مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{۞ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ} (54)

قوله تعالى : { الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير }

لما أعاد من الدلائل التي مضت دليلا من دلائل الآفاق وهو قوله : { الله الذي يرسل الرياح فتثير سحابا } وذكر أحوال الريح من أوله إلى آخره أعاد دليلا من دلائل الأنفس وهو خلق الآدمي وذكر أحواله ، فقال : { خلقكم من ضعف } أي مبناكم على الضعف كما قال تعالى : { خلق الإنسان من عجل } ومن ههنا كما تكون في قول القائل فلان زين فلانا من فقره وجعله غنيا أي من حالة فقره ، ثم قال تعالى : { ثم جعل من بعد ضعف قوة } فقوله من ضعف إشارة إلى حالة كان فيها جنينا وطفلا مولودا ورضيعا ومفطوما فهذه أحوال غاية الضعف ، وقوله : { ثم جعل من بعد ضعف قوة } إشارة إلى حالة بلوغه وانتقاله وشبابه واكتهاله ، وقوله : { ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة يخلق ما يشاء وهو العليم القدير } .

إشارة إلى ما يكون بعد الكهولة من ظهور النقصان والشيبة هي تمام الضعف ، ثم بين بقوله { يخلق ما يشاء } إن هذا ليس طبعا بل هو بمشيئة الله تعالى كما قال تعالى في دلائل الآفاق { فيبسطه في السماء كيف يشاء } { وهو العليم القدير } لما قدم العلم على القدرة ؟ وقال من قبل { وهو العزيز الحكيم } فالعزة إشارة إلى تمام القدرة والحكمة إلى العلم ، فقدم القدرة هناك وقدم العلم على القدرة ههنا فنقول هناك المذكور الإعادة بقوله : { وهو أهون عليه وله المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم } لأن الإعادة تكون بكن فيكون ، فالقدرة هناك أظهر وههنا المذكور الإبداء وهو أطوار وأحوال والعلم بكل حال حاصل فالعلم ههنا أظهر ، ثم إن قوله تعالى : { وهو العليم القدير } تبشير وإنذار لأنه إذا كان عالما بأعمال الخلق كان عالما بأحوال المخلوقات فإن عملوا خيرا علمه وإن عملوا شرا علمه ، ثم إذا كان قادرا فإذا علم الخير أثاب وإذا علم الشر عاقب ، ولما كان العلم بالأحوال قبل الإثابة والعقاب الذين هما بالقدرة قدم العلم ، وأما في الآخرة فالعلم بتلك الأحوال مع العقاب فقال : { وهو العليم الحكيم } وإلى مثل هذا أشار في قوله : { فتبارك الله أحسن الخالقين } عقيب خلق الإنسان ، فنقول أحسن إشارة إلى العلم لأن حسن الخلق بالعلم ، والخلق المفهوم من قوله : { الخالقين } إشارة إلى القدرة .

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{۞ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعۡفٖ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ ضَعۡفٖ قُوَّةٗ ثُمَّ جَعَلَ مِنۢ بَعۡدِ قُوَّةٖ ضَعۡفٗا وَشَيۡبَةٗۚ يَخۡلُقُ مَا يَشَآءُۚ وَهُوَ ٱلۡعَلِيمُ ٱلۡقَدِيرُ} (54)

قوله جل ذكره : { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ } .

أظهرهم على ضعف الصغر والطفولية ثم بعده قوة الشباب ثم ضعف الشيب ثم :

آخر الأمر ما ترى *** القبر واللحد والثرى

كذلك في ابتداء أمرهم يظهرهم على وصف ضعف البداية في نعت التردد والحيرة في الطلب ، ثم بعد قوة الوصل في ضعف التوحيد .

ويقال أولاً ضعف العقل لأنه بشرط البرهان وتأمله ، ثم قوة البيان في حال العرفان ، لأنه بسطوة الوجود ثم بعده ضعف الخمود ، لأنه الخمود يتلو الوجود ولا يبقى معه أثر .

ويقال { خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ } : أي حال ضعف من حيث الحاجة ثم بعده قوة الوجود ثم بعده ضعف المسكنة ، قال صلى الله عليه وسلم : " أحيني مسكيناً وأمتني مسكيناً واحشرني في زمرة المساكين " .