قوله تعالى : { وقالت اليهود عزير ابن الله وقال النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل قاتلهم الله أنى يؤفكون }
المسألة الأولى : اعلم أنه تعالى لما حكم في الآية المتقدمة على اليهود والنصارى بأنهم لا يؤمنون بالله ، شرح ذلك في هذه الآية وذلك بأن نقل عنهم أنهم أثبتوا لله ابنا ، ومن جوز ذلك في حق الإله فهو في الحقيقة قد أنكر الإله ، وأيضا بين تعالى أنهم بمنزلة المشركين في الشرك ، وإن كانت طرق القول بالشرك مختلفة ، إذ لا فرق بين من يعبد الصنم وبين من يعبد المسيح وغيره لأنه لا معنى للشرك إلا أن يتخذ الإنسان مع الله معبودا ، فإذا حصل هذا المعنى فقد حصل الشرك ، بل أنا لو تأملنا لعلمنا أن كفر عابد الوثن أخف من كفر النصارى ، لأن عابد الوثن لا يقول إن هذا الوثن خالق العالم وإله العالم ، بل يجريه مجرى الشيء الذي يتوسل به إلى طاعة الله . أما النصارى فإنهم يثبتون الحلول والاتحاد وذلك كفر قبيح جدا ، فثبت أنه لا فرق بين هؤلاء الحلولية وبين سائر المشركين ، وأنهم إنما خصهم بقبول الجزية منهم ، لأنهم في الظاهر ألصقوا أنفسهم بموسى وعيسى ، وادعوا أنهم يعملون بالتوراة والإنجيل ، فلأجل تعظيم هذين الرسولين المعظمين وتعظيم كتابيهما وتعظيم أسلاف هؤلاء اليهود والنصارى بسبب أنهم كانوا على الدين الحق ، حكم الله تعالى بقبول الجزية منهم ، وإلا ففي الحقيقة لا فرق بينهم وبين المشركين .
المسألة الثانية : في قوله : { وقالت اليهود عزيز ابن الله } أقوال : الأول : قال عبيد ابن عمير : إنما قال هذا القول رجل واحد من اليهود اسمه فنحاص بن عازوراء . الثاني : قال ابن عباس في رواية سعيد بن جبير وعكرمة : أتى جماعة من اليهود إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهم : سلام بن مشكم ، والنعمان بن أوفى ، ومالك بن الصيف ، وقالوا : كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا ، ولا تزعم أن عزيرا ابن الله ، فنزلت هذه الآية ، وعلى هذين القولين فالقائلون بهذا المذهب بعض اليهود إلا أن الله نسب ذلك القول إلى اليهود بناء على عادة العرب في إيقاع اسم الجماعة على الواحد ، يقال فلان يركب الخيول ولعله لم يركب إلا واحدا منها ، وفلان يجالس السلاطين ولعله لا يجالس إلا واحدا .
والقول الثالث : لعل هذا المذهب كان فاشيا فيهم ثم انقطع ، فحكى الله ذلك عنهم ، ولا عبرة بإنكار اليهود ذلك ، فإن حكاية الله عنهم أصدق . والسبب الذي لأجله قالوا هذا القول ما رواه ابن عباس أن اليهود أضاعوا التوراة وعملوا بغير الحق ، فأنساهم الله تعالى التوراة ونسخها من صدورهم فتضرع عزير إلى الله وابتهل إليه فعاد حفظ التوراة إلى قلبه ، فأنذر قومه به ، فلما جربوه وجدوه صادقا فيه ، فقالوا ما تيسر هذا لعزير إلا أنه ابن الله ، وقال الكلبي : قتل بختنصر علماءهم فلم يبق فيهم أحد يعرف التوراة . وقال السدي : العمالقة قتلوهم فلم يبق فيهم أحد يعرف التوراة ، فهذا ما قيل في هذا الباب . وأما حكاية الله عن النصارى أنهم يقولون : المسيح ابن الله ، فهي ظاهرة لكن فيها إشكال قوي ، وهي أنا نقطع أن المسيح صلوات الله عليه وأصحابه كانوا مبرئين من دعوة الناس إلا الأبوة والبنوة ، فإن هذا أفحش أنواع الكفر ، فكيف يليق بأكابر الأنبياء عليهم السلام ؟ وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعقل إطباق جملة محبي عيسى من النصارى على هذا الكفر ، ومن الذي وضع هذا المذهب الفاسد ، وكيف قدر على نسبته إلى المسيح عليه السلام ؟ فقال المفسرون في الجواب عن هذا السؤال : أن أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام كانوا على الحق بعد رفع عيسى حتى وقع حرب بينهم وبين اليهود ، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس قتل جمعا من أصحاب عيسى ، ثم قال لليهود إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار ، وإني أحتال فأضلهم ، فعوقب فرسه وأظهر الندامة مما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال : نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تتنصر ، وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه ، ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلا اسمه نسطور ، وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة ، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت ، وقال : ما كان عيسى إنسانا ولا جسما ولكنه الله ، وعلم رجلا آخر يقال له يعقوب ذلك ، ثم دعا رجلا يقال له ملكا فقال له : إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى ، ثم دعا لهؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم أنت خليفتي فادع الناس إلى إنجيلك ، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني ، وإني غدا أذبح نفسي لمرضاة عيسى ، ثم دخل المذبح فذبح نفسه ، ثم دعا كل واحد من هؤلاء الثلاثة الناس إلى قوله ومذهبه ، فهذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى ، هذا ما حكاه الواحدي رحمه الله تعالى ، والأقرب عندي أن يقال لعله ورد لفظ الابن في الإنجيل على سبيل التشريف ، كما ورد لفظ الخليل في حق إبراهيم على سبيل التشريف ، ثم إن القوم لأجل عداوة اليهود ولأجل أن يقابلوا غلوهم الفاسد في أحد الطرفين بغلو فاسد في الطرف الثاني ، فبالغوا وفسروا لفظ الابن بالبنوة الحقيقية ، والجهال ، قبلوا ذلك ، وفشا هذا المذهب الفاسد في أتباع عيسى عليه السلام ، والله أعلم بحقيقة الحال .
المسألة الثالثة : قرأ عاصم والكسائي وعبد الوارث عن أبي عمرو { عزير } بالتنوين والباقون بغير التنوين . قال الزجاج : الوجه إثبات التنوين . فقوله : { عزير } مبتدأ وقوله : { ابن الله } خبره ، وإذا كان كذلك فلا بد من التنوين في حال السعة لأن عزيرا ينصرف سواء كان أعجميا أو عربيا ، وسبب كونه منصرفا أمران : أحدهما : أنه اسم خفيف فينصرف ، وإن كان أعجميا كهود ولوط والثاني : أنه على صيغة التصغير وأن الأسماء الأعجمية لا تصغر ، وأما الذين تركوا التنوين فلهم فيه ثلاثة أوجه :
الوجه الأول : أنه أعجمي ومعرفة ، فوجب أن لا ينصرف .
الوجه الثاني : أن قوله : { ابن } صفة والخبر محذوف ، والتقدير : عزير ابن الله معبودنا ، وطعن عبد القاهر الجرجاني في هذا الوجه في كتاب «دلائل الإعجاز » ، وقال الاسم إذا وصف بصفة ثم أخبر عنه فمن كذبه انصرف التكذيب إلى الخبر ، وصار ذلك الوصف مسلما . فلو كان المقصود بالإنكار هو قولهم عزير ابن الله معبودنا ، لتوجه الإنكار إلى كونه معبودا لهم ، وحصل كونه ابنا لله ، ومعلوم أن ذلك كفر ، وهذا الطعن عندي ضعيف . أما قوله إن من أخبر عن ذات موصوفة بصفة بأمر من الأمور وأنكره منكر ، توجه الإنكار إلى الخبر فهذا مسلم . وأما قوله : ويكون ذلك تسليما لذلك الوصف فهذا ممنوع ، لأنه لا يلزم من كونه مكذبا لذلك الخبر بالتكذيب أن يدل على أن ما سواه لا يكذبه بل يصدقه ، وهذا بناء على دليل الخطاب وهو ضعيف لا سيما في مثل هذا المقام .
الوجه الثالث : قال الفراء : نون التنوين ساكنة من عزير ، والباء في قوله : { ابن الله } ساكنة فحصل ههنا التقاء الساكنين ، فحذف نون التنوين للتخفيف ، وأنشد الفراء :
فألفيته غير مستعتب *** ولا ذاكر الله إلا قليلا
واعلم أنه لما حكى عنهم بهذه الحكاية قال : { ذلك قولهم بأفواههم } .
ولقائل أن يقول : إن كل قول إنما يقال بالفم ، فما معنى تخصيصهم لهذا القول بهذه الصفة .
والجواب من وجوه : الأول : أن يراد به قول لا يعضده برهان فما هو إلا لفظ يفوهون به فارغ من معنى معتبر لحقه ، والحاصل أنهم قالوا باللسان قولا ، ولكن لم يحصل عند العقل من ذلك القول أثر ، لأن إثبات الولد للإله مع أنه منزه عن الحاجة والشهوة والمضاجعة والمباضعة قول باطل ، ليس عند العقل منه أثر . ونظيره قوله تعالى : { يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم } والثاني : أن الإنسان قد يختار مذهبا إما على سبيل الكناية وإما على سبيل الرمز والتعريض ، فإذا صرح به وذكره بلسانه ، فذلك هو الغاية في اختياره لذلك المذهب ، والنهاية في كونه ذاهبا إليه قائلا به . والمراد ههنا أنهم يصرحون بهذا المذهب ولا يخفونه البتة . والثالث : أن المراد أنهم دعوا الخلق إلى هذه المقالة حتى وقعت هذه المقالة في الأفواه والألسنة ، والمراد منه مبالغتهم في دعوة الخلق إلى المذهب .
