قوله تعالى : { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة وسيحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم يهلكون أنفسهم والله يعلم إنهم لكاذبون }
اعلم أنه تعالى لما بالغ في ترغيبهم في الجهاد في سبيل الله ، وكان قد ذكر قوله : { يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض } عاد إلى تقرير كونهم متثاقلين ، وبين أن أقواما ، مع كل ما تقدم من الوعيد والحث على الجهاد ، تخلفوا في غزوة تبوك ، وبين أنه { لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك } وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : العرض ما عرض لك من منافع الدنيا ، يقال : الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر . قال الزجاج : فيه محذوف والتقدير : لو كان المدعو إليه سفرا قاصدا ، فحذف اسم ( كان ) لدلالة ما تقدم عليه . وقوله : { وسفرا قاصدا } قال الزجاج : أي سهلا قريبا . وإنما قيل لمثل هذا قاصدا ، لأن المتوسط ، بين الإفراط ، والتفريط ، يقال له : مقتصد . قال تعالى : { فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد } وتحقيقه أن المتوسط بين الكثرة والقلة يقصده كل أحد ، فسمي قاصدا ، وتفسير القاصد : ذو قصد ، كقولهم لابن وتامر ورابح . قوله : { ولكن بعدت عليهم الشقة } قال الليث : الشقة بعد مسيره إلى أرض بعيدة يقال : شقة شاقة ، والمعنى : بعدت عليهم الشاقة البعيدة ، والسبب في هذا الاسم أنه شق على الإنسان سلوكها . ونقل صاحب «الكشاف » عن عيسى بن عمر : أنه قرأ { بعدت عليهم الشقة } بكسر العين والشين .
المسألة الثانية : هذه الآية نزلت في المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك ، ومعنى الكلام أنه لو كانت المنافع قريبة والسفر قريبا لاتبعوك طمعا منهم في الفوز بتلك المنافع ، ولكن طال السفر فكانوا كالآيسين من الفوز بالغنيمة ، بسبب أنهم كانوا يستعظمون غزو الروم ، فلهذا السبب تخلفوا . ثم أخبر الله تعالى أنه إذا رجع من الجهاد يجدهم { يحلفون بالله لو استطعنا لخرجنا معكم } إما عندما يعاتبهم بسبب التخلف ، وإما ابتداء على طريقة إقامة العذر في التخلف ، ثم بين تعالى أنهم يهلكون أنفسهم بسبب ذلك الكذب والنفاق . وهذا يدل على أن الأيمان الكاذبة توجب الهلاك ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام : " اليمين الغموس تدع الديار بلاقع "
ثم قال : { والله يعلم إنهم لكاذبون } في قولهم ما كنا نستطيع الخروج ، فإنهم كانوا مستطيعين الخروج .
المسألة الثالثة : دلت الآية على أن قوله : { انفروا خفافا وثقالا } إنما يتناول من كان قادرا متمكنا ، إذ عدم الاستطاعة عذر في التخلف .
المسألة الرابعة : استدل أبو علي الجبائي بهذه الآية على بطلان أن الاستطاعة مع الفعل ، فقال : لو كانت الاستطاعة مع الفعل لكان من يخرج إلى القتال لم يكن مستطيعا إلى القتال ، ولو كان الأمر كذلك لكانوا صادقين في قولهم : ما كنا نستطيع ذلك ، ولما كذبهم الله تعالى في هذا القول ، علمنا أن الاستطاعة قبل الفعل . واستدل الكعبي بهذا الوجه أيضا له ، وسأل نفسه لا يجوز أن يكون المراد به : ما كان لهم زاد ولا راحلة ، وما أرادوا به نفس القدرة .
وأجاب : إن كان من لا راحلة له يعذر في ترك الخروج ، فمن لا استطاعة له أولى بالعذر . وأيضا الظاهر من الاستطاعة قوة البدن دون وجود المال ، وإذا أريد به المال ، فإنما يراد لأنه يعين على ما يفعله الإنسان بقوة البدن ، فلا معنى لترك الحقيقة من غير ضرورة .
وأجاب أصحابنا : بأن المعتزلة سلموا أن القدرة على الفعل لا تتقدم على الفعل ، إلا بوقت واحد ، فأما أن تتقدم عليه بأوقات كثيرة فذلك ممتنع ، فإن الإنسان الجالس في المكان لا يكون قادرا في هذا الزمان أن يفعل فعلا في مكان بعيد عنه ، بل إنما يقدر على أن يفعل فعلا في المكان الملاصق لمكانه فإذا ثبت أن القدرة عند القوم لا تتقدم الفعل إلا بزمان واحد ، فالقوم الذين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما كانوا قادرين على أصول المعتزلة ، فيلزمهم من هذه الآية ما ألزموه علينا ، وعند هذا يجب علينا وعليهم ، أن نحمل الاستطاعة على الزاد والراحلة وحينئذ يسقط الاستدلال .
المسألة الخامسة : قالوا بأن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر عنهم أنهم سيحلفون ، وهذا إخبار عن غيب يقع في المستقبل ، والأمر لما وقع كما أخبر ، كان هذا إخبارا عن الغيب ، فكان معجزا ، والله أعلم .
لو كان عرضا قريبا : كل ما يعرض للإنسان مما فيه منفعة يحصل عليها بسهولة .
الشقة : الطريق التي فيها تعب وعناء .
ولما أمَرَهم بالنَّفْر تخلَّف بعض المنافقين لأعذار ضعيفة ، وتخلّف بعضُ المؤمنين فأنزل الله تعالى قوله :
{ لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة وَسَيَحْلِفُونَ بالله لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ } .
