مفاتيح الغيب للرازي - الفخر الرازي [إخفاء]  
{وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (248)

قوله تعالى { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } .

اعلم أن ظاهر الآية المتقدمة يدل على أن أولئك الأقوام كانوا مقرين بنبوة النبي الذي كان فيهم لأن قوله تعالى حكاية عنهم { إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكا } كالظاهر في أنهم كانوا معترفين بنبوة ذلك النبي ، ومقرين بأنه مبعوث من عند الله تعالى ، ثم إن ذلك النبي لما قال : { إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا } كان هذا دليلا قاطعا في كون طالوت ملكا ، ثم إنه تعالى لكمال رحمته بالخلق ، ضم إلى ذلك الدليل دليلا آخر يدل على كون ذلك النبي صادقا في ذلك الكلام ، ويدل أيضا على أن طالوت نصبه الله تعالى للملك وإكثار الدلائل من الله تعالى جائز ، ولذلك أنه كثرت معجزات موسى عليه السلام ، ومحمد عليه الصلاة والسلام ، فلهذا قال تعالى : { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت } وفيه مسائل :

المسألة الأولى : أن مجيء ذلك التابوت لا بد وأن يقع على وجه يكون خارقا للعادة حتى يصح أن يكون آية من عند الله ، دالة على صدق تلك الدعوى ، ثم قال أصحاب الأخبار : إن الله تعالى أنزل على آدم عليه السلام تابوتا فيه صور الأنبياء من أولاده ، فتوارثه أولاد آدم إلى أن وصل إلى يعقوب ، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل ، فكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلم وحكم بينهم وإذا حضروا القتال قدموه بين أيديهم يستفتحون به على عدوهم ، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر وهم يقاتلون العدو فإذا سمعوا من التابوت صيحة استيقنوا بالنصرة ، فلما عصوا وفسدوا سلط الله عليهم العمالقة فغلبوهم على التابوت وسلبوه ، فلما سألوا نبيهم البينة على ملك طالوت ، قال ذلك النبي : إن آية ملكه أنكم تجدون التابوت في داره ، ثم إن الكفار الذين سلبوا ذلك التابوت كانوا قد جعلوه في موضع البول والغائط ، فدعا النبي عليهم في ذلك الوقت ، فسلط الله على أولئك الكفار البلاء حتى إن كل من بال عنده أو تغوط ابتلاه الله تعالى بالبواسير ، فعلم الكفار أن ذلك لأجل استخفافهم بالتابوت ، فأخرجوه ووضعوه على ثورين فأقبل الثوران يسيران ووكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما ، حتى أتوا منزل طالوت ، ثم إن قوم ذلك النبي رأوا التابوت عند طالوت ، فعلموا أن ذلك دليل على كونه ملكا لهم ، فذلك هو قوله تعالى : { وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت } والإتيان على هذا مجاز ، لأنه أتى به ولم يأت هو فنسب إليه توسعا ، كما يقال : ربحت الدراهم ، وخسرت التجارة .

والرواية الثانية : أن التابوت صندوق كان موسى عليه السلام يضع التوراة فيه ، وكان من خشب ، وكانوا يعرفونه ، ثم إن الله تعالى رفعه بعد ما قبض موسى عليه السلام لسخطه على بني إسرائيل ، ثم قال نبي ذلك القوم : إن آية ملك طالوت أن يأتيكم التابوت من السماء ، ثم إن التابوت لم تحمله الملائكة ولا الثوران ، بل نزل من السماء إلى الأرض ، والملائكة كانوا يحفظونه ، والقوم كانوا ينظرون إليه حتى نزل عند طالوت ، وهذا قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وعلى هذا الإتيان حقيقة في التابوت ، وأضيف الحمل إلى الملائكة في القولين جميعا ، لأن من حفظ شيئا في الطريق جاز أن يوصف بأنه حمل ذلك الشيء وإن لم يحمله كما يقول القائل : حملت الأمتعة إلى زيد إذا حفظها في الطريق ، وإن كان الحامل غيره .

واعلم أنه تعالى جعل إتيان التابوت معجزة ، ثم فيه احتمالان أحدهما : أن يكون مجىء التابوت معجزا ، وذلك هو الذي قررناه والثاني : أن لا يكون التابوت معجزا ، بل يكون ما فيه هو المعجز ، وذلك بأن يشاهدوا التابوت خاليا ، ثم إن ذلك النبي يضعه بمحضر من القوم في بيت ويغلقوا البيت ، ثم إن النبي يدعي أن الله تعالى خلق فيه ما يدل على واقعتنا ، فإذا فتحوا باب البيت ونظروا في التابوت رأوا فيه كتابا يدل على أن ملكهم هو طالوت ، وعلى أن الله سينصرهم على أعدائهم فهذا يكون معجزا قاطعا دالا على أنه من عند الله تعالى ، ولفظ القرآن يحتمل هذا ، لأن قوله : { يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم } يحتمل أن يكون المراد منه أنهم يجدون في التابوت هذا المعجز الذي هو سبب لاستقرار قلبهم واطمئنان أنفسهم فهذا محتمل .

المسألة الثانية : قال صاحب «الكشاف » : وزن التابوت إما أن يكون فعلوتا أو فاعولا ، والثاني مرجوح ، لأنه يقل في كلام العرب لفظ يكون فاؤه ولامه من جنس واحد ، نحو : سلس وقلق ، فلا يقال : تابوت من تبت قياسا على ما نقل ، وإذا فسد هذا القسم تعين الأول ، وهو أنه فعلوت من التوب ، وهو الرجوع لأنه ظرف يوضع فيه الأشياء ، ويودع فيه فلا يزول يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاج إليه من مودعاته .

المسألة الثالثة : قرأ الكل : التابوت بالتاء ، وقرأ أبي وزيد بن ثابت { التابوه } بالهاء وهي لغة الأنصار .

المسألة الرابعة : من الناس من قال : إن طالوت كان نبيا ، لأنه تعالى أظهر المعجزة على يده وكل من كان كذلك كان نبيا ، ولا يقال : إن هذا كان من كرامات الأولياء ، لأن الفرق بين الكرامة والمعجزة أن الكرامة لا تكون على سبيل التحدي ، وهذا كان على سبيل التحدي ، فوجب أن لا يكون من جنس الكرامات .

والجواب : لا يبعد أن يكون ذلك معجزة لنبي ذلك الزمان ، ومع كونه معجزة له فإنه كان آية قاطعة في ثبوت ملكه .

أما قوله تعالى : { فيه سكينة من ربكم } ففيه مسائل :

المسألة الأولى : { السكينة } فعيلة من السكون ، وهو ضد الحركة وهي مصدر وقع موقع الاسم ، نحو : القضية والبقية والعزيمة .

المسألة الثانية : اختلفوا في السكينة ، وضبط الأقوال فيها أن نقول : المراد بالسكينة إما أن يقال إنه كان شيئا حاصلا في التابوت أو ما كان كذلك .

والقسم الثاني : هو قول أبي بكر الأصم ، فإنه قال : { آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم } أي تسكنون عند مجيئه وتقرون له بالملك ، وتزول نفرتكم عنه ، لأنه متى جاءهم التابوت من السماء وشاهدوا تلك الحالة فلا بد وأن تسكن قلوبهم إليه وتزول نفرتهم بالكلية .

وأما القسم الأول : وهو أن المراد من السكينة شيء كان موضوعا في التابوت ، وعلى هذا ففيه أقوال الأول : وهو قول أبي مسلم أنه كان في التابوت بشارات من كتب الله تعالى المنزلة على موسى وهارون ومن بعدهما من الأنبياء عليهم السلام ، بأن الله ينصر طالوت وجنوده ، ويزيل خوف العدو عنهم الثاني : وهو قول علي عليه السلام : كان لها وجه كوجه الإنسان ، وكان لها ريح هفافة والثالث : قول ابن عباس رضي الله عنهما : هي صورة من زبرجد أو ياقوت لها رأس كرأس الهر ، وذنب كذنبه ، فإذا صاحت كصياح الهر ذهب التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا وقف وقفوا ونزل النصر .

القول الرابع : وهو قول عمرو بن عبيد : إن السكينة التي كانت في التابوت شيء لا يعلم .

واعلم أن السكينة عبارة عن الثبات والأمن ، وهو كقوله في قصة الغار : { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين } فكذا قوله تعالى : { فيه سكينة من ربكم } معناه الأمن والسكون .

واحتج القائلون بأنه حصل في التابوت شيء بوجهين الأول : أن قوله : { فيه سكينة } يدل على كون التابوت ظرفا للسكينة والثاني : وهو أنه عطف عليه قوله : { وبقية مما ترك آل موسى } فكما أن التابوت كان ظرفا للبقية وجب أن يكون ظرفا للسكينة .

