله . ومن الناس من جوز الوقف على { فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ } وجعل { بأفواههم } متعلقاً بيضاهئون ولا توقف في أنه ليس بشيء ، وفي الجملة ذم للذين كفروا على أبلغ وجه وإن لم تسق لذمهم { قاتلهم الله } دعاء عليهم بالإهلاك فإن من قاتل الله تعالى فمقتول ومن غالبه فمغلوب .
وأخرج ابن جرير . وغيره عن ابن عباس أن المعنى لعنهم الله وهو معنى مجازي لقاتلهم ، ويجوز أن يكون المراد من هذه الكلمة التعجب من شناعة قولهم فقد شاعت في ذلك حتى صارت تستعمل في المدح فيقال : قاتله الله تعالى ما أفصحه .
وقيل : هي للدعاء والتعجب يفهم من السياق لأنها كلمة لا تقال إلا في موضع التعجب من شناعة فعل قوم أو قولهم ولا يخفى ما فيه مع أن تخصيصها بالشناعة شناعة أيضاً { أنى يُؤْفَكُونَ } أي كيف يصرفون عن الحق إلى الباطل بعد وضوح الدليل وسطوع البرهان .