بعد أن رغَّبهم في الجهاد ، وبيّن أن فريقاً منهم تباطأوا وتثاقلوا ، بيَّنَ هنا أن فريقاً منهُم تخلّفوا ، رغم كل ما تقدم من الوعيد ، وجعلوا ينتحِلون الأعذار ، ليستأذنوا الرسول في التخلُّف ، فندّد بهم في تخلُّفهم من متابعة الرسول في الجهاد ، فقال : لو كان في ما دعوتَهم إليه منفعة من منافع الدنيا قريبةُ المنال ليس في الوصول إليها كبيرُ عَناء ، أو لو كان سَفَراً هيّنا لا تعبَ فيه ، لاتبعوك أيها الرسول ، ولكنك استنفرتهم إلى بلدٍ بعيد وشقّ عليهم السفر ، في ذلك الوقت من الحر والقيظ . وسيحلِفون لك أنهم لو استطاعوا لخَرجوا معك . إنهم بهذا النفاق يُهلكون أنفسَهم ، واللهُ لا يخفى عليه حالُهم ، ويعلم أنهم كاذبون .
{ لَّوْ كَانَ } أي ما دعوا إليه كما يدل عليه ما تقدم { عَرَضًا قَرِيبًا } أي غنماً سهل المأخذ قريب المنال ، وأصل العرض ما عرض لك من منافع الدنيا ومتاعها . وفي الحديث «الدنيا عرض حاضر يأكل منه البر والفاجر » { وَسَفَرًا قَاصِدًا } أي متوسطاً بين القرب والبعد وهو من باب تامر ولابن { لاَّتَّبَعُوكَ } أي لوافقوك في النفير طمعاً في الفوز بالغنيمة ، وهذا شروع في تعيدي ما صدر عنهم من الهنات قولاً وفعلاً وبيان قصور همهم وما هم عليه من غير ذلك ، وقيل : هو تقرير لكونهم متثاقلين مائلين إلى الإقامة بأرضهم ، وتعليق الاتباع بكلا الأمرين يدل على عدم تحققه عند توسط السفر فقط { ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة } أي المسافة التي تقطع بمشقة . وقرأ عيسى بن عمر { بَعِدَتْ } بكسر العين { *والشقة } بكسر الشين ، وبعد يبعد كعلم يعلم لغة واختص ببعد الموت غالباً ، وجاء لا تبعد للتفجع والتحسر في المصائب كما قال :
لا يبعد الله إخواناً لنا ذهبوا *** أفناهم حدثان الدهر والأبد
{ وَسَيَحْلِفُونَ } أي المتهلفون عن الغزو { بالله } متعلق بسيحلفون ، وجوز أن يكون من جمة كلامهم ولا بد من تقدير القول في الوجهين أي سيحلفون عند رجوعك من غزوة تبوك بالله قائلين { لَوِ استطعنا } أو سيحلفون قائلين بالله لو استطعنا الخ ، وقيل : لا حاجة إلى تقدير القول لأن الحلف من جنس القول وهو أحد المذهبين المشهورين ، والمعنى لو كان لنا استطاعة من جهة العدة أو من جهة الصحة أو من جهتيهما معاً حسبما عن لهم من التعلل والكذب { لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ } لما دعوتمونا إليه وهذا جواب القسم وجواب لو محذوف على قاعدة اجتماع القسم والشرط إذا تقدم القسم وهو اختيار ابن عصفور ، واختار ابن مالك أنه جواب { لَوْ } ولو وجوابها جواب القسم ، وقيل : إنه ساد مسد جوابي القسم والشرط جميعاً ، والقسم على الاحتمال الأول ظاهر وأما على الثاني فلأن { لَوِ استطعنا } في قوة بالله لو استطعنا لأنه بيان لسيحلفون بالله وتصديق له كما قيل .
واعترض القول الأخير بأنه لم يذهب إليه أحد من أهل العربية . وأجيب بأن مراد القائل أنه لما حذف جواب { لَوْ } دل عليه جواب القسم جعل كأنه ساد مسد الجوابين . وقرأ الحسن . والأعمش { لَوِ استطعنا } بضم الواو تشبيهاً لها بواو الجمع كما في قوله تعالى : { فَتَمَنَّوُاْ الموت } [ الجمعة : 6 ] و { اشتروا الضلالة } [ البقرة : 16 ] وقرىء بالفتح أيضاً { يُهْلِكُونَ أَنفُسَهُمْ } بايقاعها في العذاب ، قيل : وهو بدل من { سَيَحْلِفُونَ } واعترض بأن الهلاك ليس مرادفاً للحلف ولا هو نوع منه ، ولا يجوز أن يبدل فعل من فعل إلا أن يكون مرادفاً له أو نوعاً منه .
وأجيب بأن الحلف الكاذب إهلاك للنفس ولذلك قال صلى الله عليه وسلم : «اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع » وحاصله أنهما ترادفان ادعاء فيكون بدل كل من كل ، وقيل إنه بدل اشتمال إذ الحلف سبب للاهلاك والمسبب يبدل من السبب لاشتماله عليه ، وجوز أن يكون حالاً من فاعله أن سيحلفون مهلكين أنفسهم ، وأن يكون حالاً من فاعل { لَخَرَجْنَا } جيء به على طريقة الأخبار عنهم كأنه قيل : نهلك أنفسنا أي لخرجنا مهلكين أنفسنا كما في قولك : حلف ليفعلن مكان لأفعلن ولكن فيه بعد . وجوز أبو البقاء الاستئناف { والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لكاذبون } في مضمون الشرطية وفيما ادعوا ضمنا من انتفاء تحقق المقدم حيث كانوا مستطيعين للخروج ولم يخرجوا .