وأما المثل الثاني فهو قوله : { أو كظلمات في بحر لجي } وفي لفظة ( أو ) ههنا وجوه . أحدها : اعلم أن الله تعالى بين أن أعمال الكفار إن كانت حسنة فمثلها السراب وإن كانت قبيحة فهي الظلمات . وثانيها : تقدير الكلام أن أعمالهم إما كسراب بقيعة وذلك في الآخرة ، وإما كظلمات في بحر وذلك في الدنيا . وثالثها : الآية الأولى في ذكر أعمالهم وأنهم لا يتحصلون منها على شيء ، والآية الثانية في ذكر عقائدهم فإنها تشبه الظلمات كما قال : { يخرجهم من الظلمات إلى النور } أي من الكفر إلى الإيمان يدل عليه قوله تعالى : { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } وأما البحر اللجي فهو ذو اللجة التي هي معظم الماء الغمر البعيد القعر ، وفي اللجي لغتان كسر اللام وضمها ، وأما تقرير المثل فهو أن البحر اللجي يكون قعره مظلما جدا بسبب غمورة الماء ، فإذا ترادفت عليه الأمواج ازدادت الظلمة فإذا كان فوق الأمواج سحاب بلغت الظلمة النهاية القصوى ، فالواقع في قعر هذا البحر اللجي يكون في نهاية شدة الظلمة ، ولما كانت العادة في اليد أنها من أقرب ما يراها ومن أبعد ما يظن أنه لا يراها فقال تعالى : { لم يكد يراها } وبين سبحانه بهذا البلوغ تلك الظلمة إلى أقصى النهايات ثم شبه به الكافر في اعتقاده وهو ضد المؤمن في قوله تعالى : { نور على نور } وفي قوله : { يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم } ولهذا قال أبي بن كعب الكافر يتقلب في خمس من الظلم كلامه وعمله ومدخله ومخرجه ومصيره إلى النار ، وفي كيفية هذا التشبيه وجوه أخر . أحدها : أن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات ظلمة البحر وظلمة الأمواج وظلمة السحاب وكذا الكافر له ظلمات ثلاثة ظلمة الاعتقاد وظلمة القول وظلمة العمل عن الحسن . وثانيها : شبهوا قلبه وبصره وسمعه بهذه الظلمات الثلاث عن ابن عباس . وثالثها : أن الكافر لا يدري ، ولا يدري أنه لا يدري ، ويعتقد أنه يدري ، فهذه المراتب الثلاث تشبه تلك الظلمات . ورابعها : أن هذه الظلمات متراكمة فكذا الكفار لشدة إصراره على كفره ، قد تراكمت عليه الضلالات حتى أن أظهر الدلائل إذا ذكرت عنده لا يفهمها . وخامسها : قلب مظلم في صدر مظلم .
أما قوله : { ظلمات بعضها فوق بعض } فروي عن ابن كثير أنه قرأ ( سحاب ) وقرأ ( ظلمات ) بالجر على البدل من قوله : { أو كظلمات } وعنه أيضا أنه قرأ ( سحاب ظالمات ) كما يقال سحاب رحمة وسحاب عذاب على الإضافة وقراءة الباقين { سحاب ظلمات } كلاهما بالرفع والتنوين وتمام الكلام عند قوله : { سحاب } ثم ابتدأ { ظلمات } أي ما تقدم ذكره ظلمات بعضها فوق بعض .
أما قوله : { لم يكد يراها } ففيه قولان : أحدهما : أن كاد نفيه إثبات وإثباته نفي فقوله : { وما كادوا يفعلون } نفي في اللفظ ولكنه إثبات في المعنى لأنهم فعلوا ذلك وقوله عليه الصلاة والسلام : «كاد الفقر أن يكون كفرا » إثبات في اللفظ لكنه نفي في المعنى لأنه لم يكفر فكذا ههنا قوله : { لم يكد يراها } معناه أنه رآها . والثاني : أن كاد معناه المقاربة فقوله : { لم يكد يراها } معناه لم يقارب الوقوع ومعلوم أن الذي لم يقارب الوقوع لم يقع أيضا وهذا القول هو المختار والأول ضعيف لوجهين : الأول : أن ما يكون أقل من هذه الظلمات فإنه لا يرى فيه شيء فكيف مع هذه الظلمات . الثاني : أن المقصود من هذا التمثيل المبالغة في جهالة الكفار وذلك إنما يحصل إذا لم توجد الرؤية البتة مع هذه الظلمات .
