معاني القرآن للفراء - الفراء  
{وَقَالَتِ ٱلۡيَهُودُ عُزَيۡرٌ ٱبۡنُ ٱللَّهِ وَقَالَتِ ٱلنَّصَٰرَى ٱلۡمَسِيحُ ٱبۡنُ ٱللَّهِۖ ذَٰلِكَ قَوۡلُهُم بِأَفۡوَٰهِهِمۡۖ يُضَٰهِـُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ قَٰتَلَهُمُ ٱللَّهُۖ أَنَّىٰ يُؤۡفَكُونَ} (30)

وقوله : { وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ }

قرأها الثقات بالتنوين وبطرح التنوين . والوجه أن ينوَّن لأن الكلام ناقص ( وابن ) في موضع خبر لعزير . فوجه العمل في ذلك أن تنوِّن ما رأيت الكلام محتاجا إلى ابن . فإن اكتفي دون بن ، فوجه الكلام ألا ينون . وذلك مع ظهور اسم أبى الرجل أو كنيته . فإذا جاوزت ذلك فأضفت ( ابن ) إلى مكنّى عنه ؛ مثل ابنك ، وابنه ، أو قلت : ابن الرجل ، أو ابن الصالح ، أدخلت النون في التامّ منه والناقص . وذلك أن حذف النون إنما كان في الموضع الذي يُجرى في الكلام كثيرا ، فيستخفّ طرحها في الموضع الذي يستعمل . وقد ترى الرجل يذكر بالنسب إلى أبيه كثيرا فيقال : مِن فلان بن فلان إلى فلان بن فلان ، فلا يجرى كثيرا بغير ذلك . وربما حذفت النون وإن لم يتمم الكلام لسكون الباء من ابن ، ويستثقل النون إذ كانت ساكنة لقيت ساكنا ، فحذفت استثقالا لتحريكها . قال : من ذلك قراءة القرّاء : ( عُزَيْرُ ابن الله ) . وأنشدني بعضهم :

لتجِدَنّي بالأمير بَرّا *** وبالقناة مِدْعَسا مِكَرَّا

*** إذا غُطَيْفُ السُلَمِىُّ فَرّا ***

وقد سمعت كثيرا من القراء الفصحاء يقرءون : { قُلْ هُوَ اللّهُ أَحدُ اللّهُ الصَّمَدُ } . فيحذفون النون من ( أحد ) . وقال آخر :

كيف نومي على الفراش ولما *** تشمِل الشامَ غارةٌ شعواء

تُذْهل الشيخَ عن بنيه وتُبْدِى *** عن خِدَامِ العَقِيلةُ العذراء

أراد : عن خدامٍ ، فحذف النون للساكن إذا استقبلتها . وربما أدخلوا النون في التمام مع ذكر الأب ؛ أنشدني بعضهم :

جارية من قيس ابن ثعلبة *** كأنها حلْيَةُ سيف مُذْهَبه

وقال آخر :

وإلا يكن مال يثاب فإنه *** سيأتي ثنائي زيدا ابنَ مُهَلهِل

وكان سبب قول اليهود : عُزَير ابن الله أن بُخْتَ نَصَّرَ قَتَل كلّ من كان يقرأ التوراة ، فأُتِىَ بعُزَير فاستصغره فتركه . فلما أحياه الله أتته اليهود ، فأملى عليهم التوراة عن ظهر لسانه . ثم إن رجلا من اليهود قال : إن أبى ذكر أن التوراة مدفونة في بستان له ، فاستخرِجت وقوبل بها ما أملَى عزير فلم يغادر منها حرفا . فقالت اليهود : ما جمع الله التوراة في صدر عُزَير وهو غلام إلا وهو ابنه - تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا - .

وقوله : { وَقَالَتْ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ } . وذُكِر أن رجلا دخل في النصارى وكان خبيثا منكَرا فلبَّس عليهم ، وقال : هو هو . وقال : هو ابنه ، وقال : هو ثالث ثلاثة . فقال الله تبارك وتعالى في قولهم ثالث ثلاثة : { يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُواْ } في قولهم : اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى .