ثم بين تعالى أنهم عند نزول تلك المحن عليهم يقدمون على ما يزيد في كفرهم ومعصيتهم فقال : { فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه } قال ابن عباس : يريد بالحسنة العشب والخصب والثمار والمواشي والسعة في الرزق والعافية والسلامة { وقالوا لنا هذه } أي نحن مستحقون على العادة التي جرت من كثرة نعمنا وسعة أرزاقنا ، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروه عليه ويقوموا بحق النعمة فيه . وقوله : { وإن تصبهم سيئة } يريد القحط والجدب والمرض والضر والبلاء { يطيروا بموسى ومن معه } أي يتشاءموا به . ويقولوا إنما أصابنا هذا الشر بشؤم موسى وقومه ، والتطير التشاؤم في قول جميع المفسرين وقوله : { يطيروا } هو في الأصل يتطيروا ، أدغمت التاء في الطاء ، لأنهما من مكان واحد من طرف اللسان وأصول الثنايا وقوله : { ألا إنما طائرهم عند الله } في الطائر قولان :
القول الأول : قال ابن عباس : يريد شؤمهم عند الله تعالى أي من قبل الله أي إنما جاءهم الشر بقضاء الله وحكمه ، فالطائر ههنا الشؤم . ومثله قوله تعالى في قصة ثمود : { قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله } قال الفراء : وقد تشاءمت اليهود بالنبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، فقالوا غلت أسعارنا وقلت أمطارنا مذ أتانا ، قال الأزهري : وقيل للشؤم طائر وطير وطيرة ، لأن العرب كان من شأنها عيافة الطير وزجرها ، والتطير ببارحها ، ونعيق غربانها ، وأخذها ذات اليسار إذا أثاروها ، فسموا الشؤم طيرا وطائرا وطيرة لتشاؤمهم بها .
ثم أعلم الله تعالى على لسان رسوله أن طيرتهم باطلة ، فقال : { لا طيرة ولا هام } وكان النبي صلى الله عليه وسلم يتفاءل ، ولا يتطير . وأصل الفأل الكلمة الحسنة ، وكانت العرب مذهبها في الفأل والطيرة واحد ، فأثبت النبي صلى الله عليه وسلم الفأل وأبطل الطيرة قال محمد الرازي رحمه الله : ولا بد من ذكر فرق بين البابين . والأقرب أن يقال : إن الأرواح الإنسانية أصفى وأقوى من الأرواح البهيمية والطيرية . فالكلمة التي تجري على لسان الإنسان يمكن الاستدلال بها بخلاف طيران الطير ، وحركات البهائم ، فإن أرواحها ضعيفة ، فلا يمكن الاستدلال بها على شيء من الأحوال .
القول الثاني : في تفسير الطائر قال أبو عبيدة : { ألا إنما طائرهم عند الله } أي حظهم . وهو ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : إنما طائرهم ما قضي عليهم وقدر لهم والعرب تقول : أطرت المال وطيرته بين القوم فطار لكل منهم سهمه . أي حصل له ذلك السهم .
واعلم أن على كلا القولين ، المعنى : أن كل ما يصيبهم من خير أو شر فهو بقضاء الله تعالى وبتقديره { ولكن أكثرهم لا يعلمون } أن الكل من الله تعالى ، وذلك لأن أكثر الخلق يضيفون الحوادث إلى الأسباب المحسوسة ويقطونها عن قضاء الله تعالى وتقديره ، والحق أن الكل من الله ، لأن كل موجود ، فهو إما واجب الوجود لذاته أو ممكن لذاته ، والواجب واحد وما سواه ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذته ، وبهذا الطريق يكون الكل من الله فإسنادها إلى غير الله يكون جهلا بكمال الله تعالى .
لم ينتبهوا لهذه الظاهرة التي شاءت رحمة الله بعباده أن تبرزها لأعينهم . ولكنهم كانوا إذا أصابتهم الحسنة والرخاء حسبوها حقاً طبيعياً لهم ! وإذا أصابتهم السيئة والجدب نسبوا هذا إلى شؤم موسى ومن معه عليهم .
( فإذا جاءتهم الحسنة قالوا : لنا هذه ! وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ) . .
وحين تنحرف الفطرة عن الإيمان بالله ، فإنها لا ترى يده - سبحانه - في تصريف هذا الوجود ؛ ولا ترى قدره الذي تنشأ به الأشياء والأحداث . وعندئذ تفقد إدراكها وحساسيتها بالنواميس الكونية الثابتة النافذة . فتفسر الحوادث تفسيرات منفصلة منعزلة . لا صلة بينها ولا قاعدة ولا ترابط ؛ وتهيم مع الخرافة في دروب ملتوية متفرقة ؛ لا تلتقي عند قاعدة ، ولا تجتمع وفق نظام - وذلك كالذي قاله خروشوف صاحب الاشتراكية " العلمية ! " عن معاكسة " الطبيعة ! " لهم في تعليل نقص الثمرات والغلات ! وكما يقول الذين يمضون مع هذه " العلمية " المدعاة في تعليل مثل هذه الأحداث . . وهم ينكرون قدر الله . . وفيهم من يدعي بعد استنكار غيب الله وقدر الله أنه " مسلم " وهو ينكر أصول الإيمان بالله !
وهكذا مضى فرعون وآله يعللون الأحداث . الحسنة التي تصيبهم هي من حسن حظهم وهم يستحقونها . والسيئة التي تصيبهم هي بشؤم موسى ومن معه عليهم ، ومن تحت رأسهم !
وأصل " التطير " في لغة العرب ما كان الجاهليون في وثنيتهم وشركهم وبعدهم عن إدراك سنن الله وقدره يزاولونه . . فقد كان الرجل منهم إذا أراد أمرا ، جاء إلى عش طائر فهيجه عنه ، فإذا طار عن يمينه - وهو السانح - استبشر بذلك ومضى في الأمر الذي يريده . وإذا طار الطائر عن شماله - وهو البارح - تشاءم به ورجع عما عزم عليه ! فأبطل الإسلام هذا التفكير الخرافي ؛ وأحل محله التفكير " العلمي " - العلمي الصحيح - وأرجع الأمور إلى سنن الله الثابتة في الوجود ؛ وإلى قدر الله الذي يحقق هذه السنن في كل مرة تتحقق فيها ؛ وأقام الأمور على أسس " علمية " يحسب فيها نية الإنسان وعمله وحركته وجهده ؛ وتوضع في موضعها الصحيح ، في إطار المشيئة الإلهية الطليقة ، وقدره النافذ المحيط :
( ألا إنما طائرهم عند الله ؛ ولكن أكثرهم لا يعلمون ) . .
إن ما يقع لهم مصدره كله واحد . . إنه من أمر الله . . ومن هذا المصدر تصيبهم الحسنة للابتلاء . . وتصيبهم السيئة للابتلاء : ( ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون ) . . ويصيبهم النكال للجزاء . . ولكن أكثرهم لا يعلمون . . كالذين ينكرون غيب الله وقدره في هذه الأيام باسم " العقلية العلمية " ! وكالذين ينسبون إلى الطبيعة المعاكسة باسم " الاشتراكية العلمية " كذلك ! ! ! وكلهم جهال . . وكلهم لا يعلمون !
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.