ثم قال تعالى : { يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } وفيه مسائل :
المسألة الأولى : في تفسير هذه الآية وجوه : الأول : أن المراد أن هذا القول من اليهود والنصارى يضاهي قول المشركين الملائكة بنات الله . الثاني : أن الضمير للنصارى أي قولهم المسيح ابن الله يضاهي قول اليهود عزير ابن الله لأنهم أقدم منهم . الثالث : أن هذا القول من النصارى يضاهي قول قدمائهم ، يعني أنه كفر قديم ، فهو غير مستحدث .
المسألة الثانية : المضاهاة : المشابهة . قال الفراء يقال ضاهيته ضهيا ومضاهاة ، هذا قول أكثر أهل اللغة في المضاهاة . وقال شمر : المضاهاة : المتابعة ، يقال : فلان يضاهي فلانا أي يتابعه .
المسألة الثالثة : قرأ عاصم { يضاهئون } بالهمزة وبكسر الهاء ، والباقون بغير همزة وضم الهاء ، يقال ضاهيته وضاهأته لغتان مثل أرجيت وأرجأت . وقال أحمد بن يحيى لم يتابع عاصما أحد على الهمزة .
ثم قال تعالى : { قاتلهم الله أنى يؤفكون } أي هم أحقاء بأن يقال لهم هذا القول تعجبا من بشاعة قولهم كما يقال القوم ركبوا سبعا ، قاتلهم الله ما أعجب فعلهم ! { أنى يؤفكون } الإفك الصرف يقال أفك الرجل عن الخير ، أي قلب وصرف ، ورجل مأفوك أي مصروف عن الخير . فقوله تعالى : { أنى يؤفكون } معناه كيف يصدون ويصرفون عن الحق بعد وضوح الدليل ، حتى يجعلوا لله ولدا ! وهذا التعجب إنما هو راجع إلى الخلق ، والله تعالى لا يتعجب من شيء ، ولكن هذا الخطاب على عادة العرب في مخاطباتهم ، والله تعالى عجب نبيه من تركهم الحق وإصرارهم على الباطل .
{ وقالت اليهود : عزير ابن الله ؛ وقالت النصارى : المسيح ابن الله . ذلك قولهم بأفواههم ، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل . قاتلهم الله ! أنى يؤفكون ؟ } . .
لما أمر الله المسلمين بقتال أهل الكتاب { حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } . . كانت هنالك ملابسات في واقع المجتمع المسلم في المدينة - تحدثنا عنها في تقديم السورة وتقديم المقطع الأول منها - تدعو إلى توكيد هذا الأمر وتقويته ؛ وجلاء الأسباب والعوامل التي تحتمه ؛ وإزالة الشبهات والمعوقات التي تحيك في بعض النفوس تجاهه . وبخاصة أن طاعة هذا الأمر كانت تقتضي مواجهة الروم في أطراف الشام . والروم كانوا مرهوبين من العرب قبل الإسلام ؛ وكانوا مسيطرين على شمال الجزيرة لفترة طويلة ؛ ولهم أعوان من القبائل العربية ، وسلطنة خاضعة لنفوذهم هي سلطنة الغساسنة . . وحقيقة أن هذه لم تكن أول ملحمة يخوضها المسلمون مع الروم ، بعد أن أعز الله أولئك العرب بالإسلام ، وجعل منهم أمة تواجه الروم والفرس بعد أن كانوا قبائل لا تجرؤ ولا تفكر في الالتحام بالروم والفرس ؛ وكل ما عرف عنها من شجاعة إنما يتبدى في قتال بعضها لبعض ، وفي الغارات والثارات والنهب والسلب ! ولكن مهابة الروم كانت ما تزال باقية في أعماق النفوس - وبخاصة تلك التي لم يتم انطباعها بالطابع الإسلامي الأصيل - وكانت آخر ملحمة كبيرة بين المسلمين والروم - وهي غزوة مؤتة - ليست في صالح المسلمين . وقد احتشد فيها من الروم وعملائهم من نصارى العرب ما روي أنه مائتا ألف !
كل هذه الملابسات - سواء ما يتعلق منها بتركيب المجتمع المسلم في هذه الفترة ؛ أو ما يختص برواسب المهابة للروم والتخوف من الالتحام معهم ؛ مضافاً إليها ظروف الغزوة ذاتها - وقد سميت غزوة العسرة لما سنبينه من الظروف التي أحاطت بها - وفوق ذلك كله شبهة أن الروم وعمالهم من نصارى العرب هم أهل كتاب . . كل هذه الملابسات دعت إلى زيادة الإيضاحات والبيانات القوية لتقرير حتمية هذا الأمر ، وإزلة الشبهات والمعوقات النفسية ، وجلاء الأسباب والعوامل لتلك الحتمية . .
وفي هذه الآية يبين السياق القرآني ضلال عقيدة أهل الكتاب هؤلاء ؛ وأنها تضاهئ عقيدة المشركين من العرب ، والوثنيين من قدامى الرومان وغيرهم . وأنهم لم يستقيموا على العقيدة الصحيحة التي جاءتهم بها كتبهم ؛ فلا عبرة إذن بأنهم أهل كتاب ، وهم يخالفون في الاعتقاد الأصل الذي تقوم عليه العقيدة الصحيحة في كتبهم . والذي يلفت النظر هو ذكر اليهود هنا وقولهم : عزير ابن الله ؛ في حين أن الآيات كانت بصدد التوجيه والتحضير لمواجهة الروم وحلفائهم من نصارى العرب .
وذلك - على ما نرجح - يرجع إلى أمرين :
الأول : أنه لما كان نص الآيات عاماً ؛ والأمر بقتال أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون عاما ؛ فقد اقتضى السياق بيان الأصل الاعتقادي الذي يستند إليه هذا الأمر العام في شأن أهل الكتاب عامة من اليهود والنصارى سواء .
الثاني : أن اليهود كانوا قد رحلوا من المدينة إلى أطراف الشام ؛ بعدما اشتبكوا مع الإسلام والمسلمين في حرب مريرة منذ مقدم الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة ؛ انتهت بإجلاء بني قينقاع وبني النضير إلى أطراف الشام ؛ هم وأفراد من بني قريظة . فكان اليهود يومئذ في طريق الانطلاق الإسلامي إلى أطراف الشام . مما اقتضى أن يشملهم ذلك الأمر ، وأن يشملهم هذا البيان .
وقول النصارى : { المسيح ابن الله } معلوم مشهور ؛ وما تزال عليه عقائدهم حتى اللحظة منذ أن حرفها بولس ، ثم تم تحريفها على أيدي المجامع المقدسة - كما سنبين - فأما قول اليهود : { عزير ابن الله } فليس شائعاً ولا معروفاً اليوم . والذي في كتب اليهود المدونة الباقية سفر باسم " عزرا " - وهو عزير - نعت فيه بأنه كاتب ماهر في توارة موسى ، وأنه وجه قلبه لالتماس شريعة الرب . . ولكن حكاية هذا القول عن اليهود في القرآن دليل قاطع على أن بعضهم على الأقل - وبخاصة يهود المدينة - زعموا هذا الزعم ، وراج بينهم ؛ وقد كان القرآن يواجه اليهود والنصارى مواجهة واقعية ؛ ولو كان فيما يحكيه من أقوالهم ما لا وجود له بينهم لكان هذا حجة لهم على تكذيب ما يرويه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولما سكتوا عن استخدام هذا على أوسع نطاق !
وقد أورد المرحوم الشيخ رشيد رضا في الجزء العاشر من تفسير المنار ( ص 378 - ص 385 ) خلاصة مفيدة عن مكانة عزرا عند اليهود وعلق عليها كذلك تعليقاً مفيداً ننقل منه هنا فقرات تفيدنا في بيان حقيقة ما عليه اليهود إجمالاً . قال :
" جاء في دائرة المعارف اليهودية ( طبعة 1903 ) أن عصر عزرا هو ربيع التاريخ الملي لليهودية الذي تفتحت فيه أزهاره وعبق شذا ورده . وأنه جدير بأن يكون هو ناشر الشريعة ( وفي الأصل عربة أو مركبة الشريعة ) لو لم يكن جاء بها موسى ( التلمود 21ب ) فقد كانت نسيت . ولكن عزرا أعادها أو أحياها . ولولا خطايا بني إسرائيل لاستطاعوا رؤية الآيات ( المعجزات ) كما رأوها في عهد موسى . . اه . . وذكر فيها أنه كتب الشريعة بالحروف الأشورية - وكان يضع علامة على الكلمات التي يشك فيها - وأن مبدأ التاريخ اليهودي يرجع إلى عهده .
وقال الدكتور جورج بوست في قاموس الكتاب المقدس : عزرا ( عون ) كاهن يهودي وكاتب شهير سكن بابل مدة " ارتحشثتا " الطويل الباع ؛ وفي السنة السابعة لملكه أباح لعزرا بأن يأخذ عدداً وافراً من الشعب إلى أورشليم سنة 457 ق .
م ( عزرا ص 7 ) وكانت مدة السفر أربعة أشهر .
" ثم قال : وفي تقليد اليهود يشغل عزرا موضعاً يقابل بموضع موسى وإيليا ؛ ويقولون إنه أسس المجمع الكبير ، وأنه جمع أسفار الكتاب المقدس ، وأدخل الأحرف الكلدانية عوض العبرانية القديمة ، وأنه ألف أسفار " الأيام " و " عزرا " و " نحميا " .
" ثم قال : ولغة سفر " عزرا " من ص 4 : 8 - 6 : 19 كلدانية ، وكذلك ص 7 : 1 - 27 ، وكان الشعب بعد رجوعهم من السبي يفهمون الكلدانية أكثر من العبرانية . ا ه .
" وأقول : إن المشهور عند مؤرخي الأمم ، حتى أهل الكتاب منهم ، أن التوراة التي كتبها موسى عليه السلام ووضعها في تابوت العهد أو بجانبه ، قد فقدت قبل عهد سليمان عليه السلام . فإنه لما فتح التابوت في عهده لم يوجد فيه غير اللوحين اللذين كتبت فيهما الوصايا العشر ، كما تراه في سفر الملوك الأول . وأن ( عزرا ) هذا هو الذي كتب التوراة وغيرها بعد السبي بالحروف الكلدانية ، واللغة الكلدانية الممزوجة ببقايا اللغة العبرية التي نسي اليهود معظمها . ويقول أهل الكتاب : إن عزرا كتبها كما كانت بوحي أو بإلهام من الله . . وهذا ما لا يسلمه لهم غيرهم ، وعليه اعتراضات كثيرة مذكورة في مواضعها من الكتب الخاصة بهذا الشأن ، حتى من تآليفهم ، كذخيرة الألباب للكاثوليك - وأصله فرنسي - وقد عقد الفصلين الحادي عشر والثاني عشر لذكر بعض الاعتراضات على كون الأسفار الخمسة لموسى . ومنها قوله :
" جاء في سفر عزرا ( 4 ف 14 عدد 21 ) أن جميع الأسفار المقدسة حرقت بالنار في عهد " نبوخذ نصر " حيث قال : " إن النار أبطلت شريعتك فلم يعد سبيل لأي امرئ أن يعرف ما صنعت ! " ويزاد على ذلك أن عزرا أعاد بوحي الروح القدس تأليف الأسفار المقدسة التي أبادتها النار ، وعضده فيها كتبة خمسة معاصرون ، ولذلك ترى " ثرثوليانوس " والقديس " إيريناوس " والقديس " إيرونيموس " والقديس " يوحنا الذهبي " والقديس " باسيليوس " وغيرهم يدعون عزرا : مرمم الأسفار المقدسة المعروفة عند اليهود . . اه . .
. . . " نكتفي بهذا البيان هنا ولنا فيه غرضان : ( أحدهما ) : أن جميع أهل الكتاب مدينون لعزير هذا في مستند دينهم وأصل كتبهم المقدسة عندهم . ( وثانيهما ) : أن هذا المستند واهي النسيان متداعي الأركان ، وهذا هو الذي حققه علماء أوربة الأحرار . فقد جاء في ترجمته من دائرة المعارف البريطانية بعد ذكر ما في سفره وسفر نحميا من كتابته للشريعة : أنه جاء في روايات أخرى متأخرة عنها أنه لم يعد إليهم الشريعة التي أحرقت فقط ، بل أعاد جميع الأسفار العبرية التي كانت قد أتلفت ، وأعاد سبعين سفراً غير قانونية ( أبو كريف ) ثم قال كاتب الترجمة فيها : وإذا كانت الأسطورة الخاصة بعزرا هذا قد كتبها مَن كتبها من المؤرخين بأقلامهم من تلقاء أنفسهم ، ولم يستندوا في شيء منها إلى كتاب آخر ، فكتاب هذا العصر يرون أن أسطورة عزرا قد اختلقها أولئك الرواة اختلاقاً .
. . ( انظر ص 14 ج 9 من الطبعة الرابعة عشرة سنة 1929 ) .
" وجملة القول : أن اليهود كانوا وما يزالون يقدسون عزيرا هذا حتى إن بعضهم أطلق عليه لقب " ابن الله " . ولا ندري أكان إطلاقه عليه بمعنى التكريم الذي أطلق على إسرائيل وداود وغيرهما ، أم بالمعنى الذي سيأتي قريباً عن فيلسوفهم ( فيلو ) وهو قريب من فلسفة وثنيي الهند التي هي أصل عقيدة النصارى . وقد اتفق المفسرون على أن إسناد هذا القول إليهم يراد به بعضهم لا كلهم . .
. . . " وأما الذين قالوا هذا القول من اليهود فهم بعض يهود المدينة ، كالذين قال الله فيهم :
{ وقالت اليهود : يد الله مغلولة ، غلت أيديهم } الآية . . والذين قال فيهم :
{ لقد كفر الذين قالوا : إن الله فقير ونحن أغنياء } رداً على قوله تعالى :
{ من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً }
ويحتمل أن يكون قد سبقهم إليه غيرهم ولم ينقل إلينا . .
" روى ابن إسحاق وابن جرير وابن أبي حاتم وأبو الشيخ ، وابن مردويه عن ابن عباس ( رضي ) قال : أتى رسول الله ( ص ) سلام بن مشكم ، ونعمان بن أوفى ، وأبو أنس وشاس بن قيس ، ومالك بن الصيف ، فقالوا : كيف نتبعك وقد تركت قبلتنا ، وأنت لا تزعم أن عزير ابن الله ؟ ! . . . الخ .
" ومن المعلوم أن بعض النصارى الذين قالوا : إن المسيح ابن الله كانوا من اليهود . وقد كان ( فيلو ) الفيلسوف اليهودي الإسكندري المعاصر للمسيح يقول : إن لله ابناً هو كلمته التي خلق بها الأشياء . فعلى هذا لا يبعد أن يكون بعض المتقدمين على عصر البعثة المحمدية قد قالوا : إن عزيراً ابن الله بهذا المعنى " . .