والجواب عن الأول : أن كلمة { فى } كما تكون للظرفية فقد تكون للسببية قال عليه الصلاة والسلام : « في النفس المؤمنة مائة من الإبل » وقال : « في خمس من الإبل شاة » أي بسببه فقوله في هذه الآية : { فيه سكينة } أي بسببه تحصل السكينة .

والجواب عن الثاني : لا يبعد أن يكون المراد بقية مما ترك آل موسى وآل هارون من الدين والشريعة ، والمعنى أن بسبب هذا التابوت ينتظم أمر ما بقي من دينهما وشريعتهما .

وأما القائلون بأن المراد بالبقية شيء كان موضوعا في التابوت فقالوا : البقية هي رضاض الألواح وعصا موسى وثيابه وشيء من التوراة وقفير من المن الذي كان ينزل عليهم .

أما قوله : { آل موسى وآل هارون } ففيه قولان الأول : قال بعض المفسرين يحتمل أن يكون المراد من آل موسى وآل هارون هو موسى وهارون أنفسهما ، والدليل عليه قوله عليه الصلاة والسلام لأبي موسى الأشعري :

" لقد أوتي هذا مزمارا من مزامير آل داود " وأراد به داود نفسه ، لأنه لم يكن لأحد من آل داود من الصوت الحسن مثل ما كان لداود عليه السلام .

والقول الثاني : قال القفال رحمه الله : إنما أضيف ذلك إلى آل موسى وآل هارون ، لأن ذلك التابوت قد تداولته القرون بعدهما إلى وقت طالوت ، وما في التابوت أشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون ، فيكون الآل هم الأتباع ، قال تعالى : { ادخلوا آل فرعون أشد العذاب } .

وأما قوله : { تحمله الملائكة } فقد تقدم القول فيه .

وأما قوله : { إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين } فالمعنى أن هذه الآية معجزة باهرة إن كنتم ممن يؤمن بدلالة المعجزة على صدق المدعي .

 
في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (248)

243

وهي أمور من شأنها أن تصحح التصور المشوش ، وأن تجلو عنه الغبش . . ولكن طبيعة إسرائيل - ونبيها يعرفها - لا تصلح لها هذه الحقائق العالية وحدها . وهم مقبلون على معركة . ولا بد لهم من خارقة ظاهرة تهز قلوبهم ، وتردها إلى الثقة واليقين :

( وقال لهم نبيهم : إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت ، فيه سكينة من ربكم ، وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة . إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ) . .

وكان أعداؤهم الذين شردوهم من الأرض المقدسة - التي غلبوا عليها على يد نبيهم يوشع بعد فترة التيه ووفاة موسى - عليه السلام - قد سلبوا منهم مقدساتهم ممثلة في التابوت الذي يحفظون فيه مخلفات أنبيائهم من آل موسى وآل هارون . وقيل : كانت فيه نسخة الألواح التي أعطاها الله لموسى على الطور . . فجعل لهم نبيهم علامة من الله ، أن تقع خارقة يشهدونها ، فيأتيهم التابوت بما فيه ( تحمله الملائكة ) فتفيض على قلوبهم السكينة . . وقال لهم : إن هذه الآية تكفي دلالة على صدق اختيار الله لطالوت ، إن كنتم حقا مؤمنين . .

ويبدو من السياق أن هذه الخارقة قد وقعت ، فانتهى القوم منها إلى اليقين .

 
روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني للآلوسي - الآلوسي [إخفاء]  
{وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَـٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ} (248)

{ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ } عطف على مثله مما تقدم وكان توسيط ما تقدم بينهما للإشعار بعدم اتصال أحدهما بالآخر وتخلل كلام من جهة المخاطبين متفرع على السابق مستتبع للاحق ، وروايات القصاص متظافرة على أنهم قالوا لنبيهم : ما آية ملكه واصطفائه علينا ؟ فقال : { إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ التابوت } ولما لم يكن قولهم ذلك مذكوراً ليقع هذا جواباً له صراحة أعاد الفاعل ليغار ما علم صراحة كونه جواباً ، وإنما لم يجر ذلك المجرى بأن يذكر مقولهم ويكون هذا جواباً له ، ويكتفي بالإضمار كما اكتفى به أولاً للإيماء إلى أن ذلك السؤال للنبي بعد تصديقهم له وبيانه لهم ما استفهموا عنه مما لا ينبغي أن يكون حتى يجاب لأن له شبهاً تاماً بالتعنت حينئذ وإن عد من باب/ السؤال لتقوية العلم ، وهذا بناءاً على أن القوم كانوا مؤمنين ، وفي بعض الروايات ما يقتضي أنهم لم يكونوا آمنوا به حينئذ فعن السدي أن هذا النبي كان قد كفله شيخ من علماء بني إسرائيل فلما أراد الله تعالى أن يبعثه نبياً أتاه جبريل وهو غلام نائم إلى جنب الشيخ ، وكان لا يأمن عليه غيره فدعاه بلحن الشيخ فقام فزعاً إلى الشيخ فقال : يا أبتاه دعوتني ؟ فكره الشيخ أن يقول لا فيفزع فقال : يا بني ارجع فنم فرجع فنام فدعاه الثانية فأتاه الغلام أيضاً فقال : دعوتني ؟ فقال : ارجع فنم فإن دعوتك الثالثة فلا تجبني ، فلما كانت الثالثة ظهر له جبريل فقال له : اذهب إلى قومك فبلغهم رسالة ربك فإن الله تعالى قد بعثك فيهم نبياً فلما أتاهم كذبوه وقالوا : استعجلت بالنبوة ولم يأن لك وقالوا : إن كنت صادقاً فابعث لنا ملكاً ثم جرى ما جرى فقال : إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً فقالوا : ما كنت قط أكذب منك الساعة واعترضوا وأجيبوا ثم قالوا إن كنت صادقاً فأتنا بآية أن هذا ملك فقال : ما قص الله تعالى ، وحينئذ لا يبعد أن يكون الاستفهام المصرح به في الآية وكذا الطلب المرموز إليه فيها صادراً عن إنكار وعدم إيقان ، ووجه ترك ذكر سؤالهم حينئذ إن كان الإشارة إلى أن من شأن الأنبياء الإتيان بالآيات وإن لم تطلب منهم جلباً للشارد وتقييداً للوارد وليزداد الذين آمنوا هدى .

والتابوت : الصندوق وهو فعلوت من التوب ، وهو الرجوع لما أنه لا يزال يرجع إليه ما يخرج منه وصاحبه يرجع إليه فيما يحتاجه من مودعاته فتاؤه مزيدة كتاء ملكوت ، وأصله توبوت فقلبت الواو ألفا وليس بفاعول من التبت لقلة ما كان فاؤه ولامه من جنس واحد كسلس وقلق ، وقرئ ( تابوه ) بالهاء ، وهي لغة الأنصار والأولى لغة قريش ، وهي التي أمر عثمان رضي الله تعالى عنه بكتابتها في الإمام حين ترافع لديه في ذلك زيد ، وأبان رضي الله تعالى عنهما ووزنه حينئذ على ما اختاره الزمخشري فاعول لأن شبهة الاشتقاق لا تعارض زيادة الهاء وعدم النظير ، وأما جعل الهاء بدلاً من التاء لاجتماعهما في الهمس وأنهما من حروف الزيادة فضعيف لأن الإبدال في غير تاء التأنيث ليس بثبت ، وذهب الجوهري إلى أن التاء فيه للتأنيث وأصله عنده تابوة مثل ترقوة فلما سكنت الواو انقلبت هاء التأنيث تاءاً ، والمراد به صندوق كان يتبرك به بنو إسرائيل فذهب منهم ، واختلف في تحقيق ذلك فقال أرباب الأخبار : هو صندوق أنزله الله تعالى على آدم عليه السلام فيه تماثيل الأنبياء جميعهم ، وكان من عود الشمشاذ نحواً من ثلاثة أذرع في ذراعين ، ولم يزل ينتقل من كريم إلى كريم حتى وصل إلى يعقوب ثم إلى بنيه ثم وثم إلى أن فسد بنو إسرائيل وعصوا بعد موسى عليه السلام فسلط الله تعالى عليهم العمالقة فأخذوه منهم فجعلوه في موضع البول والغائط ، فلما أراد الله تعالى أن يملك طالوت سلط عليهم البلاء حتى إن كل من أحدث عنده ابتلى بالبواسير وهلكت من بلادهم خمس مدائن فعلموا أن ذلك بسبب استهانتهم به فأخرجوه وجعلوه على ثورين فأقبلا يسيران وقد وكل الله تعالى بهما أربعة من الملائكة يسوقونهما حتى أتوا منزل طالوت .

وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه صندوق التوراة وكان قد رفعه الله تعالى إلى السماء سخطاً على بني إسرائيل لما عصوا بعد وفاة موسى عليه السلام ، فلما طلبت الآية أتى من السماء والملائكة يحفظونه وبنو إسرائيل يشاهدون ذلك حتى أنزلوه في بيت طالوت . وعن أبي جعفر رضي الله تعالى عنه أنه التابوت الذي أنزل على أم موسى فوضعته فيه وألقته في البحر وكان عند بني إسرائيل يتبركون به إلى أن فسدوا فجعلوا يستخفون به فرفعه الله تعالى إلى أن كان ما كان ، وروي غير ذلك مما يطول ، وأقرب الأقوال التي رأيتها أنه صندوق التوراة تغلبت عليه العمالقة حتى رده الله تعالى ، وأبعدها أنه صندوق نزل من السماء على آدم عليه السلام وكان/ يتحاكم الناس إليه بعد موسى عليه السلام إذ اختلفوا فيحكم بينهم ويتكلم معهم إلى أن فسدوا فأخذه العمالقة ، ولم أر حديثاً صحيحاً مرفوعاً يعول عليه بفتح قفل هذا الصندوق ولا فكراً كذلك .

{ فِيهِ سَكِينَةٌ مّن رَّبّكُمْ } أي في إتيانه سكون لكم وطمأنينة ، فالسكينة مصدر حينئذ أو فيه نفسه ما تسكنون إليه وهو التوراة ، وقيل : وليس بالصحيح كما قاله الراغب صورة كانت فيه من زبرجد أو ياقوت لها رأس وذنب كرأس الهرة وذنبها وجناحان فتئن فيزف التابوت نحو العدو وهم يمضون معه فإذا استقر ثبتوا وسكنوا ونزل النصر ، والجملة في موضع الحال .

و ( من ) لابتداء الغاية أو للتبعيض أي من سكينات ربكم .

{ وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ موسى وَءالُ هارون } هي رضاض الألواح وثياب موسى وعمامة هرون وطست من ذهب كانت تغسل به قلوب الأنبياء . وكلمة الفرج لا إله إلا الله الحليم الكريم وسبحان الله رب السموات السبع ورب العرش العظيم ، والحمد لله رب العالمين ، وآلهما أتباعهما أو أنفسهما ، أو أنبياء بني إسرائيل ، لأنهم أبناء عمهما { تَحْمِلُهُ الملائكة } حال من التابوت ، والحمل إما حقيقة أو مجاز على حد . حمل زيد متاعي إلى مكة . { إِنَّ في ذَلِكَ } إشارة إلى ما ذكر من إتيان التابوت فهو من كلام النبي لقومه أو إلى نقل القصة وحكايتها فهو ابتداء خطاب منه تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين وجيء به قبل تمام القصة إظهاراً لكمال العناية ، وإفراد حرف الخطاب مع تعدد المخاطبين على التقديرين بتأويل الفريق ونحوه { لآيَةً } عظيمة كائنة { لَكُمْ } دالة على جعل طالوت ملكاً عليكم أو على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم حيث أخبر بما أخبر من غير سماع من البشر ولا أخذ من كتاب { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي مصدقين بتمليكه عليكم أو بشيء من الآيات ، و{ إن } شرطية والجواب محذوف اعتماداً على ما قبله وليس المقصود حقيقة الشرطية إذا كان المخاطب من تحقق إيمانه ، وقيل : هي بمعنى إذ .

( ومن باب الإشارة ) :{ وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ ءايَةَ مُلْكِهِ } عليكم وخلافته من قبل الرب فيكم { أَن يَأْتِيَكُمُ } تابوت الصدر { فِيهِ سَكِينَةٌ } أي طمأنينة من { رَبُّكُمْ } وهي الطمأنينة بالإيمان والأنس بالله تعالى ، { وَبَقِيَّةٌ مّمَّا تَرَكَ ءالُ موسى } القلب { وَقَالَ لَهُمْ } السر ، وهي من التوحيد وعصا لا إله إلا الله التي تلقف عظيم سحر صفات النفس وطست تجلي الأنوار الذي يغسل به قلوب الأنبياء وشيء من توراة الإلهامات { تَحْمِلُهُ } [ البقرة : 8 24 ] ملائكة الاستعدادات لدى طالوت الروح فعند ذلك تسلم له الخلافة وينقاد له جميع أسباط صفات الإنسان .