النكت و العيون للماوردي - الماوردي  
{أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ} (40)

قوله : { أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ } الظلمات : ظلمة البحر وظلمة السحاب وظلمة الليل .

وفي قوله لجيّ ثلاثة أقاويل :

أحدها : أنه البحر الواسع الذي لا يرى ساحله ، حكاه ابن عيسى .

الثاني : أنه البحر الكثير الموج ، قاله الكلبي .

الثالث : أنه البحر العميق ، وهذا قول قتادة ، ولجة البحر وسطه ، ومنه ما روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " مَنْ رَكِبَ البَحْرَ إِذَا الْتَجَّ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ " يعني إذا توسطه .

{ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ مَوْجٌ مِّن فَوْقِهِ سَحَابٌ } [ {[2073]}يحتمل وجهين :

أحدهما : يغشاه موج من فوق الموج ريح ، من فوق الريح سحاب ] فيجمع خوف الموج وخوف الريح وخوف السحاب .

الثاني : معناه يغشاه موج من بعده فيكون المعنى الموج بعضه يتبع بعضاً حتى كأن بعضه فوق بعض وهذا أخوف ما يكون إذا توالى موجه وتقارب ، ومن فوق هذا الموج سحاب وهو أعظم للخوف من وجهين :

أحدهما : أنه قد يغطي النجوم التي يهتدى بها .

الثاني : الريح التي تنشأ مع السحاب والمطر الذي ينزل منه .

{ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ } يحتمل وجهين :

أحدهما : أن يريد الظلمات التي بدأ بذكرها وهي ظلمة البحر وظلمة السحاب وظلمة الليل .

الثاني : يعني بالظلمات الشدائد أي شدائد بعضها فوق بعض .

{ إِذَا أخْرَجَ يَدَه لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا } فيه وجهان :

أحدهما : معناه أنه رآها بعد أن كاد لا يراها ، حكاه ابن عيسى .

الثاني : لم يرها ولم يكد ، قاله الزجاج وهو معنى قول الحسن .

وفي قوله لم يكد وجهان :

أحدهما : لم يطمع أن يراها .

الثاني : لم يرها ويكاد صلة زائدة في الكلام .

{ ومَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهَ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ } فيه وجهان :

أحدهما : ومن لم يجعل الله له سبيلاً إلى النجاة في الآخرة فما له من سبيل إليها ، حكاه ابن عيسى .

الثاني : ومن لم يهده الله للإِسلام لم يهتد إليه ، قاله الزجاج .

وقال بعض أصحاب الخواطر وجهاً ثالثاً : ومن لم يجعل الله نوراً له في وقت القسمة فما له من نور في وقت الخلقة .

ويحتمل رابعاً : ومن لم يجعل الله له قبولاً في القلوب لم تقبله القلوب .

وهذا المثل ضربه الله للكافر ، فالظلمات ظلمة الشرك وظلمة الليل وظلمة المعاصي ، والبحر اللجي قلب الكافر . يغشاه من فوقه عذاب الدنيا ، فوقه عذاب الآخرة .


[2073]:ما بين الزاويتين سقط من ش.