ومن هذا البيان يتضح ما وراء حكاية القرآن لقول اليهود هذا - في هذه المناسبة التي يتوخاها السياق - فهي تقرير حقيقة ما عليه فريق من أهل الكتاب من فساد الاعتقاد ، الذي لا يتفق معه أن يكونوا مؤمنين بالله ، أو أن يكونوا يدينون دين الحق . وهذه هي الصفة الأساسية التي قام عليها حكم القتال . وإن يكن القصد من القتال ليس هو إكراههم على الإسلام ؛ وإنما هو كسر شوكتهم التي يقفون بها في وجه الإسلام ؛ واستسلامهم لسلطانه ليتحرر الأفراد - في ظل هذا الاستسلام - من التأثر بالضغوط التي تقيد إرادتهم في اختيار دين الحق من غير إكراه من هنا أو من هناك .
أما قول النصارى " المسيح ابن الله " وأنه ثالث ثلاثة فهو - كما قلنا - شائع مشهور ، وعليه جميع مذاهبهم منذ أن حرف بولس رسالة المسيح القائمة على التوحيد كبقية الرسالات ؛ ثم أتمت تحريفها المجامع المقدسة ، وقضت على أصل فكرة التوحيد قضاء نهائياً !
وسنكتفي مرة أخرى بنقل ملخص جيد في عقائد النصارى عن تفسير المنار للأستاذ الشيخ محمد رشيد رضا - جاء فيه بعنوان : " ثالوث : Trinite - y "
" كلمة تطلق عند النصارى على وجود ثلاثة أقانيم معاً في اللاهوت تعرف بالأب والابن والروح القدس ، وهذا التعليم هو من تعاليم الكنيسة الكاثوليكية والشرقية وعموم البروتستانت إلا ما ندر ، والذين يتمسكون بهذا التعليم يذهبون إلى أنه مطابق لنصوص الكتاب المقدس ، وقد أضاف اللاهوتيون إليه شروحاً وإيضاحات اتخذوها من تعاليم المجامع القديمة وكتابات آباء الكنيسة العظام . وهي تبحث عن طريقة ولادة الأقنوم الثاني وانبثاق الأقنوم الثالث ، وما بين الأقانيم الثلاثة من النسبة ، وصفاتهم المميزة وألقابهم . ومع أن لفظة ثالوث لا توجد في الكتاب المقدس ، ولا يمكن أن يؤتى بآية من العهد القديم تصرح بتعليم الثالوث ، قد اقتبس المؤلفون المسيحيون القدماء آيات كثيرة تشير إلى وجود صورة جمعية في اللاهوت ؛ ولكن إذ كانت تلك الآيات قابلة لتفاسير مختلفة كانت لا يؤتى بها كبرهان قاطع على تعليم الثالوث بل كرموز إلى الوحي الواضح الصريح الذي يعتقدون أنه مذكور في العهد الجديد . وقد اقتبس منه مجموعان كبيران من الآيات كحجج لإثبات هذا التعليم ( أحدهما ) الآيات التي ذكر فيها الأب والابن والروح القدس معاً ( والآخر ) التي ذكر فيها كل منهم على حدة والتي تحتوي على نوع أخص صفاتهم ونسبة أحدهم إلى الآخر .
" والجدال عن الأقانيم في اللاهوت ابتدأ في العصر الرسولي . وقد نشأ على الأكثر عن تعاليم الفلاسفة الهيلانيين والغنوسطيين فإن ثيوفيلوس أسقف إنطاكية في القرن الثاني استعمل كلمة " ترياس " باليونانية ، ثم كان " ترتليانوس " أول من استعمل كلمة " ترينيتاس " المرادفة لها ومعناها الثالوث ، وفي الأيام السابقة للمجمع النيقاوي حصل جدال مستمر في هذا التعليم وعلى الخصوص في الشرق ؛ وحكمت الكنيسة على كثير من الآراء بأنها أراتيكية ومن جملتها آراء الأبيونيين الذين كانوا يعتقدون أن المسيح إنسان محض " والسابيليين " الذين كانوا يعقتدون أن الأب والابن والروح القدس إنما هي صور مختلفة أعلن بها الله نفسه للناس " والأريوسيين " الذين كانوا يعتقدون أن الابن ليس أزلياً كالأب بل هو مخلوق منه قبل العالم ، ولذلك هو دون الأب وخاضع له ، " والمكدونيين " الذين أنكروا كون الروح القدس أقنوما .