أما قوله : { ومن لم يجعل الله نورا فما له من نور } فقال أصحابنا إنه سبحانه لما وصف هداية المؤمن بأنها في نهاية الجلاء والظهور عقبها بأن قال : { يهدي الله لنوره من يشاء } ولما وصف ضلالة الكافر بأنها في نهاية الظلمة عقبها بقوله : { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } والمقصود من ذلك أن يعرف الإنسان أن ظهور الدلائل لا يفيد الإيمان وظلمة الطريق لا تمنع منه ، فإن الكل مربوط بخلق الله تعالى وهدايته وتكوينه ، وقال القاضي المراد بقوله : { ومن لم يجعل الله له نورا } أي في الدنيا بالألطاف { فما له من نور } أي لا يهتدي فيتحير ويحتمل { ومن لم يجعل الله له نورا } أي مخلصا في الآخرة وفوزا بالثواب { فما له من نور } والكلام عليه تزييفا وتقريرا معلوم .
وفي المشهد الثاني تطبق الظلمة بعد الالتماع الكاذب ؛ ويتمثل الهول في ظلمات البحر اللجي . موج من فوقه موج . من فوقه سحاب . وتتراكم الظلمات بعضها فوق بعض ، حتى ليخرج يده أمام بصره فلا يراها لشدة الرعب والظلام !
إنه الكفر ظلمة منقطعة عن نور الله الفائض في الكون . وضلال لا يرى فيه القلب أقرب علامات الهدى . ومخافة لا أمن فيها ولا قرار . . ( ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) . . ونور الله هدى في القلب ؛ وتفتح في البصيرة ؛ واتصال في الفطرة بنواميس الله في السماوات والأرض ؛ والتقاء بها على الله نور السماوات والأرض . فمن لم يتصل بهذا النور فهو في ظلمة لا انكشاف لها ، وفي مخالفة لا أمن فيها ، وفي ضلال لا رجعة منه . ونهاية العمل سراب ضائع يقود إلى الهلاك والعذاب ؛ لأنه لا عمل بغير عقيدة ، ولا صلاح بغير إيمان . إن هدى الله هو الهدى . وإن نور الله هو النور .
{ أو كظلمات } عطف على { كسراب } و { أو } للتخيير فإن أعمالهم لكونها لاغية لا منفعة لها كالسراب . ولكونها خالية عن نور الحق كالظلمات المتراكمة من لج البحر والأمواج والسحاب ، أو للتنويع فإن أعمالهم إن كانت حسنة فكالسراب وإن كانت قبيحة فكالظلمات ، أو للتقسيم باعتبار وقتين فإنها كالظلمات في الدنيا كالسراب في الآخرة . { في بحر لجي } ذي لج أي عميق منسوب إلى اللج وهو معظم الماء { يغشاه } يغشى البحر . { موج من فوقه موج } أي أمواج مترادفة متراكمة . { من فوقه } من فوق الموج الثاني . { سحاب } غطى النجوم ويحجب أنوارها ، والجملة صفة أخرى لل{ بحر } { ظلمات } أي هذه ظلمات . { بعضها فوق بعض } وقرأ ابن كثير { ظلمات } بالجر على إبدالها من الأولى أو بإضافة ال{ سحاب } إليها في رواية البزي . { إذا أخرج يديه } وهي أقرب ما يرى إليه . { لم يكد يراها } لم يقرب أن يراها فضلا أن يراها كقول ذي الرمة :
إذا غير النأي المحبين لم يكد *** رسيس الهوى من حب مية يبرح
والضمائر للواقع في البحر وإن لم يجر ذكره لدلالة المعنى عليه . { ومن لم يجعل الله له نورا } ومن لم يقدر له الهداية . ليوقفه لأسبابها . { فما له من نور } خلاف الموفق الذي له نور على نور .
{ بحر لجي } : أي ذو لجج واللجة معظم الماء وغزيره كما هي الحال في المحيطات .
{ يغشاه موج } : يعلوه ويغطيه موج آخر .
ومثل آخر تضمنته الآية الثانية ( 40 ) وهو مثل مضروب لضلال الكافر وحيرته في حياته وما يعيش عليه من ظلمة الكفر ظلمة العمل السيئ والاعتقاد الباطل وظلمة الجهل بربه وما يريده منه ، وما أعده له قال تعالى : { أو كظلمات في بحر لجي } أي ذي لجج من الماء { يغشاه } أي يعلوه { موج من فوقه موج } أي من فوق الموج موج آخر { من فوقه سحاب } والسحاب عادة مظلم فهي { ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها } لشدة الظلمة هذه حال الكافر في هذه الحياة الدنيا ، وهي ناتجة عن إعراضه عن ذكر ربه وتوغله في الشر والفساد وقوله تعالى : { ومن لم يجعل الله له نوراً فماله من نور } أعلم تعالى عباده أن النور له وبيده فنم لم يطلبه منه حرمه وعاش في الظلمات والعياذ بالله .
- بيان حال الكافرين في هذه الدنيا وأنهم يعيشون في ظلمات الجهل والكفر والظلم .
- تقرير حقيقة وهي أن من لم يجعل الله له نوراً في قلبه لن يكن له نور في حياته كلها .