" وأما تعليم الكنيسة فقد قرره المجمع النيقاوي سنة 325 للميلاد ، ومجمع القسطنطينية سنة 381 وقد حكما بأن الابن والروح القدس مساويان للأب في وحدة اللاهوت ، وأن الابن قد ولد منذ الأزل من الأب ، وأن الروح القدس منبثق من الأب ، ومجمع طليطلة المنعقد سنة 589 حكم بأن الروح القدس منبثق من الابن أيضاً ، وقد قبلت الكنيسة اللاتينية بأسرها هذه الزيادة وتمسكت بها ، وأما الكنيسة اليونانية فمع أنها كانت في أول الأمر ساكتة لا تقاوم قد أقامت الحجة فيما بعد على تغيير القانون حاسبة ذلك بدعة .
" وعبارة ( ومن الابن أيضاً ) لا تزال من جملة الموانع الكبرى للاتحاد بين الكنيسة اليونانية والكاثوليكية ، وكتب اللوثيريين والكنائس المصلحة أثبتت تعليم الكنيسة الكاثوليكية للثالوث على ما كان عليه من دون تغيير ، ولكن قد ضاد ذلك منذ القرن الثالث عشر جمهور كبير من اللاهوتيين وعدة طوائف جديدة كالسوسينيانيين والجرمانيين والموحدين والعموميين وغيرهم حاسبين ذلك مضاداً للكتاب المقدس والعقل ، وقد أطلق " سويد تيراغ " الثالوث على أقنوم المسيح معلماً بثالوث . ولكن لا ثالوث الأقانيم بل ثالوث الأقنوم . وكان يفهم بذلك أن ما هو إلهي في طبيعة المسيح هو الأب ، وأن الإلهي الذي اتحد بناسوت المسيح هو الابن ، وأن الإلهي الذي انبثق منه هو الروح القدس ، وانتشار مذهب العقليين في الكنائس اللوثيرية والمصلحة أضعف مدة من الزمان اعتقاد الثالوث بين عدد كبير من اللاهوتيين الجرمانيين .
" وقد ذهب ( كنت ) إلى أن الأب والابن والروح القدس إنما تدل على ثلاث صفات أساسية في اللاهوت ، وهي القدرة والحكمة والمحبة ، أو على ثلاثة فواعل عليا وهي الخلق والحفظ والضبط ، وقد حاول كل من هيجين وشلنغ أن يجعلا لتعليم الثالوث أساساً تخيليا وقد اقتدى بهما اللاهوتيون الجرمانيون المتأخرون ، وحاولوا المحاماة عن تعليم الثالوث بطرق مبنية على أسس تخيلية ولاهوتية ؛ وبعض اللاهوتيين الذين يعتمدون على الوحي لا يتمسكون بتعليم استقامة الرأي الكنائسية بالتدقيق كما هي مقررة في مجمعي نيقية والقسطنطينية المسكونيين ، وقد قام محامون كثيرون في الأيام المتأخرة لعضد آراء السابيليين على الخصوص " اه .
ومن هذا العرض المجمل المفيد ، يتبين أن جميع الطوائف والمذاهب المسيحية الكنسية لا تدين دين الحق ، الذي يقوم على توحيد الله سبحانه ؛ وعلى أنه ليس كمثله شيء ؛ وأنه لا ينبثق منه - سبحانه - أحد !
وكثيراً ما ذكر " الأريوسيون " على أنهم " موحدون " وإطلاق اللفظ هكذا مضلل فالآريوسيون لا يوحدون التوحيد المفهوم من دين الله الحق ، إنما هم يخلطون ! فبينما هم يقررون أن المسيح ليس أزلياً كالله - وهذا حق - - يقررون في الوقت نفسه أنه ( الابن ) ! وأنه مخلوق من ( الأب ) قبل خلق العالم ! وهذا لا يعتبر من " التوحيد " الحقيقي في شيء !
ولقد صدر حكم الله بالكفر الصريح على من يقولون : المسيح ابن الله .
وعلى من يقولون : المسيح هو الله . وعلى من يقولون : إن الله ثالث ثلاثة . ولا تجتمع صفة الكفر وصفة الإيمان في عقيدة ، ولا في قلب . إنما هما أمران مختلفان !
والتعقيب القرآني على قول اليهود : { عزير ابن الله } . وقول النصارى : { المسيح ابن الله } يثبت أنهم في هذا يماثلون قول الذين كفروا من قبل ومعتقداتهم وتصوراتهم :
{ ذلك قولهم بأفواههم ، يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } . .
فهو أولاً يثبت أن هذا القول صادر منهم ، وليس مقولاً عنهم . ومن ثم يذكر { أفواههم } لاستحضار الصورة الحسية الواقعية - على طريقة القرآن في التصوير - إذ أنه مفهوم أن قولهم يكون بأفواههم . فهذه الزيادة ليست لغواً - تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً - وليست إطناباً زائداً ، إنما هي طريقة التعبير القرآنية التصويرية ؛ فهي التي تستحضر " صورة " القول ، وتحيلها واقعية كأنها مسموعة مرئية ! وذلك فضلاً على ما تؤديه من معنى بياني آخر - إلى جانب استحياء الصورة وإثباتها - وهو أن هذا القول لا حقيقة له في عالم الواقع ؛ إنما هو مجرد قول بالأفواه ، ليس وراءه موضوع ولا حقيقة !
ثم نجيء إلى ناحية أخرى من الإعجاز القرآني الدال على مصدره الرباني . ذلك قول الله سبحانه :
{ يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } . .
ولقد كان المفسرون يقولون عن هذه الآية : إن المقصود بها أن قولتهم ببنوة أحد لله ، تماثل قول المشركين العرب ببنوة الملائكة لله . . وهذا صحيح . . ولكن دلالة هذا النص القرآني أبعد مدى . ولم يتضح هذا المدى البعيد إلا حديثاً بعد دراسة عقائد الوثنيين في الهند ومصر القديمة والإغريق . مما اتضح معه أصل العقائد المحرفة عند أهل الكتاب - وبخاصة النصارى - وتسربها من هذه الوثنيات إلى تعاليم " بولس الرسول " أولاً ؛ ثم إلى تعاليم المجامع المقدسة أخيراً . .
إن الثالوث المصري المؤلف من أوزوريس وإيزيس وحوريس هو قاعدة الوثنية الفرعونية . وأزوريس يمثل ( الأب ) وحوريس يمثل ( الابن ) في هذا الثالوث .
وفي علم اللاهوت الإسكندري الذي كان يدرس قبل المسيح بسنوات كثيرة " الكلمة هي الإله الثاني " ويدعى أيضاً " ابن الله البكر " .
والهنود كانوا يقولون بثلاثة أقانيم أو ثلاث حالات يتجلى فيها الإله : " برهما " في حالة الخلق والتكوين . و " فشنو " في حالة الحفظ والقوامة . و " سيفا " في حالة الإهلاك والإبادة . . وفي هذه العقيدة ، أن " فشنو " هو ( الابن ) المنبثق والمتحول عن اللاهوتية في ( برهما ) !
وكان الأشوريون يؤمنون بالكلمة ، ويسمونها ( مردوخ ) ويعتقدون أن مردوخ هذا هو ابن الله البكر !
وكان الإغريق يقولون بالإله المثلث الأقانيم . وإذا شرع كهنتهم في تقديم الذبائح يرشون المذبح بالماء المقدس ثلاث مرات ، ويأخذون البخور من المبخرة بثلاث أصابع ، ويرشون المجتمعين حول المذبح بالماء المقدس ثلاث مرات .
إشارة إلى التثليث . . وهذه الشعائر هي التي أخذتها الكنيسة بما وراءها من العقائد الوثنية وضمتها للنصرانية تضاهئ بها قول الذين كفروا من قبل !
ومراجعة عقائد الوثنيين القدامى - التي لم تكن معروفة وقت نزول القرآن - مع هذا النص القرآني : { يضاهئون قول الذين كفروا من قبل } - كما أنها تثبت أن أهل الكتاب لا يدينون دين الحق ، ولا يؤمنون بالله الإيمان الصحيح - تبين كذلك جانباً من جوانب الإعجاز في القرآن الكريم ، بالدلالة على مصدره ، أنه من لدن عليم خبير . .
وبعد هذا التقرير والبيان تختم الآية المبينة لحقيقة ما عليه أهل الكتاب من الكفر والشرك ، بقوله تعالى : ( قاتلهم اللّه ! أنى يؤفكون ? ) .
و . . نعم . . قاتلهم اللّه ! كيف يُصرفون عن الحق الواضح البسيط ، إلى هذه الوثنية المعقدة الغامضة التي لا تستقيم لدى عقل أو ضمير ? !
{ عُزير } : هو الذي أماته الله مائة عام ثم بعثه ، واليهود يسمونه : عِزْرا .
{ المسيح } : هو عيسى بن مريم عليهما السلام .
{ قول الذين كفروا } : أي من آبائهم وأجدادهم الماضين .
{ قاتلهم الله } : أي لعنهم الله لأجل كفرهم .
{ أنى يؤفكون } : أي كيف يصرفون عن الحق .
لما أمر تعالى بقتال أهل الكتاب لكفرهم وعدم إيمانهم الإِيمان الحق المنجي من النار ذكر في هذه الآية الثلاث ما هو مقرر لكفرهم ومؤكد له فقال { وقالت اليهود عزير ابن الله } ونسبة الولد إلى الله تعالى كفر بجلاله وكماله { وقالت النصارى المسيح ابن الله } ونسبه الولد إليه تعالى كفر به عز وجل وبماله من جلال وكمال وقوله تعالى : { ذلك قولهم بأفواهم } أي ليس له من الواقع شيء إذ ليس لله تعالى ولد ، وكيف يكون له ولد ولم تكن له زوجة ، وإنما ذلك قولهم بأفواههم فقط { يضاهئون به } أي يشابهون به { قول الذين كفروا من قبل } وهم اليهود الأولون وغيرهم وقوله تعالى { قاتلهم الله أنى يؤفكون } دعاء عليهم باللعن والطرد من رحمة الله تعالى وقوله { أنى يؤفكون } أي كيف يصرفون عن الحق ويبعدون عنه بهذه الصورة العجيبة .